You are here
لحظة الاغتراب واستباحة المعنى لدى هادي الناصر

لحظة الاغتراب واستباحة المعنى لدى هادي الناصر
مازن المعموري
تعمل اللغة على إمتلاكنا حالما نحاول أن نحصل على خصوصية ما لانجاز لغة أخرى، إنها لغة الشعر بلا شك
وهذه اللغة من الخطورة بمكان بحيث تعمل دائماً على إتخاذ موقعها كسلطة معرفية جامحة نحو تغيير الواقع، ذلك الصراع المستمر بين المنتج الأول (الشاعر) وقدرتها على إزاحته والغائه في القراءة، نحن بحاجة اذن لأن نحصل على مرقاب خفي يشير ولايتحدث .. يساهم باكتشاف ما تحت الكشطة كما يقول (دريدا).لقد كان العنوان ذا حساسية شعرية عالية طرح مجموعة اسئلة تتوارد تحت تأثير ما يلتقطه ذلك المرقاب وما تستشفه لغة الواقع الافتراضي (الحلم) أو ما أسميه لغة (الكلام) بمعنى آخر إن هادي الناصر قد أنجز عتبة مهمة من عتبات النص عندما تحول الى مرقاب خاص يرسم المشهد ويؤول الذات مع كل عتبة لاحقة.
ما إن أغمض جفني
يداهمني صراخ المدن المستباحة
ولعل هذه الآلية التي جعلت من المشاهد تتحول الى ثيمات تتمركز داخل النصوص وتهيمن دلالات الخراب والعزلة التي حولت كل ذلك التنوع والضوضاء، وهي صفة المدينة اذا ما أخذنا برأي (جوناثان رايان) على إن المدينة هي نظام لانتاج الإشارات والصور، وعلى هذا الاساس فهي تتصف بالفردية ولاتحترم الإنسجام بقدر ما تحترم الصراع الطبقي حيث تتحول الى مجموعة مسارح واشارات تؤدي وظائف مختلفة لانتاج شفرات ودوال غاية في التعقيد، لذا نجد أن الشاعر وسط هذه الفردانية يجد نفسه بحاجة ماسة للسماء واسترجاع مثالية غائبة.
يا سماء
امطري لي حفنة من أصدقاء
فأنا وحدي
على هذا الطريق
عارياً دون مظلة
إن العلاقة بين العري كاستلاب والمظلة كمكان يحاول أن يلوذ به وينضوي تحته وهي استعارة للطفولة ولحظة الارتماء بأحضان الأم والشعور بالأمان المطلق، إلا أن هذا المكان غائب ومتواري وهو بالتالي يشير الى علاقة الدوال داخل الجملة الشعرية لدى هادي الناصر محملة بخطاب سياسي غالباً ما يظهر على السطح بشكل مباشر أحياناً في كثير من المقاطع.
أبحث عن وطن يكسيني
مثل الرمان
فأنا منفرط
والاقدام تدوس
هذا الإنفراط السايكولوجي يندغم بين مرايا النصوص ويتحول الى نسغ دائم يؤسس بنية الإزاحة الإنعكاسية للذات ويؤدي بالنتيجة الى تعقيد صيغة التواصل مع الآخر حيث يتحول الآخر الضد الى أداة قمع دائمة متوارية احياناً وظاهرة في أحيان كثيرة ، تنثال أسئلة وتصطدم مع جملة الإنهيارات التي ألقتها الذات على الواقع منذ أن ارتفع الإنسان عن حيوانيته وأزاح مرحلة المهد الاولى لنمو منظومته الفكرية بدأ يتكلم واستطاع أن يسيطر على علاماته، تلك العلامات المنتجة لصيغة العلاقة بين اللغة والفكر ومن خلالهما إندرجت مجموعة التصورات حول المكان والزمان وأنشأت من هذين المفهومين ستراتيجيات قيمية هيأت العقل البشري للتعامل مع الطبيعة ورسخت مجموعة القوانين التي لعبت دوراً حاسماً في مجمل الصراعات التي أنتجتها اللغة وانتقال المجتمع الى مرحلة جديدة في كل مرة تتغير العلاقات المفاهيمية لانتاج مساحة جديدة للصراع ، وعلى هذا الأساس نجد أن مجموعة النصوص التي ألقت حزمة ضوء من خلال ثقب المقال على المفاصل التي أنتجتها الصراعات والحروب في المجتمع العراقي بل ذهبت الى إعادة تشكيل ذلك النمط الإجتماعي وتحويل رؤاه وكينونته بسبب هيمنة بنية الإغتراب داخل النصوص واعادة إنتاج ذلك المفهوم لفك مفاتيح قراءات متعددة.
أيمنحني الإغتراب تأشيراً لذاتي!
وكيف أوصد باب المحجر
أنا أشاهد على فناء النهارات بسكين الترقب
أنا المرتجف هلعاً … من الأعمدة على العصافير.
أنا كاهل مقوس وأسئلة
ولهذا نجد أن القضية الأكثر حضوراً في ممارسة تهديم المشهد وطرح الأسئلة الوجودية تتداعى تباعاً في
الناصر تحت تأثير هذا الردم المتواصل لبقعة الضوء التي لازمت هذه المساحة واصرارها على الانتقال الى مناطق جديدة.
سيان عندنا نموت أو نعيش
أدائما نرتل ما يجيء من الأقاصي؟
ونحبو كالسلاحف نحو قاماتنا
أدائماً نغني بالهلاك لتنأى القمامة بأجسادنا؟
أدائماً ينتهك الحلم ونصحو على هرج القذائف بين الوسائد؟
يستطيع كل من يدرس الشعر العراقي الحديث تلمس التبعات الأساسية للخطاب الشعري، حيث تشكل العزلة والإستباحة ومسخ الهوية الإنسانية مهيمنات أساسية تعيد تكرار نفسها دائماً في أي نص شعري يمثل مرحلة خطيرة في تاريخ هذا البلد العجيب على مدى صفحاته وانقلاباته السوداوية، لذلك نجد أن الشاعر بصفته المبدع المهيمن على مجمل النتاج الثقافي العراقي يزاول قراءته المستمرة للمحذوف ولا مرئي ويعيد إنتاج دواله كلما أساء القراءة (بالمفهوم الفلسفي) واضاء مساحة مظلمة جديدة في ذلك الجسد خاصة وأن تأثير الخطاب السياسي غالباً ما تكون له اليد الطولى في توجيه شفرات النص الشعري العراقي لما لهذه المنطقة من حضور في المتغيرات السياسية العالمية اقتصادياً وحضارياً، ما جعل النص الحديث يمثل خطاباً مضاداً يتمرد أكثر من لرؤية معرفية عميقة ترتفع بالنص الشعري الى مصاف النتاج العالمي .
11/12/2006 - 01:02
القسم:


التعليقات