You are here
ليس لدي السيد من يؤنسه ..

ليس لدي السيد من يؤنسه ..
محمد عبده العباسي
انتهي السيد من عمله ثم قفل عائداً إلي بيته ، استلقي علي الفراش متعباً بعد أن تناول طعام الغداء ، وراح ينظر إلي مروحة السقف وهي تدور ، تدور ، تدور..
ودارت في رأسه مسيرة حياتة ككرة في دائرة مغلقة ، ورأي شريطاً كشريط السينما ..
خرجت من صدره زفرة حارة كأنها آتية من قلب بركان ، خبت لمعة عينيه تحت دمعة ، واستغرقه التفكير ، وجد يده تداعب مؤشر الراديو صديقه الأثير..
** ** **
وحيداً ـ كالعادة ـ تناول طعام العشاء ثم نام مبكراً ، لم يوقظه إلا صوت تواشيح الفجر ، فاستيقظ ليلحق بالصلاة ..
** ** **
الأستاذ ..
عرفه كل أبناء الشارع ، بل المدينة بأسرها ، ثمة مدن أخري كثيرة عاش فيها ، أشرقت شموسها علي جبينه في صباحات عديدة ، كان يوزع عمره بين المدن ..
كلما زارني طيفه تهللت أساريري وزاد نبض قلبي وأنا أستعيد ذكري الأيام البعيدة ، مسافة زمنية طويلة بيني الآن وبينها ، تبدلت أشياء كثيرة ، الأيام ، الشوارع ، البشر ، لكن بقيت الذكريات ..
** ** **
كانت جدتي ممسكة بيدي ، كنت طفلاً صغيراً تحمل عني حقيبتي المدرسية ، تدللـني تارة ، وتغني لي تارة أخري ، تمنعني من دفع الحجارة بحذائي الجديد ، وقد امتلآت عيناي بالدموع :
ـ المدرسة كالسجن ..
ـ لا ، لا من قال هذا الكلام لا يفقه شيئاً ..
أجرجر خطاي وهي تسحبني ، تتناهبني مشاعر مضادة ممزوجة بالفرح والخوف ..
مغامرة أن ترتاد عالماً مجهولاً ، لازالت جدتي تمسكني بيدها في قوة ، وأنا أحاول الإفلات ..
فجأة توقفت جدتي أمامه ، قامة مهيبة وقوام ممشوق ، حيته بتحية طيبة حياها بتهذيب وإهتمام ، سألها فأجابت ، ثم تبادلا حديث الذكريات ، دعاها للجلوس ، شكرته ، اهتم بي علي الفور :
ـ حفيدي ..
ـ علي الرحب والسعة ..
مسح علي شعر رأسي :
ـ الصف الأول ، فصل ثان ..
قبلت جدتي جبيني ، ودست قروشاً في جيب قميصي العلوي وانصرفت وهي تدعو لي ..
الطول ، بطول قامات النخيل التي تعالت في سموق إلي جهة السماء ، الوجه في استدارته كالبدر في الليلة الظلماء ، لون المزارع الخضراء يتألق في مقلتيه ، وعلي جبينه تستريح خصلات من الشعر الكستنائي ، والصدر يبرز للأمام كأنه صدر بطل روماني ، وفي صوته يكمن السحر ، صوت يبدو كصوت الثوار ..
طابور الصباح ، خطوط مستقيمة من تلاميذ انتظموا في كل شئ ، طول القامة ، الزي الموحد ، إنهم مثل جنود في ثكنة عسكرية يتلقون أوامرهم من القائد ، يؤدون التمارين الرياضية ، يرددون النشيد الوطني :
الله أكبر فوق كيد المعتدي
الله للمظلوم خير مؤيدي
أنا باليقين وبالسلاح سأفتدي
وطني ونور الحق يسطع في يدي
الله أكبر فوق كيد المعتدي ..
دوي صوته القوي مردداً تحية العلم :
ـ تحيا الجمهورية العربية المتحدة ..
ثلاث مرات نرددها من بعده ، تسبح لتشق أجواز الفضاء والعلم وهو يرفرف عالياً في الفضاء ..
ـ عاش جيل الثورة عاش ..
** ** **
ألبوم الصور الذي لا زال في بيتنا يحمل الصور العتيقة ، صور لم تمسسها يد ، تسكن في مكانها ، نشير عليها من بعيد ..
مسابقات رياضية ، مباريات هو فيها الحكم ، معسكر للكشافة هو فيه الرائد ، احتفالات عيد الثورة هو فيها المرشد ، يوم الأنشطة التربوية المتكاملة هو فيها القائد ، يوم عيد الأم هو فيها الخطيب ..
لم نكن لنفارقه إذا انتهي اليوم الدراسي ، إلتففنا من حوله مثل طوق ، سرنا معه حتي باب بيته ، حملنا عنه حقيبته ، نوسع له الطريق ، حتي إذا صعد درجات السلم عدنا أدراجنا ونحن نلتفت من خلفنا لنري يده تشير لنا مثل زعيم يحيي شعبه من الشرفة ..
** ** **
علي حين غرة ، غاب ..
شرفة بيته مغلقة ، علاها الغبار، راحت الشفاه الصغيرة تسأل عنه :
ـ سافر ضمن الجيش المصري إلي اليمن ليحمي الثورة هناك ..
مر ألف صباح وصباح دون أن تغيب صورته عن مآقينا ، فقد طابور الصباح رونقه ، ذبل لون العلم ولم يعد يهتم بتجديده أحد ..
قاعة الدرس أضحت باردة كالثلج ، صرنا ننتقل من صف إلي صف ، ولم ينته السؤال ، ولم نكف عن ترديده ..
فجأة ظهر ..
سألناه في صوت واحد ، أشاح بوجهه عنا ، كتب علي السبورة بخط معوج ، انزعجنا ، رأينا في يده اليمني أثر إصابة ، سمع لغطاً بيننا ، للمرة الأولي أمرنا بالكف عن الكلام بنظرة جافة ..
** ** **
عاد ثانية للغياب ..
زادت تلال الأحزان ، قررنا الذهاب لناظر المدرسة ، ابتسم في هدوئه المعهود وأشار علي خريطة الوطن العربي وفوقها صورة جمال عبد الناصر :
ـ سافر إلي الجزائر هذه المرة ضمن قافلة التعريب ..
وتنفسنا الصعداء ، وظللنا ندقق في الخريطة وكأننا نراها للمرة الأولي :
ـ إنه يعيش الآن في وهران ، إنها علي امتداد شاطئ البحر المتوسط ..
وراح يذكرنا بأسماء زعماء الجزائر الذين اختطفتهم فرنسا ، بن بيلا ومحمد خيضر ، حسين آيت أحمد ومحمد بوضياف ..
كتبنا الرسائل ، وجاءتنا الردود ..
تفرقت بنا السبل ووقعت حرب يونيه ، وتم تهجير المدينة إلي كافة ربوع الوطن خشية إعتداءات العدو الحاقدة علي المواطنين العزل من السلاح بعد مالحقته من خسائر جراء سنوات حرب الإستنزاف ..
عدنا بعد انتصارات أكتوبر المجيدة ، وعاد الأستاذ ولكن علامات الزمن ارتسمت علي ملامحه قاسية ، امتد الشيب لشعر رأسه وشاربه ، ثمة نظارة طبية تؤطر عينيه ، احدودب ظهره قليلاً ..
حكي لنا عند زيارتي له ..
عقب عودتي من الجزائر في إجازة صيفية قضيتها في فرنسا ، تم استدعائي من قبل شرطة المدينة ..
هالني الأمر ، سألت عن السبب ، استقبلني آمر الشرطة في رقة ، وقام من خلف مكتبه مرحباً ومعتذراً :
ـ سي السيد ، لقد تعرضت حديقة بيتك لسوء وقت غيابك عنها ..
ـ أي حديقة تتحدث عنها سيدي ..
ضحك ضحكة خفيفة وأشعل لي سيجارة :
ـ حديقتك التي زرعتها بالطماطم ..
ازداد الموقف غموضاً ، أكدت عدم فهمي ، ربت علي كتفي ، وقال مودعاً :
ـ لقد قبضنا علي الجناة ..
ـ أي جناة ..
رجوته أن يفرج عنهم ، وشددت علي يده مودعاً وغادرت لا ألوي علي شئ وأنا أقلب أمري في عجب :
ـ أنا لم أزرعها من قبل ..
وتذكرت بذور الطماطم التي كنت ألقيها في الحديقة من مصفاة الطبخ ..
أطل الأستاذ من نافذة مكتبه ، كانت مياه البحر المتوسط ممتدة في هدوء ، صافحت عيناه الأمواج مثل سطور بيضاء علي صفحة كتاب أزرق ، لا تناوشها أي رياح ..
دخل الموظف مكتب رئيسه ، تبادلا التحية كعادتهما ، قدم ملف " البريد " اليومي ، قال للسيد المدير :
ـ ورد في بريد اليوم نشرة المعاشات ..
هز الأستاذ رأسه شاكراً ، وانصرف الموظف وأغلق الباب من خلفه ..
كان اسم الأستاذ ضمن الذين سيحالون إلي المعاش ..
استنشق الأستاذ من هواء المتوسط ملء صدره ، وردد بينه وبين نفسه :
ـ مائة يوم وتنتهي الرحلة ..
وتذكر الأستاذ للمرة الأولي وحدته ، وأنه لن هناك في البيت من ينتظره أو يؤنسه ..
فجأة ارتخت يداه ، ومال رأسه علي مكتبه بعد أن انسحبت من جسده كل معاني الحياة ..
انهمك تلاميذه من أبناء الحي في تشييع جثمانه إلي مثواه الأخير ، بينما انشغل أخوته الذين قطع عمره عليهم ونسي في غمرة ذلك أن يتزوج من أجل تربيتهم بعد رحيل الأب في صغرهم ..
بعثروا أوراقه ، داسوا كتبه ، وزعوا ملابسه فيما بينهم ، عدوا ماعثروا عليه من مال ، ونسوا أن السيد لم يجد في حياته من يؤنسه ..
محمد عبده العباسي
بورسعيد / مصر

التعليقات
قصة جميلة ومؤلمة اذ استجمعت هموما انسانية ، وقومية
ولوحت من بين سطورها بخفايا متعددة ، تؤطر لأزمة الأستاذ الموازية تماما لأزمة الوطن
ثمة زمان حلو طواه الماضى
وثمة حاضر مقبض ، نستبين ملامحه مع آخر سطور القصة
مرة أخرى ،
تحياتى
والى مزيد من الـتألق
العربى عبدالوهاب
قصّتك موجعة سيّدي إلى أقصى حد ، قد أكون قد تأثّرت بها لكوني أحد أبناء بورسعيد ، قد يكون لأن خالي -رحمه الله - من شُهداء حرب اليمن ، قد يكون لأنني مصري ، أو لأنني عربي.!!
أسلوب السرد جاء جميلاً ، أخذنا في رحلة مُشوّقة أليمة عبر ثنايا الذاكرة ...
هكذا أصبحوا من أضاعوا حياتهم من أجل هذا الوطن .. أو تلك الأمة .. للأسف هناك العديد من الأمثلة تتناشى مع قصّتك .
تقديري لك
أحمد فؤاد
أديب و قاص
سلاماً وتحية
لأنني أحد الذين يعشقون ثري هذا الوطن وناسه وكل من يطأ أرضه ماعدا هؤلاء الأعداء الأوغاد فأنا أكتب عن خالك وخالي عمك وعمي أبي وأبيك وأبذل الجهد ماأستطعت لأؤكد أننا ـ رغم كل الحاقدين علي هذا الوطن ـ أناس خلقنا الله هكذا
بطل هذه القصة هو رجل أو رجال كلهم كأنوا ـ رحمة الله علي من رحل منهم ومتع الأحياء بالصحة ـ من الشرفاء الذين حملوا علي كاهلهم شرف المهنة منهم الأساتذة /عاصم عبد العزيز علي عبد الواحد معلم الرياضيات الذي كان يتطوع في العمل بالإسعاف والدفاع المدني /محمد عزت عبد الرحمن مندور المخلص حتي النخاع/د. عبد الرحمن عرنوس المعلم ورجل المسرح والفنان شفاه الله وعافاه أول من تعلمنا منه مسرحة المناهج قبل أن تقرها الوزارة بسنوات / ماجد سيد أحمد ريحان معلم اللغة العربية الذي يضبط لك مخارج الحروف عند نطق الكلمات / عبد الحميد محمد أبو الذهب الذي كان من خلال الشرح بجعل المرء مبهوراً وكأن علي رأسه الطير/ محمد مكاوي الرجل الطيب المثقف /جلال الهندي مدرس التاريخ الذي يجعلك تشارك وترسم الخرائط وتعرف بلدك وتسجل الأحداث الجارية يومياً في سجل خاص لتحتفظ به لسنوات ثم تعود إليه.
أخي العزيز إنهم عماليق وجنود شرفاء في مضمار التعليم في مدينتي
ألا يستحقون التحية
.
كل هؤلاء ياصديقي أعلام أسجل عنها إنطباعاتي وغيرهم ممن تحفظهم ذاكرتي و وراقي وأدعو الله سبحانه أن أرد الجميل لهم في كتاب أصدره عنهم
إليهم أرفع قبعتي بالتحية ولك جزيل الشكر فقد أثرت تلال الذكريات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
كاتب وقاص وروائي
عضو اتحاد كتاب مصر
هذه قصة كل معلم شريف في هذا الوطن
ولا يعرف الشوق إلا من يكابده
القصة مؤلمة حقاً لأنني أحد الذين تعلموا عشق معلميهم وإحترامهم
فقد كنا صغاراً نتذوق شعرأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وعزيز أباظة ومحمود حسن إسماعيل وعرفنا محمود تيمور ومحمد أحمد برانق وكامل كيلاني ومحمد سعيد العريان ـالذي شرفت بالكتابة عنه ـ رجال انغرس حبهم في القلوب.
تحياتي لأستاذي سليمان صموئيل سليمان الرجل المحترم الأمين في أداء رسالته وهو هناك منذ أكثر من أربعين سنة يعيش في أسيوط ..
سكراً لك علي القراءة الواعية المتأنية ولك تحياتي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد/ مصر