You are here
لحظة فاصلة

لحظة فاصلة
محمد عطية محمود
غمرت الدهشة المستاءة وجوه الرجال
(1)
على باب " الهيئة " الزجاجي الغامق ، تلتحم صرامة سحن الرجال ـ الممتلئ الأبدان ـ مع حللهم ، ورابطات أعناقهم السوداء .. تتشابك مع أفئدتنا المشتعلة بالتوجس .
تباطأت خطواتنا .. تختزل وقع ما ألمّ بها .
( في لقاء الأمس الفياض بالشجون .. استغلقت علينا كل الدروب .. طاشت كل الإجابات المحتملة لشتى الأسئلة ، وبدت لها عتمة تخترق سراديب النفس المتشعبة .
بادرني .. يخفف من وطأة مضاعفات الشجون :
لم يعد أمامنا إلا التماس نقدمه .)
لكزت صاحبي هامسا :
لنرجع .. وليحمل صندوق البريد خطابينا .
لامست يده ذراعي الساعية إلى الخلف ، همس :
لن تجدي إلا مقابلة المسئول ، وتسليمه الخطابين في يده .
دفعتنا الخطوات نحو الدرجات الرخامية العريضة ، المدرج جانبيها بأحواض الزهور الذابلة .
غمرت الدهشة المستاءة وجوه الرجال . أسرع أحدهم يقفز المسافة بين الباب الزجاجي وأول الدرجات المطلة علينا من أعلى .. يرفع كفه في مواجهتنا .. يرمق الظرفين الأبيضين في يدينا .. يمنع السؤال بجواب قاطع :
إذا كنتما تريدان المقابلة .. ؛ فالمسئول لم يحضر بعد .
قطع المسافة ـ من خلفه إلى اليسار ـ بعينين متحفزتين .. يشير إلى الشارع الجانبي المجاور متابعا . وعموما .. فكل ما يختص بـ (العامّة) ، يتبع مكتب (المدير المختص) .
(2)
خلف صفحات وجوه خاملة ، استقبلتنا جثث الأوراق المتراصة بإهمال.
راحت الوجوه تضاهي بين الغريب والمألوف في وجهينا .. تتمطى نظراتها العابسة .. تفزع إحداها من حقيبة نسائية مفتوحة ، وأخرى من حقيبة متأهبة للفتح .
تداعب بعض الأيدي أكياس مأكولات ، تستعد للالتهام ، وصينية كبيرة تتزاحم فيها أكواب الشاي أسود اللون .. تعانقها نفثات من دخان سيجارة مشتعلة لتوها .
اقترب منا ، بزيه الكاكي ، ينفض آثار الماء عن يديه .. ينظر بإهمال مصطنع إلى ما بيدينا .. يختلس النظر خلفه .. يحرك شفتي الابتسامة الخفية الماكرة .. يدفع سبابته نحو عقله ، وبصوت خفيض بادرنا :
لن تستطيعا اختراق عقولهم قبل ساعة ، وحضور رئيس المكتب الآن ضعيف احتماله .
ومضى .. يمسح يديه في (بطانة) تتدلى من جيب سترته البارز .
(3)
أشعة الشمس ، التي كانت تضرب في أعلى حوائط الشارع الجانبي ، تهبط .. تفترس الرصيف النحيل ، مبقور البطن ، الموازى للحائط المشبع بالرطوبة .. تباغت مؤخرتي رأسينا المحمومتين بهم الترقب ، وخيوط اليأس المتشابكة .
اندفع (الركب) .. يخترق البوابة الجانبية ، نحو المنحنى الصاعد للرقعة ما بين الباب الرئيسي ، والدرجات الرخامية .
عبثا .. أسرعت الخطى ؛ لتلحق اللحظة بين فتح البوابة وغلقها ؛ لنبادر فيها ـ ولو حتى ـ بالتلويح بما في يدينا .
عبر القضبان الحديدية المتوازية للبوابة المغلقة ، حوطتنا أعين الرجال .. المهرولة أجسادهم حول السيارة السوداء الفارهة .. التي توقفت لتوها .
08/07/2007 - 17:30
القسم:


التعليقات
في مجتمعاتنا العربية كم هي كثيرة تلك اللحظات الفاصلة ، وكم هي مستحيلة وصعبة المنال
العنوان معبر للغاية وملائم جدا لفكرتك ومشهدك القصصي
لديك أيضا قدرة كبيرة على الوصف ورسم الشخصيات
ولغة متمكنة
لدي تعليق بسيط أرجو أن يتسع صدرك له ، هو خاص ببعض النعوت الزائدة والمتكررة
_ من وجهة نظري بالطبع
مثل قولك : " عتمة تخترق سراديب النفس المتشعبة "
فكلمة المتشعبة هنا لم تضف جديدا للمعنى
مثال آخر :
بادرني .. يخفف من وطأة مضاعفات الشجون
هنا ستجد تكرارا لكلمة الشجون أيضا لم يضف جديدا للمعنى وهو حالة الاضطراب والحزن والشجن التي يعانيان منها فقد تم فهمها من السياق والأحداث وتناميها
وهكذا عموما أخي الكريم كان هذا مرورا للتحية والتعارف بمبدع صديق
تحياتي " جيهان عبد العزيز " :
أشكر لك مرورك الكريم ، و لمحاتك الذكية التى حتمآ لابد أن يتسع لها صدرى
فهكذا حالنا ننشر و نعرض كى تصادفنا مثل هذه الآراء الجيدة التى تأتى وسط هذا الكم من التجاهل المقيت . و لعلى قد كسبت قارئآ جديدآ واعيآ
تحية لك و تكرار شكر، و أدعوك الى قراءة المزيد من أعمالى على الرابط أدناه
محمد عطية
www.arab-ewriters.com/ateyah
لا تقلق يا عزيزي من قلة التعليقات
فليست كل التعليقات نافعة ، بل قد تكون مضللة في كثير من الأحيان
وغالبا يكون الإحجام عن التعليق علي قصصة لإنغلاقها عن الفهم لكثير ممن يقرأونها
ومعهم العذر فقصصك ليست سريعة الهضم
وقد أحجمت عن التعليق عن اللحظة الفاصلة أملا في الكتابة حول
اسلوبك وخصائص كتابتك الأمر الذي لا يتأتي من قراءة قصة أو اثنتين فقط
وأعمل علي تجميع مجموعة لك حتي يتسني لي ما أريد
أتمني لك كل التوفيق فقصصك تستحق ما هو أكثر من تعليق انطباعي
فلا تقلق