ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ومضات الحمراء المستديرة.. والنوع الأدبي الجديد
- سماء العراق .. هل عادت إلي أهلها ؟
- إنسان العولمة في "مثلث العشق"
- القصة القصيرة في زمن الرواية
- هل القصة القصيرة في أزمة ؟
- شوكة في القلب
- طارق إمام ... بين القتلة والأرملة
- هدوء القتلة .. بحثا عن الفردوس المفقود
- بواكير الرواية العربية
- ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
- لذات الجزار السرية
- جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
- الصبار ينمو فى مرايا الروح
- خور الجمّال ... رحلة الزمان عبر المكان
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 1 /2
- صندوق جدتي
- الفراشة
- القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
- تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
- في بعض اللحظات .. الموت هو الخلاص ..عند الغيطاني
- الأحلام المحبطة في .. قرن غزال
- هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
- الرواية ديوان العرب
- الرواية وتغيرات المجتمع
- نجيب محفوظ شاهد علي العصور
- المرآة
- رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـ خالتي صفية والدير .. 2 /3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـــ زينب و العرش 1 / 3
- الرواية و النكسة 2 / 2
- الرواية و النكسة 1 / 2
- قراءة في مجموعة ( عطش الماء ) للقاص / سمير الشريف ( أحد كتاب الورشة )
- قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
- التداوي بالحب .. في القلاع الضامرة
- قصة الورشة القصيرة .. في عام
- قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً
- والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
- ليس دائما يعمل .. قانون الوراثة
- ذاكرة إبتسام التريسي
- نقرات الزمن في ..... نقرات الظباء
- دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )
- بمناسبة الحياة ..
- عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
- الواقع والمتخيل في .. عمارة يعقوبيان
- العابثون في الملاعب المفتوحة
- السحر الأسود .. يكفن الحاضر
- رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
لذات الجزار السرية
الأربعاء, 03/18/2009 - 22:57 | شوقي عبد الحميد يحيي

لذات الجزار السرية
شوقي عبد الحميد يحيى
مع أواخر القرن العشرين ، وبدايات القرن الواحد والعشرين ،
ومع انفجار الإبداع الروائي ، كان هناك انفجار داخل الرواية ذاتها ، فيما
يشبه الثورة علي الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، فكانت السمة
الغالبة في رواية هذه الفترة ، هي ما يمكن تسميته بالمواجهة . المواجهة مع
الأوضاع بشكلها العام ، فكانت أهم ملامح الرواية :
1 – شيوع الإسلوب المباشر في التعبير ، الدال علي المواجهة المباشرة ، التي هي أبرز صور الثورة علي الأوضاع .
2 – الخشونة في التعامل ، وذلك باستخدام ألفاظ وتعبيرات وصورالذين قسي عليهم المجتمع فلم يرحمهم زحامه ، ولم يترفق بهم ، فكانت حياتهم رمز الخشونة والجفاء .
3 – استخدام منطقة وسط البلد للتعبير عن ( كل ) البلد . بما يعطي الدلالة بالنزول إلي ساحة المواجهة والنزال .
غير أنه لم يمض وقت طويل حتي بدت الرواية ( والروائيين ) كما لو أنهم يئسوا من المواجهة التي لم تؤت بثمار تذكر ، فبدأوا في الانسحاب والانزواء ، سواء إلي خارج البلد ،هروبا إلي الصحراء ، ممتطين سفينتها ( الجمال ) ، كما فعل محمد إبراهيم طه في " دموع الإبل " أو أحمد أبو خنيجر في " خور الجمال " .
وإما بالعودة إلي الداخل ، داخل النفس المفردة ، فيما يشبه العودة إلي بطن الأم ، هروبا من واقع فقدوا القدرة علي التعايش معه . مثلما فعل منتصر القفاش في " مسألة وقت " ، وحمدي الجزار في " لذات سرية "[1] .
وإذا كان حمدي الجزار في روايته الأولي " سحر أسود " قد سعي للكشف عن التناقض في حياة الإنسان ، كاشفا أن للإنسان حياتين ، إحداهما تلك التي يعيش بها بين الناس ، وأخري تلك التي تمثل حقيقته ، فإنه لم يبتعد كثيرا في روايته الثانية " لذات سرية " عن ذلك المعني . فالعنوان من البداية يحيل القارئ مباشرة إلي النصف الأسفل من الإنسان ، ذلك الذي يتميز بالمادية والأحاسيس الدنيوية ( والدنيا ) من سلم الأحاسيس الإنسانية . بعد أن غادر نصفه الأعلي ، والذي يمثل العقل ، والتفاهم والفكر والجدل . متخذا منه مجرد وسيلة ( لمداراة ) أو ستارا يحجب به ما يدور بالأسفل . واقتناعا بمجرد التسمية ذاتها للدلالة . الأعلي والأسفل . وقد عبر – حمدي الجزار – عن ذلك المعني بصورة شبه مباشرة عندما أراد وصف إحدي الساقطات : { .. بيني وبين حارث نحو خمسة أمتار فحسب . أراه يطوح بيمناه الطويلة وهو يحادث شابة بيضاء بضة الجسم ، مقدمة شعرها الأششقر الظاهرة متناغمة ولون وجهها الأبيض ، باقي شعرها غائب تحت طرحتها الملونة اللامعة ، أصابع يديها الأثنتين تشد طرحتها لأسفل كل دقيقة ، لتغطي جزءا أكبذر من جبهتها .
يبدو أن البنت تخشي أن تبدو عاهرة غبية ، يتعرف الواحد عليها من مجرد النظر إلي ملابسها ، لهذا أضافت لاكسسواراتها هذا النوع المنتشر من الطرح الملونة ، ليحفظ التوازن المأمول بين التعهر ، والستر ، بين غواية الفاهم واحتشام ديني عصري .
كانت طرحتها تعمل بنجاح مثل ماكينة خياطة جيدة ، إذا أرختها علي كامل ناصيتها بدت طالبة عادية من طالبات جامعة القاهرة العريقة ، بدت جامعية محجبة تدرس اللغة العربية مثلا ، وإذا أعادتها قليلا للوراء ستنتقل من دراسة اللغة العربية إلي دراسة الإنجليزية ، وإذا زادت المساحة المكشوفة من شعرها ستنتقل إلي دراسة التمثيل بالمعهد العالي للفنون الممسرحية ..أكاديمة الفنون علي بعد دقائق من هنا }[2] . وليست أكاديمية الفنون وحدها هي القريبة ، بل جامعة القاهرة أيضا في بقعة جغرافية محدودة ، غير أنها تضم الكثير ولكثير من التناقضات والتقابلات ، الخالقة لحيوات فوراة وضاجة بالمعاني والحيوات ، التي عبر عنها المقتطف السابق من الرواية ، والذي قسم فيه الجزار المرأة الواحدة إلي عدد من الفتيات تنتمي كل منهن لبيئة مختلفة ، من حيث الظاهر ، من حيث الصورة العلوية ، إلا أنهن كلهن ، واحدة ، هي تلك المومس العاهرة التي تتقاضي { ميتين جنيه في الساعة الواحدة
يعني يوميتك بالف وستمائة جنيه ، لو اشتغلت بس تمن ساعات زي مخاليق ربنا
- طب وهو أنت زيي يا عديم الشارب ، عايز تكسب قدي ؟ ! } [3].
- ولا يتوقف التناقض المجتمعي ، والازدواجية في الملبس فقط ، ولكن الازدواجية تصل للغة ذاتها – وكأن الجزار يسخر من الانتشار الوبائي لأسماء المحلات والشوارع وألسنة البشر بالهجين من اللغات ، وطغيان اللغات الأجنبية . فنري ذات الفتاة " المومس " { أعجبت بردها البليغ ، بالسجع في كلامها السوقي المتفرنج في الأداء ... } [4] .
وعلي الرغم من هذه المعايير المقلوبة ، والتي توحي بانقلاب نظم المجتمع السوي ، والتي تتفق وما ارتأيناه من تحول في الرواية الجديدة ، إلا أن الجزار يمعن في التقوقع داخل الذات ، فيرجع القصور إلي الشخص ذاته ، إلي الذات الفردية ، فتري السارد شخص انطوائي خجول ، وبالتالي فهو يخشي المواجهة الصريحة ، ويعلن احتجاجه الضمني من وراء الستار ، من خلف الحجب ، بالجزء الأسفل من الإنسان :
{ .. يبدو أنني ما زلت أتهيب الأنثي المفضوحة الجريئة ، وأخجل خجل ابن الثالثة عشرة . ماجدة مدرستي في الإعدادية اندهشت من منظري عندما رأيتها منذ شهر صدفة في المترو ، وذكرتها بنفسي في نوبة حنين للصبا لا تتكرر معي كثيرا . قالت ، بعد نظرة طويلة لوجهي : " انت نفس الولد الخجول .. مكسوف دايما !" } [5] . وليس الكسوف فقط ، وإنما الإحساس بالدونية { خفت من سيمون ، ومن حارث ، لكنني مازلت أسير خلفهما علي هذه الصورة المخزية . أمشي خلفهما كمتطفل ، كشخص وحيد منسي ، غير مرغوب فيه من أحد ، أي أحد .. } [6] . مما يعمق ويؤجج الرغبة في الحياة ( التحتية ) كرغبة إنسانية من جانب ، ورغبة بشرية في إثبات الذات والوجود من جانب آخر . وتلك هي الدوافع التي دفعت بالسارد للإنغماس في الجنس المحرم . فضلا عن دافع آخر ينبثق من ذات الإحساس ، كما ينبثق من أوضاع المجتمع في جانب آخر . ذلك هو الشعور بالموت الوشيك ، بل الموت مقتولا ... علي يد من ......... ؟؟ !! . وهنا يبرز تنوع القراءة . فيمكن القراءة والتناول علي الجانب الإنساني الفردي ، والجانب الجمعي .
فعلي الجانب الفردي والإنساني ، فما من شك في أن الموت هو النقطة الشاخصة هناك ، التي يسير كل كائن نحوها ، منذ ولادته ، ولابد من لقائها يوما ، فهو في حالة انتظار وترقب دائم لها ، وللكيفية التي سيصل بها إليها . ومن تسلط عليه التفكير فيها عاش القلق والترقب المؤرق الخالق لإنسان غير سوي ، وليصبح الشخص السارد في روايتنا " لذات سرية " . فهو الإنسان المطارد بالموت ، وفي المقابل يحاول الهروب منها ، الانغماس في الحياة ، في الملذات ، حتي يغرق فيها وكأنها بئر بلا قرار ، وهو ما يجعل الجنس في الرواية – علي كثافته – مبررا ، ولم يأت مجانيا .
أما علي الجانب الجمعي ، فمهما حاول السارد أن ينغمس في الملذات الفردية ، فإن ذلك لا ينفي كونه فرد في جماعة ، يتأثر بها ، ويؤثر فيها - وهو ما تحاوله " لذات سرية " كنوع من الرفض ، رفض السلبية ، عن طريق تقديم نموذج شبه سلبي ، وكأنه العلاج من مرض معين ، بحقن المريض ببعض من ميكروب هذا المرض ، لخلق المناعة في الجسم - وليتحول السارد من ليس مجرد شاهد علي ما يحدث ، وإنما : { .. أقول لنفسي : الهرب من الصراع لن يجعلك مشاهدا مفصولا عن الأحداث أبدا ، لأنك ببساطة أحد أبطال الفيلم إن لم تكن أهمهم علي الإطلاق ، ، أنت لست مجرد متفرج صُنعت المسرحية لأجله ، بالتأكيد الفعل الدرامي اليومي المتجدد دوما يجب أن يعنيك ، يجب أن تعرف .................. } [7] .
الرواية مؤرخ التحولات المجتمعية
لم يعد جديدا القول بأن الرواية هي المؤرخ الحقيقي لما يحدث في المجتمع من تطورات وتحولات . وحمدي الجزار واحد من جيل الروائيين الذين قامت رواياتهم علي رصد هذا التحول ، بدأ من روايته الرائعة الأولي " سحر أسود " وصولا لهذه الرواية الثانية ، حيث تضخم الفساد ، وطغي كبار الفاسدين والمفسدين ، بما أعاد لللأذهان صور الطبقات في المجتمع ، والتي من المفروض أنها قد اختفت منذ ما يزيد علي الخمسين عاما ، إلا أنها ظهرت الآن بشكل أقوي ، حيث تباعدت المسافات بين طبقة تملك وتحكم وتتحكم ، وطبقة تنسحق وتشقي للحصول علي القليل من أسباب الحياة .
ونجح حمدي الجزار حين صور الطبقة الأولي بالبرص ، لما له من خصائص . فهو متسلق علي السقف – في الأعالي - . كما أنه يتميز باستنبات ذيل جديد – وربما أكثر من ذيل – كلما قطع منه ذيل أو جزء من الذيل . فضلا عن أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد أمر بقتله لأنه ما من دارة في الأرض إلا وحاولت إطفاء النار علي إبراهيم عليه السلام ، إلا تلك " الفويسقة " أي البرص .
ويري حمدي الجزار إنتشار هذه الأبراص ، بما يُصعِب عملية القضاء عليها :
{ فأري أبراصا صغيرة كثيرة تغطي معظمه ، أسمع هسيسها الخافت ، صوت زحفها السريع علي المصيص ، انتشارها المنظم ، وتجمعها في الأركان والزوايا ، أبراص صغيرة جدا جدا في حجم النمل ، بشعة المنظر لاشك . .............. تتعارك الأبراص ، تتصارع وتتقاتل ، ويأكل قويها ضعيفها ، لمصلحتي تتقاتل الأبراص ، الأقوي ، علي الإطلاق ، سيأكل ويشبع ويضع في معدته كل الأبراص الأخري ، ومن ثمة سيبقي وحده علي كل مساحة السقف ، وهذا أفضل كثيرا من الحالة الأولي ، إذ يمكن احتمال رؤية برص ضخم واحد ، برص كبير مهيب يقف في دائرة ضوء اللمبة في هيبة ووقار ، برص يمثل ويجسد ويذكرني بمنظر أسقف معظم المنازل والمساكن الشعبية والفيلات والمباني والمصالح الحكومية والنوادي والمستشفيات .... كل الأماكن يحتل سقفها برص واحد كبير ومهيب .. } [8] .
وأمام تصارع هذه الأبراص المنتشرة في كل مكان ، ينسحق الآخر ، الضئيل ، والضعيف في تحول روائي من الرمز إلي الواقع ، من الزواحف إلي الإنسان :
{ .. منكم أواري جسدي الضئيل ، خشية أن يصيبني رذاذ معارككم وضراوتكم وضجيجكم في الملعب ، في الساحة المفتوحة للإفتراس ، للقتل اليومي ، للتخلص من الضعفاء والعجزة والحالمين والعشاق . } [9] . ولم يعد الأمر مجرد صراع بين الطبقات ، وإنما يعلن السارد موت الطبقة الأدني بالفعل ، وما يحدث مجرد الدفاع عن التمثيل بالجثة :
{ .. أنا مجرد مصد فقط لمنع القتلة المنتقمين من التمثيل بجثتي التي ماتت منذ زمن طويل ، أنا الحارس الميت الذي يحرس جثة متعفنة ويابسة .... } [10] .
وتتفق هذه الصورة مع توجهات الرواية وتتوافق معها ، من حيث الرصد الخارجي ، وما يتمشي مع طبيعة الراوي وشخصيته . ويؤكدها شخصية العم – عم الراوي- الذي أدمن الاعتقال . غير أن شيئا عن أسباب الاعتقال أو ظروفه ، لم تتضح . الأمر الذي يبقيها عند مجرد الرصد . وهو – أيضا – ما يتفق مع غياب الحدث الواحد الذي تدور حوله صفحات الرواية ، الأمر الذي يجعلها تسير فوق السطح – ظاهريا – وهو – أيضا ما يسير مع اتجاهات وتقنيات الرواية الآن .
1 – شيوع الإسلوب المباشر في التعبير ، الدال علي المواجهة المباشرة ، التي هي أبرز صور الثورة علي الأوضاع .
2 – الخشونة في التعامل ، وذلك باستخدام ألفاظ وتعبيرات وصورالذين قسي عليهم المجتمع فلم يرحمهم زحامه ، ولم يترفق بهم ، فكانت حياتهم رمز الخشونة والجفاء .
3 – استخدام منطقة وسط البلد للتعبير عن ( كل ) البلد . بما يعطي الدلالة بالنزول إلي ساحة المواجهة والنزال .
غير أنه لم يمض وقت طويل حتي بدت الرواية ( والروائيين ) كما لو أنهم يئسوا من المواجهة التي لم تؤت بثمار تذكر ، فبدأوا في الانسحاب والانزواء ، سواء إلي خارج البلد ،هروبا إلي الصحراء ، ممتطين سفينتها ( الجمال ) ، كما فعل محمد إبراهيم طه في " دموع الإبل " أو أحمد أبو خنيجر في " خور الجمال " .
وإما بالعودة إلي الداخل ، داخل النفس المفردة ، فيما يشبه العودة إلي بطن الأم ، هروبا من واقع فقدوا القدرة علي التعايش معه . مثلما فعل منتصر القفاش في " مسألة وقت " ، وحمدي الجزار في " لذات سرية "[1] .
وإذا كان حمدي الجزار في روايته الأولي " سحر أسود " قد سعي للكشف عن التناقض في حياة الإنسان ، كاشفا أن للإنسان حياتين ، إحداهما تلك التي يعيش بها بين الناس ، وأخري تلك التي تمثل حقيقته ، فإنه لم يبتعد كثيرا في روايته الثانية " لذات سرية " عن ذلك المعني . فالعنوان من البداية يحيل القارئ مباشرة إلي النصف الأسفل من الإنسان ، ذلك الذي يتميز بالمادية والأحاسيس الدنيوية ( والدنيا ) من سلم الأحاسيس الإنسانية . بعد أن غادر نصفه الأعلي ، والذي يمثل العقل ، والتفاهم والفكر والجدل . متخذا منه مجرد وسيلة ( لمداراة ) أو ستارا يحجب به ما يدور بالأسفل . واقتناعا بمجرد التسمية ذاتها للدلالة . الأعلي والأسفل . وقد عبر – حمدي الجزار – عن ذلك المعني بصورة شبه مباشرة عندما أراد وصف إحدي الساقطات : { .. بيني وبين حارث نحو خمسة أمتار فحسب . أراه يطوح بيمناه الطويلة وهو يحادث شابة بيضاء بضة الجسم ، مقدمة شعرها الأششقر الظاهرة متناغمة ولون وجهها الأبيض ، باقي شعرها غائب تحت طرحتها الملونة اللامعة ، أصابع يديها الأثنتين تشد طرحتها لأسفل كل دقيقة ، لتغطي جزءا أكبذر من جبهتها .
يبدو أن البنت تخشي أن تبدو عاهرة غبية ، يتعرف الواحد عليها من مجرد النظر إلي ملابسها ، لهذا أضافت لاكسسواراتها هذا النوع المنتشر من الطرح الملونة ، ليحفظ التوازن المأمول بين التعهر ، والستر ، بين غواية الفاهم واحتشام ديني عصري .
كانت طرحتها تعمل بنجاح مثل ماكينة خياطة جيدة ، إذا أرختها علي كامل ناصيتها بدت طالبة عادية من طالبات جامعة القاهرة العريقة ، بدت جامعية محجبة تدرس اللغة العربية مثلا ، وإذا أعادتها قليلا للوراء ستنتقل من دراسة اللغة العربية إلي دراسة الإنجليزية ، وإذا زادت المساحة المكشوفة من شعرها ستنتقل إلي دراسة التمثيل بالمعهد العالي للفنون الممسرحية ..أكاديمة الفنون علي بعد دقائق من هنا }[2] . وليست أكاديمية الفنون وحدها هي القريبة ، بل جامعة القاهرة أيضا في بقعة جغرافية محدودة ، غير أنها تضم الكثير ولكثير من التناقضات والتقابلات ، الخالقة لحيوات فوراة وضاجة بالمعاني والحيوات ، التي عبر عنها المقتطف السابق من الرواية ، والذي قسم فيه الجزار المرأة الواحدة إلي عدد من الفتيات تنتمي كل منهن لبيئة مختلفة ، من حيث الظاهر ، من حيث الصورة العلوية ، إلا أنهن كلهن ، واحدة ، هي تلك المومس العاهرة التي تتقاضي { ميتين جنيه في الساعة الواحدة
يعني يوميتك بالف وستمائة جنيه ، لو اشتغلت بس تمن ساعات زي مخاليق ربنا
- طب وهو أنت زيي يا عديم الشارب ، عايز تكسب قدي ؟ ! } [3].
- ولا يتوقف التناقض المجتمعي ، والازدواجية في الملبس فقط ، ولكن الازدواجية تصل للغة ذاتها – وكأن الجزار يسخر من الانتشار الوبائي لأسماء المحلات والشوارع وألسنة البشر بالهجين من اللغات ، وطغيان اللغات الأجنبية . فنري ذات الفتاة " المومس " { أعجبت بردها البليغ ، بالسجع في كلامها السوقي المتفرنج في الأداء ... } [4] .
وعلي الرغم من هذه المعايير المقلوبة ، والتي توحي بانقلاب نظم المجتمع السوي ، والتي تتفق وما ارتأيناه من تحول في الرواية الجديدة ، إلا أن الجزار يمعن في التقوقع داخل الذات ، فيرجع القصور إلي الشخص ذاته ، إلي الذات الفردية ، فتري السارد شخص انطوائي خجول ، وبالتالي فهو يخشي المواجهة الصريحة ، ويعلن احتجاجه الضمني من وراء الستار ، من خلف الحجب ، بالجزء الأسفل من الإنسان :
{ .. يبدو أنني ما زلت أتهيب الأنثي المفضوحة الجريئة ، وأخجل خجل ابن الثالثة عشرة . ماجدة مدرستي في الإعدادية اندهشت من منظري عندما رأيتها منذ شهر صدفة في المترو ، وذكرتها بنفسي في نوبة حنين للصبا لا تتكرر معي كثيرا . قالت ، بعد نظرة طويلة لوجهي : " انت نفس الولد الخجول .. مكسوف دايما !" } [5] . وليس الكسوف فقط ، وإنما الإحساس بالدونية { خفت من سيمون ، ومن حارث ، لكنني مازلت أسير خلفهما علي هذه الصورة المخزية . أمشي خلفهما كمتطفل ، كشخص وحيد منسي ، غير مرغوب فيه من أحد ، أي أحد .. } [6] . مما يعمق ويؤجج الرغبة في الحياة ( التحتية ) كرغبة إنسانية من جانب ، ورغبة بشرية في إثبات الذات والوجود من جانب آخر . وتلك هي الدوافع التي دفعت بالسارد للإنغماس في الجنس المحرم . فضلا عن دافع آخر ينبثق من ذات الإحساس ، كما ينبثق من أوضاع المجتمع في جانب آخر . ذلك هو الشعور بالموت الوشيك ، بل الموت مقتولا ... علي يد من ......... ؟؟ !! . وهنا يبرز تنوع القراءة . فيمكن القراءة والتناول علي الجانب الإنساني الفردي ، والجانب الجمعي .
فعلي الجانب الفردي والإنساني ، فما من شك في أن الموت هو النقطة الشاخصة هناك ، التي يسير كل كائن نحوها ، منذ ولادته ، ولابد من لقائها يوما ، فهو في حالة انتظار وترقب دائم لها ، وللكيفية التي سيصل بها إليها . ومن تسلط عليه التفكير فيها عاش القلق والترقب المؤرق الخالق لإنسان غير سوي ، وليصبح الشخص السارد في روايتنا " لذات سرية " . فهو الإنسان المطارد بالموت ، وفي المقابل يحاول الهروب منها ، الانغماس في الحياة ، في الملذات ، حتي يغرق فيها وكأنها بئر بلا قرار ، وهو ما يجعل الجنس في الرواية – علي كثافته – مبررا ، ولم يأت مجانيا .
أما علي الجانب الجمعي ، فمهما حاول السارد أن ينغمس في الملذات الفردية ، فإن ذلك لا ينفي كونه فرد في جماعة ، يتأثر بها ، ويؤثر فيها - وهو ما تحاوله " لذات سرية " كنوع من الرفض ، رفض السلبية ، عن طريق تقديم نموذج شبه سلبي ، وكأنه العلاج من مرض معين ، بحقن المريض ببعض من ميكروب هذا المرض ، لخلق المناعة في الجسم - وليتحول السارد من ليس مجرد شاهد علي ما يحدث ، وإنما : { .. أقول لنفسي : الهرب من الصراع لن يجعلك مشاهدا مفصولا عن الأحداث أبدا ، لأنك ببساطة أحد أبطال الفيلم إن لم تكن أهمهم علي الإطلاق ، ، أنت لست مجرد متفرج صُنعت المسرحية لأجله ، بالتأكيد الفعل الدرامي اليومي المتجدد دوما يجب أن يعنيك ، يجب أن تعرف .................. } [7] .
الرواية مؤرخ التحولات المجتمعية
لم يعد جديدا القول بأن الرواية هي المؤرخ الحقيقي لما يحدث في المجتمع من تطورات وتحولات . وحمدي الجزار واحد من جيل الروائيين الذين قامت رواياتهم علي رصد هذا التحول ، بدأ من روايته الرائعة الأولي " سحر أسود " وصولا لهذه الرواية الثانية ، حيث تضخم الفساد ، وطغي كبار الفاسدين والمفسدين ، بما أعاد لللأذهان صور الطبقات في المجتمع ، والتي من المفروض أنها قد اختفت منذ ما يزيد علي الخمسين عاما ، إلا أنها ظهرت الآن بشكل أقوي ، حيث تباعدت المسافات بين طبقة تملك وتحكم وتتحكم ، وطبقة تنسحق وتشقي للحصول علي القليل من أسباب الحياة .
ونجح حمدي الجزار حين صور الطبقة الأولي بالبرص ، لما له من خصائص . فهو متسلق علي السقف – في الأعالي - . كما أنه يتميز باستنبات ذيل جديد – وربما أكثر من ذيل – كلما قطع منه ذيل أو جزء من الذيل . فضلا عن أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد أمر بقتله لأنه ما من دارة في الأرض إلا وحاولت إطفاء النار علي إبراهيم عليه السلام ، إلا تلك " الفويسقة " أي البرص .
ويري حمدي الجزار إنتشار هذه الأبراص ، بما يُصعِب عملية القضاء عليها :
{ فأري أبراصا صغيرة كثيرة تغطي معظمه ، أسمع هسيسها الخافت ، صوت زحفها السريع علي المصيص ، انتشارها المنظم ، وتجمعها في الأركان والزوايا ، أبراص صغيرة جدا جدا في حجم النمل ، بشعة المنظر لاشك . .............. تتعارك الأبراص ، تتصارع وتتقاتل ، ويأكل قويها ضعيفها ، لمصلحتي تتقاتل الأبراص ، الأقوي ، علي الإطلاق ، سيأكل ويشبع ويضع في معدته كل الأبراص الأخري ، ومن ثمة سيبقي وحده علي كل مساحة السقف ، وهذا أفضل كثيرا من الحالة الأولي ، إذ يمكن احتمال رؤية برص ضخم واحد ، برص كبير مهيب يقف في دائرة ضوء اللمبة في هيبة ووقار ، برص يمثل ويجسد ويذكرني بمنظر أسقف معظم المنازل والمساكن الشعبية والفيلات والمباني والمصالح الحكومية والنوادي والمستشفيات .... كل الأماكن يحتل سقفها برص واحد كبير ومهيب .. } [8] .
وأمام تصارع هذه الأبراص المنتشرة في كل مكان ، ينسحق الآخر ، الضئيل ، والضعيف في تحول روائي من الرمز إلي الواقع ، من الزواحف إلي الإنسان :
{ .. منكم أواري جسدي الضئيل ، خشية أن يصيبني رذاذ معارككم وضراوتكم وضجيجكم في الملعب ، في الساحة المفتوحة للإفتراس ، للقتل اليومي ، للتخلص من الضعفاء والعجزة والحالمين والعشاق . } [9] . ولم يعد الأمر مجرد صراع بين الطبقات ، وإنما يعلن السارد موت الطبقة الأدني بالفعل ، وما يحدث مجرد الدفاع عن التمثيل بالجثة :
{ .. أنا مجرد مصد فقط لمنع القتلة المنتقمين من التمثيل بجثتي التي ماتت منذ زمن طويل ، أنا الحارس الميت الذي يحرس جثة متعفنة ويابسة .... } [10] .
وتتفق هذه الصورة مع توجهات الرواية وتتوافق معها ، من حيث الرصد الخارجي ، وما يتمشي مع طبيعة الراوي وشخصيته . ويؤكدها شخصية العم – عم الراوي- الذي أدمن الاعتقال . غير أن شيئا عن أسباب الاعتقال أو ظروفه ، لم تتضح . الأمر الذي يبقيها عند مجرد الرصد . وهو – أيضا – ما يتفق مع غياب الحدث الواحد الذي تدور حوله صفحات الرواية ، الأمر الذي يجعلها تسير فوق السطح – ظاهريا – وهو – أيضا ما يسير مع اتجاهات وتقنيات الرواية الآن .
الحبكة السرية
في الرواية الآن ، يلعب الشكل دورا رئيسيا في عملية توصيل الخطاب الروائي . حيث تواري الحدث ، وتوارت الحبكة . وأصبح الشكل هو الرسالة . وهو ما اتضح جليا في " لذات سرية " . فجات الوحدات السردية وكأنها وحدات منفصلة ، لا يجمع بينها سوي شخص الراوي . وكأنها شذرات من حياته متفرقة .
غير أننا إذا ما أعدنا القراءة وحاولنا عملية الفرز وتجميع المتشابهات ، نستطيع أن نتبين أن شيئا منها لم يأت مجانيا ، وإنما هو بتخطيط محكم ومسبق من الكاتب ، وقد وضع كل وحدة منها بحساب ونظام . تحمل في مجملها ذلك السؤال الأبدي . إلي أين نحن سائرون . حتي وإن طال بنا المطال ؟ رؤية فلسفية وجودية ، تغوص بنا إلي القاع ، مخترقين هشاشة السطح الخادع . والذي أشفق علينا الجزار أن ننخدع به ، فحاول أو يأخذ بأيدينا .
فمنذ البدايات ، ( ص 22 من الرواية البالغة 295 صفحة من القطع المتوسط ) يحدد الجزار رؤيته واتجاهه في اتجاهين إثنين ، في صنع التقابل الأبدي بين الموت والحياة :
{ ينمو في أعضائي جزع يفح وينفخ ، يترسخ في قرارة قلبي ، ويمنعني من أن أصير كهؤلاء اللامبالين بالموت ، المندفعين في الشوارع والميادين سعيا وراء ما يسمي بالحياة .
أنا منذ البدء رأيت نشوي للمرة الأولي سعيت لحتفي ، سعيت كأعمي ظامئ إلي النهر لأشرب ، ولأنني لا أري ، فقد شربت أحلي وأعذب ماء ممكن ، ورويت برمتي حتي عنقي ، ثم زلت قدمي ، وسقطت في اليم .... }
فها هنا نري أن السارد منذ البداية ينظر إلي الموت ، لا كما ينظر الآخرون بلامبالاة ، وإنما بتأمل ، ذلك التأمل الفلسفي الباحث عن إجابة . خاصة وأن السارد بدا في حين منغمس في الشهوات والملذات الحسية ، وتارة يبين منحازا للجانب الروحي أو الديني ، عندما كان الذراع الأيمن للشيخ " حُب الدين " ويتباهي بذلك أمام الآخرين . ثانيا هو لم يقع في بحر الملاذات باختياره ، لكنه سقط دون أن يدري بأن في هذا اليم فناؤه ، ليس علي المستوي الظاهري فقط ، والممثل في جبروت الضابط أنور جبر ، وإنما تلك الرؤية الفلسفية الوجودية المتبدية من وراء الظاهر . وكأنه – حمدي الجزار – يخطط بهذه الازدواجية ، والقابلة لصنع إيقاع الرواية الجاذب للقارئ للسير وراءه حتي النهاية .
وانطلاقا من تلك الرؤية قسم الجزار روايته علي أربعة أقسام ، كل قسم منها مقسم بدوره إلي عدد من الوحدات السردية ، بتخطيط محكم صنع به معادلا للغياب الظاهري للحبكة ، والذي يعتبر أحد سمات الرواية الآن . وليؤكد تمكنه من صنعته ، فما استغني عن أحد العناصر المهمة في الرواية ، إلا بفهم ووعي بما يفعل .
جاءت الأقسام الأربعة علي النحو التالي :
يوم وليلة . وقد أخذت الوحدات السردية فيه طابع المغامرات الشخصية ، والانغماس في الملذات والمتع الحسية .
وجاء القسم الثاني بعنوان " الأمس " وأخذت الوحدات السردية فيه طابع التعريف بالأسرة تقريبا ، الجد و الأب والأم والزوجة . كما تعمد الجزار في هذا القسم اتباع إسلوب التتابع ، فكل وحدة سردية تسوق للوحدة التالية لها . وكأنه بذلك يصنع التتابع الأسري ، أو المجتمعي ، أو الدنيوي الحياتي . فالجد يسلم للأب والأب يسلم للإبن وهكذا . ويتضح ذلك أكثر إذا ما تعرفنا في القسم الثالث " خروج " علي أن السارد في القسمين السابقين لم يكن في وعيه ، وإنما هي هلوسات نتجت عن احتساء كمية كبيرة من الحشيش والغمر . ثم إن كل ذلك لم يستغرق سوي بضع ساعات . وكـأنه يريد أن يقول بأن الحية الدنيا ما هي إلا سكرة ، لا تستغرق سوي بضع ساعات إذا ما تبيناها . – ليس بالطبع بإسلوب الوعظ الظاهري المباشر ، وإنما بتقنية روائية ممتعة ، توحي أكثر مما تصرح .
ثم يأتي القسم الثالث " خروج " وكأنه الخروج من الحياة ، فالوحدات السردية في هذا القسم كلها – تقريبا – تنتهي بسالؤال عن الوسيلة التي ستنتهي بها حياة السارد ، أي الموتة التي سيموتها ، والتي هو موقن تماما بأنها آتية لا ريب .
أما القسم الرابع والأخير " غد " فقد خصصه الجزار للتطهر ، أو الاغتسال ، حتي أن وحدته السردية الأولي جاءت بعنوان " إغتسال " ثم " عبور " وكأنها العبور من الدنيا إلي الآخرة . ثم الوحدة الآخيرة في الرواية " سري للغاية " وكأن السارد قد وصل إلي منطقة لم تزل " سرية للغاية " فما من أحد استطاع أو إدعي بعلمها بعد .
وكم كان هذا الختام رائعا ، حيث ترك النهاية مفتوحة لكل الاحتمالات . وعلي القارئ أن يختار ما يشاء منها . فقد تأهب السارد " ربيع الحاج " والذي يعمل مذيعا ، قد تأهب بالفعل لقراءة نشرة السابعة . وقبلها بثوان معدودة ، جاءته ورقة مكتوب عليها " سري للغاية " وعليه أن يبدأ بها قراءة النشرة . فيبدأ ربيع :
{ السيدات والسادة . نشرة أخبار السابعة صباحا ، يقرأها عليكم ربيع الحاج ............ }
وكأن شيئا لم يجئه ، وكأن شيئا سريا لم يحدث ، وكأن شيئا في الحياة لا يستحق التوقف .
خاصة إذا ما تأملنا مهنة السارد ربيع الحاج ، فهو مجرد مذيع ، يذيع الأخبار التي تحدث ، من الخارج فقط ، وليس له دخل في صنعها ، أو منعها .
ومما يؤكد أخذ الكاتب لهذه المواجهة ( الحياة / الموت ) مأخذا فلسفيا وجوديا – لا مجرد الوقوف بها عند النظرة الدينية - ذلك الفصل المهنون " كهل " والذي يرسم لنا فيه صورة ذلك الرجل العاشق الصامت الجالص صباح مساء أمام بيتهم ، لا يعلم أحد عنه شيئا ( اللهم والده ، وربما عمه حيث ترد الإشارة إلي ذلك في :
{ عمي في خروجه ودخوله البيت ، يبتسم له ، ويرفع يده بتحية ويقول له " صباح الخير " أو " مساء الخير " ................................ يتوقف عمي أمامه قليلا يتأمله ، يضرب كفيه إحداهما بالأخري مشفقا من حال الرجل " لا حول الله يا رب [11] ... اجمد يا راجل ....
أبي يتجاهله تماما كأنه لا يراه ، لا يُسمعه واحدة من تحياته ، لا يهبه سلاما واحداً من "سلامو عليكم " دائمة التردد علي لسانه ... }[12] .
فيلاحظ هنا أن العم يعرف شيئا عن ذلك الرجل الغامض ، ويشفق عليه . وأن الوالد أيضا يعلم عنه شيئا – وربما هو نفس الشئ . لكنه يحاول نسيانه أو تجاهله فه لا يمنحه " سلامو عليكم " التي يمنحها للجميع ....... إلا هو . !!!! .
وهو ما يزيده وضوحا ذلك الشك الوجودي للسارد ، والمبطن في قوله :
{ .. هو كهل يشبهني بشكل ما ، إلي الحد ما ، في أشياء قليلة عندما كنت في العشرين من عمري .. } [13]. إذن فالشك دخل أعماق السارد . خاصة إذا ما ربطنا أيضا بين هذا المقتطف ، والمقتطف التالي كذلك :
{ .. صامتا ولا مباليا يتابع الرجل الغريب سقوط أشعة الشمس فوق حديد البلكونة المشغول ، ويتتبع أبواب وشبابيك وبلكونات بيتنا في فتحها وإغلاقها وظهور ساكني البيت واختفائهم . وتتعلق عيناه ، أكثر ما تتعلق بشجرة اللبلاب في بلكونتي . الشجرة زرعتها أمي من سنوات طويلة ، حين كانت شابة ، حين كانت تسمع وتنطق ، آملة أن تنمو وتنمو ، وتغطي بأوراقها الخضراء العريضة كل واجهة البيت بطوابقه الثلاثة .... } [14]. فالشك لدي السارد هنا أن هذا الكهل العاشق المتيم ، إن هو إلا متيم في عشق أمه – أم السارد – وكأنه من جديد يسأل : إبن من أنا ؟ إلي جانب السئلة الأخري : ما الحياة ؟ وما الموت ؟ ومن أنا ؟ خاصة وأن الرجل ظل مجهول الهوية ( وهي إحدي تقنيات الرواية ، حيث يترك الجزار الأبواب مفتوحة كحيلة لربط القارئ بالعمل ، وليظل العمل الإبداعي في النهاية ، مثير للأسئلة ، وليس عليه إعطاء الإجابات ) ليزيد الأمور تعمية وتمويها ، و ليعود الجزار بذلك إلي أسئلة الحياة والوجود والأنا منجديد . ليثبت أنه لا يزال يعيش ، رغم انسحاقه كفرد أمام سطوة العولمة ، وجبروت الحداثة .
الرواية والمكان
في رغبة للتأصيل ، وباستخدام فني مبرر ، يعود حمدي الجزار للإسلوب الوصف ، لا ليمنح الأشياء دور منفرد ، وإنما ليلعب الوصف الكلي دورا رئيسيا في الصورة الكلية المساعدة في عملية التخييل المرتجاه . ولمنح الرؤية الكلية الكاشفة للخطاب الروائي . فبدأت الرواية بفصل كامل ليس إلا وصف لميدان الجيزة الذي جاء اختياره أيضا أكثر توفيقا ، حيث يتشعب منه ويحيط به كل صور الحياة ، قديمها وحديثها ، مستواها الأعلي والأدني فهو الأقرب إلي الأثار والحياة القديمة ، التي تبدأ من بداية شارع الأهرام الذي تبدأ به الرواية ، أو يبدأ به السارد مغامراته ، وكأنه يعطيها امتدداها الرأسي .
ثم إن الميدان أيضا ينفتح علي سوق الخضار الذي يعيشه طبقة مهمة من المجتمع . فضلا عما تنحه كلمة " السوق " من ازدحام وأصوات ونزاعات وتداخلات . من حياة فوارة صخابة .
كذلك يقود الميدان إلي جامعة القاهرة ، ويؤدي إلي أكاديمية الفنون . وكأنه يجمع بين العلم والفن ، بين الواقع والخيال . يؤدي – أيضا - إلي مجمع المحاكم ، وكأنه يؤدي إلي ميزان العدل الدال في ذات الوقت علي كل من الحياة ، وما بعد الحياة . ويحيط بالميدان ، المسجد والكنيسة . وكأن الميدان عالم بأكمله ، دنيا بما فيها من كل عناصر الدنيا .
ولم يكن الفصل الأول فقط هو المعبر والقائم علي الوصف ، وإنما انفتح الوصف علي مساحة الرواية كاملة – تقريبا – سواء كان في تحديد أبعاد واتجاهات ومخارج ومداخل الميدان والشوارع المنبثقة منه ، أو المفتوحة عليه ، أو في وصف بيت صديقه " حارث " والذي هو ملعب الكثير من وقائع الرواية . وما كان مبررا لما يلعبه في الأحداث وانعكاسه عليها .
الأمر الذي يزرع القارئ داخل الموقع ، ليعيشه بأجوائه ، وحتي روائحه يستطيع القارئ شمها من خلال الوصف الدقيق والمستفيض ، في رغبة للإيهام بالواقعية المقربة للقارئ من جانب . ومن جانب آخر منحه طاقة أكبر علي خلق التخيل الخالق للشعرية الروائية التي تميز بها الجزار. والتي تضعه بجدارة في الصف الأول من كتاب الرواية العربية .
شوقي عبد الحميد يحيي
Em: shyehia@yahoo.com
[1] - لذات سرية – حمدي الجزار – الدار للنشر والتوزيع – الطبعة الأولي 2008 .
[2] - الرواية ص 23 ، 24
[3] - ص 27
[4] - ص 26
[5] - ص 30
[6] - ص 33
[7] - ص 112
[8] - ص 112
[9] - ص 113
[10] ص 113
[11] - والجملة هنا غير موفقة حيث الحول هو القوة ، والأصوب أن يقال : لا حول ولا قوة إلا بالله أو يا حول الله . أي يا قوة الله .
[12] - ص 231
[13] - ص 227
[14] - ص 228
[2] - الرواية ص 23 ، 24
[3] - ص 27
[4] - ص 26
[5] - ص 30
[6] - ص 33
[7] - ص 112
[8] - ص 112
[9] - ص 113
[10] ص 113
[11] - والجملة هنا غير موفقة حيث الحول هو القوة ، والأصوب أن يقال : لا حول ولا قوة إلا بالله أو يا حول الله . أي يا قوة الله .
[12] - ص 231
[13] - ص 227
[14] - ص 228
