ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ومضات الحمراء المستديرة.. والنوع الأدبي الجديد
- سماء العراق .. هل عادت إلي أهلها ؟
- إنسان العولمة في "مثلث العشق"
- القصة القصيرة في زمن الرواية
- هل القصة القصيرة في أزمة ؟
- شوكة في القلب
- طارق إمام ... بين القتلة والأرملة
- هدوء القتلة .. بحثا عن الفردوس المفقود
- بواكير الرواية العربية
- ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
- لذات الجزار السرية
- جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
- الصبار ينمو فى مرايا الروح
- خور الجمّال ... رحلة الزمان عبر المكان
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 1 /2
- صندوق جدتي
- الفراشة
- القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
- تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
- في بعض اللحظات .. الموت هو الخلاص ..عند الغيطاني
- الأحلام المحبطة في .. قرن غزال
- هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
- الرواية ديوان العرب
- الرواية وتغيرات المجتمع
- نجيب محفوظ شاهد علي العصور
- المرآة
- رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـ خالتي صفية والدير .. 2 /3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـــ زينب و العرش 1 / 3
- الرواية و النكسة 2 / 2
- الرواية و النكسة 1 / 2
- قراءة في مجموعة ( عطش الماء ) للقاص / سمير الشريف ( أحد كتاب الورشة )
- قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
- التداوي بالحب .. في القلاع الضامرة
- قصة الورشة القصيرة .. في عام
- قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً
- والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
- ليس دائما يعمل .. قانون الوراثة
- ذاكرة إبتسام التريسي
- نقرات الزمن في ..... نقرات الظباء
- دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )
- بمناسبة الحياة ..
- عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
- الواقع والمتخيل في .. عمارة يعقوبيان
- العابثون في الملاعب المفتوحة
- السحر الأسود .. يكفن الحاضر
- رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
الأربعاء, 04/08/2009 - 16:35 | شوقي عبد الحميد يحيي

ما تثيرة (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
شوقي عبد الحميد يحيى
عندما يهاجر العربي إلي الخارج ، يكون حتما عليه أن يتعايش المكان
الذي ارتحل إليه ، إن لم يستطع أن يعيشه ، إذ يكون عليه بالضرورة السعي
نحو التفاعل مع من أصبح يعيش حياتهم ، وقد يتصرف كواحد منهم ، إلا أنه
أبدا لا يُخرج الأصل من الداخل ، إذ يظل هو الدافع والمحرك اللامرئي وراء
كل فعل .
وهذا ما نتبينه من كتابات الجزائري المهاجرة إلي أمريكا " سهيلة بورزق " في مجموعتها القصصية الأولي " كأس بيرة " [1] ، حيث ظاهر القصص يبدو أمريكي الشكل والظاهر ، وباطنها عربي . ظاهرها فيه الحرية وفيه الانفتاح وفيه الجرأة ، وباطنها فيه الانتماء ، وفيه القضية العربية .
وهذا ما نتبينه من كتابات الجزائري المهاجرة إلي أمريكا " سهيلة بورزق " في مجموعتها القصصية الأولي " كأس بيرة " [1] ، حيث ظاهر القصص يبدو أمريكي الشكل والظاهر ، وباطنها عربي . ظاهرها فيه الحرية وفيه الانفتاح وفيه الجرأة ، وباطنها فيه الانتماء ، وفيه القضية العربية .
[1] - كأس بيرة – سهيلو بورزق – سندباد للنشر والتوزيع – مارس 2009 .
وإذا كانت التجار القديمة – نسبيا – والتي تناولت العلاقة بين الشرق والغرب مثل " عصفور من الشرق " لتوفيق الحكيم ، " قنديل أم هاشم " ليحيي حقي ، " الحي اللاتيني " لسهيل إدريس ، " موسم الهجرة إلي الشمال " للطيب صالح ، وأيضا " لهو الأبالسة " لسهير المصادفة ، إذا كانت هذه النماذج قد حاولت تصوير كيفية ونتائج احتكاك الشرقي بالبيئة الغربية ، وأبقت علي كل حالة مستقلة – رغم محاولات التفاعل – بيحيث ظل الأبيض أبيض ، والأسود أسود ، فإن سهيلة بورزق قد مزجت الألوان معا وأنتجت خليطا جديدا ، وربما كانت الجدة فيها علي التلقي العربي الذي يمكن أن يسبب بعض المتاعب للكاتبة ، نتيجة الشكل لا المضمون ، الذي يحتاج في الكثير من قصص المجموعة إلي التأمل ، وقراءة ما بين السطور .
فسهيلة لا تكتب المباشر – إلا في لاستثناءاءت ، وبالتدبر ، لا يمكل ذلك العربي ذاته إلا أن يحيي تلك التي تعيش مجتمعا جديدا ، لكنه لم يأخذها كلية ، ولم يأخذ منها سوي القشور ، أما ما تحت القشور ، فظل مشغولا بالهم العربي .
وقارئ سهيلة بورزق ، لاشك سيفاجأ بلغتها المتخبطة ، لاشك سيسمع أصوات ارتطام وتكسير ، وما يسرب القلق إلي نفسه والتوتر ، إلا أنك ما أن تهم بتحطيم رأس ذلك المتسبب في ذلك الإزعاج ، حتي يفاجئك هو بغير ما تتوقع . فمخالفة أفق التوقع ، هو أحد السمات الأساسية في كتابتها ، والتي تضفي عليك بعض السلام ، لتضع سلاحك ، وتمد يدك بالمصافحة ، لا بالاقتتال .
وتتضح تلك الرؤية من البداية الطبيعية ، من العنوان " كأس بيرة " . فما أن يطالع العربي المسلم كلمة كأس ، حتي يتوارد إليه الخمرو السُكر ، والحانة ، فلا يلبث أن ينتزع سيفه من غمده ، فتسرع الكاتبة برفع الكلمة الثانية في وجهه " بيرة " مع الإيضاح بأنها قد لا تسكر ، وأنها تفيد كثيرا في بعض الأمراض ، خاصة ضغط الدم المرتفع الذي يعاني منه العربي والمسلم ، من كثير مما يراه في مجتمعه ، وفي تعاملات الغير معه ، مقارنة بمعاملة هذا الغير للآخر . وهو ما نتبينه فيما تحمله المجموعة من مضامين ورؤي . تبدأ من القصة الأولي " ليلة القبض علي الحب " والتي كنت أفضل لها أن تحمل عنوانا آخر من عندي هو ( بداية ) . فإلي جانب أنها تعتبر بداية مشوار الرحلة القصصية للمجموعة ، فهي أيضا تحمل بداية الوقوف للعربي الفلسطيني علي بداية الطرق . فعلي الرغم من أن السعي – الظاهري – لكلا الطرفين ، الساردة ومن تعرفت عليه ، كانت البداية هي البحث عن متعة الجسد عن المتعة المؤقتة ، وكان هذا الذي إلتقته الساردة غير معروف الاسم ، بل لم يكن يعلم كيفية رسم الوجوه ، وكأنه لايعرف الطريق ، وتأخذ الساردة بيده في محاولة لتعليمه الرسم ، بعد أن تنحي اللقاء الجسدي جانبا ، ولو مرحليا ، وكأنها – أيضا – تستدرجه باللغة التي يريدها حتي تصل لمبتغاها ، وتصل بالفعل ، فما أن تيأس ، وتقرر العودة إلي بلادها " فلسطين " ، ودون معرفة أو مقدمات ، تفاجأ به إلي جانبها في الطائرة ، ويصرح لها بالاسم ، وأنه فلسطيني أيضا ، وسيتجه معها إلي فلسطين ، وكأنه تعرف معها علي البداية الصحيحة ، من خلال الحب ، لا بالخطب والشعارات والكلام .
وترجع سهيلة بالصراع العربي الإسرائيلي إلي بداية الخليقة ، في قصة " شالوم " إلي قابيل وهابيل ، وكأنها تري أنها مشكلة أبدية ، أو إرث ورثناه وأصبح لاصقا بجلودنا ، وفي صنع مفارقة بين العنوان " شالوم " ، السلام ، وبين المضمون ، وكأنها تضع كلا من " السلام " والواق في خطين متوازيين ، لا يلتقيان . ففي " شالوم " أصرت الإسرائيلية علي مشاركة الساردة ... في من ؟ في أبيها ، وكأنها تقول أن وريثة الأب مثلها تماما . وبعد أن تموت – الإسرائيلية – يأتي الأب بابنها ليربيه ، وبعد موت الأب ينتق هذا الإبن إلي الساردة التي لا يلبث أن يذهب بها إلي المصحة - أو دار المسنين – لينفرد هو بكل الشركات !! . فقد زرع العربي الإسرائيلي ، كي يخلعه .
ثم تنتقل الكاتبة إلي التجربة العربية ككل ، تجربة الهجرة إلي البلاد التي قيل عنها بلاد الحرية . فهل كانت الحرية للجميع ؟ وهل وجدت ذلك الثراء الذي حلمت به هناك ؟
ذلك ما تجيب عليه قصة " شهوة " حيث قالت لها العرافة الأمريكية – وكأنها الحلم الأمريكي - أنها ستصبح { إمراة جد غنية } ، إلا أن الآخر نظر إلي أن هذه العربية غير جديرة بهذه الثروة ، تحتج : { فارت أعصابي من طريقة معاملتهم لي فصرخت : ما المشكلة هنا ؟ لماذا هذه العنصرية في تعاملكم معي ؟
أريد أن أفهم ما الخطأ في كوني عربية ؟ } ثم يتبين أن الرسالة الواعدة بالثراء كانت أخطأت العنوان ، فليس المقصود ، ولا المطلوب أن تصل هذه الثروة للعرب ، وليتبدد الحلم ، ولتكتشف أن الصديقة الأمريكية – أمريكا – هي التي تطلب منها – المساعدة - المال .
وعندما استقرت الساردة في البلاد الأمريكية ، لم تستطع إلا أن تحمل جذورها معها ، فكان الانشطار ، ذلك الانشطار الذي تحدثنا عنه في البداية في قصة " إمرأة بنصفين " فنجدنا أمام عملية إحياء من جديد لزمن المهجر ، الشتات في الغربة الإجبارية ، لا بسلطة القانون ، ولكن بسلطة الحياة ، الهروب من الوطن الطامس للأحلام الصغيرة ، الطارد لأبنائه بحثا عن متنفس من الحرية ، فتذهب مخدوعة بدعاية الحرية في بلاد قيل عنها أنها بلاد الحرية ،
لتكتشف أنها مسجونة داخل وطنها لم تغادره إلا جسدا ، وحتى هذا الذي هاجرت به ، هو أيضا أصبح مستباحا ، لم تجد غيره كي تبيعه ، من أجل أن تعيش ، أن تشفي حبا كان ، غير أن كثرة البيع تجعل من الشراء صعبا ، فلم تعد بقادرة علي العودة للحب ، للحلال " وكأن الحلال مضروبا ومغشوشا كما الأوطان " ( وكأن الحلال مضروب ومغشوش(
ولتكتشف بأنه ليس وطنها فقط هو الذي بيع ، وإنما كل الأوطان ، كلها عاهرات ، يبعن لمن يدفع " النساء جميعهن عاهرات بالمطلق ، وكلهن مجنونات جسد لكنهن مقهورات في جلباب " الدين والبلادة. " . ثم تختتم سهيلة صرختها المتألمة في وجه الأوطان بما يشبه التصريح
بعد أن وصل التمزق منها منتهاه " وقضيتها مرتبطة بالأوطان العاهرة ولك أن تعي جيدا أن الحرب قائمة فينا على الدوام مادامت أوطاننا بيت دعارة كبير تمارس فيها الشرعية بالمقلوب وبشذوذ ليس له مثيل .
في قصة " امرأة بنصفين " امرأة تعيش بنصفها الحلال ، بالروح والأم وبقايا الطفولة ، في الوطن الذي شهد مولدها ولم تجد فيه نفسها ، ونصف يعيش في وطن وجدت فيه التيه والشتات والإحتقار لكونها عربية ، حتى لوتشبه فيه العربي باسم أمريكي ( جون ) وأيضا لم تجد فيه نفسها .
نظرة حزن ومرارة ، تعبير عن شتات وتمزق ، تعلق بين أرض وسماء ، وإذا كانت قد فقدت كل شئ إلا جسدها ، راحت تنسج منه قطرات حبر مشتعلة يتساقط علي أبداننا فتحرقنا " هل تصدق أنني لا زلت أغزل من أنوثتي أسئلة للحزن وأحيانا للدهشة؟ " ، فأنتجتت قصة تفوح منها رائحة الصدق المتخفي وراء الغلالة التي لم تعد شفافة .
وفي قصة " الرجل العنكبوت " تعيش - الساردة – الطرد والاضطهاد أينما حلت . تذهب إلي هناك ، إلي أمريكا ، بلد الحرية والانفتاح للجميع ، مطرودة من بلادها . إلا أن أمريكا لا تستقبلها بالأحضان كما تصورت ، ولكنها تسعي للتخلص منها ، ممثلة في ذلك الأسمر الذي قد يمثل الزنجي صاحب الأرض الأصلي . فتكتشف أنه من حاول قتلها . فبينما هي تفتح ذراعيها مرحبة ، كان السكين في يده يغرسها في ظهرها .
تبدأ سهيلة بورزق قصتها بالجانب الفردي الرومانسي ، معبرة عنه باسلوب جد جميل يعبر الشخصية الأنثوية البكر ، الباحثة عن المغامرة العاطفية ، فهي القادمة من بلاد العواطف
{ .. لا زلت قديمة الأنوثة أنتظر رجلا مثلي يعشق المساء في شموعه الباكية ، ويبلل عطشي بقبلة مرتعشة في غفلة مني، ويهديني وردة حمراء تحيلني على المغفرة .. } فها هي الأنثي تعيش الليل بإيحاءاته الشعرية ، المغلفة بالحزن الشفيف ، الذي هو سمة المحبين في وهجة الحب الرومانسي ، وتسعي للقبلة المسروقة في حياة الهواة المحبين المبتدئين ، لا العاشقة المحترفة ، فلا زالت البطلة رغم احترافها في عالم المال والأعمال ، تعيش حياة الهواة في
عالم الحب والعلاقة الإنسانية . ورغم هذه اللهفة للحب ، إلا أنها تتعامل مع عالم المادة ، عالم المال والأعمال ، فأشهرت له ما يناسبه من الأسلحة ، عالم المادة أيضا ، عالم الجسد ، كاشفة
عن تزاوج بشري بين العالمين ، متسقة مع ما تريده من من خلق شباك عنكبوتية أرادتها فوقعت بداخلها . وهو ما قد يكون أحد التأويلات المتاحة ، والكثيرة التي تتيحها القصة العنكبوتية التي توقع قارئها في شباكها . المحبة توقهعا في أسر ذلك الأسمر – الذي قد يكون –تشعر أنه من تريده ، - ورغم التجاهل النظري ، هو أيضا يريدها ، وكما وقعت فيه وقع فيها – غير أن " جونسن " – وهو اسم الأسمر – وعلي الرغم من حبه للفنون العربية ، إلا أنه " مزبلة " – يحدد نظرة الرجل الأبيض لهذا الأسمر ، يراه – كذبا – مجرد سائق ، ويوقع يها في خدعة راغبا في إحراجها ، وعندما تعنفه ، يتساءل في استنكار عن هذه العلاقة القوية بينها وبين ذلك الأسمر : ألهذه الدرجة ؟ .
ثم يأتي ضابط التحقيق " كوهين " ، وهنا يجب ملاحظة الاسم ودلالته ، بل ودلالة كل الأسماء التي أراها لم تأت عرضعا ، أو مجانية ، يأتي كوهين ليكمل باقي المؤامرة والوقيعة ، لأتذكر علي الفور كل ما يقع من جرائم يتم إلصاقها بالشرق أوسطيين ، أو بالعرب . وهنا نتشمم رائحة امرأة سافرت برائحة الشرق الإنساني الشاعري الفطري ، الذي وقع في براثن الغرب المادي الطاحن بصراعاته ، وجبروت المال والأعمال فيه ، الذي لا يتذرع عن القتل والوقيعة ، وهويحاول غسل يديه من جرائمه وكأنه الحمل الوديع الطاهر ، حامي حمي الإنسان من همجية الشرق ، العربي ،الإسلامي ، الإفريقي .
وكان حتما أن تكتمل التجربة بالمقارنة ، بتحديد الأبعاد بين ما كان وما هو كائن ، بين ماض كان العربي فيه هو المبتغي ، وبين الأمريكي الذي هو الحاضر .
في قصص " الرغبة " " حالة ممنوعة " " الوهم " و " غواية نهد " والتي تشكل في مجموعها رؤية متكاملة ، يمثل فيها الرجل العربي الوطن الذي تشتاق لصدره ولرجولته ، غير أنها لا تجدها ، وكأنها – سهيلة – تحدد ، لماذا الهجرة ، فهو عتاب للوطن الطارد .
لذا فأنه يمكن قراءتها معا كوحدة سريدة مستقلة .
تنشأ الحالة الإنسانية ، حاجة المرأة للرجل ، في مقابلة بين النار والماء ، الرغبة الأنثوية الحارة المتأججة ، والبرود الذكوري العربي المؤسس علي الذكورية المريضة ، والتي يري فيها العربي العيب ، كل العيب في التعبير للمرأة . ورغم كل شئ ، مازال العربي هو الذي يشدها ، ورغم المعيشة في أمريكا ، فإن الروح والرغبة لم تزل مع العربي : { دخلنا البار ، شربنا بصحة أمريكا .
قلت لي : ألا زلت تشعرين بالغربة ؟
أنت العربي المدلل ببداوتك . ما الذي يشدني إلي وجهك ؟ } .
حيث كان الرجل العربي { يعشق الجبل } وكانت هي تعشق البحر . فكان الهروب إلي آخر الدنيا { كنت أحاول أن أنسي ما كنت عليه ، لكن صوتا عميقا يسكنني كان ينفجر في رأسي ، يذكرني أحيانا بأمي ، وأحيانا أخري بـ (حازم ) ومرات كثيرة بي ، بحقيقتي الهاربة طوعا إلي آخر الدنيا ... لقد تأكدت أنني خلقت في المكان الخطأ مرتين ، مرة بسبب الوطن ومرة بسبب ( حازم ) } . فقد كان كلاهما مريض ، حيث تعطل – هذا العربي – عن الفعل ، فسألته : { ألست رجلا ؟ } فأجابها بالصدمة { أنا مصاب بالإيدز }[1] .
{ عندما وصلت روما كنت متوحدة في عنوانك ، أعني كنت مشبعة برجولتك الباردة الطبع ، فأنا لا أصدق أنك لم تحاول تقبيلي يوما أو حتي ضمي إلي الوطن في صدرك .. } [2] .
ولأن الكاتبة عربية الأصل ، تعلم ما يمكن أن تثيره كتابتها من تداعيات لدي القارئ العربي ، خاصة حول الحديث حول الجسد ، والذي قد يظنه القارئ غير المتمرس بوحا ، قدمت قصة " حالة جسد " وكأنها تقول " وداوني بالتي كنت هي الداء " فمنذ العنوان تعلن الدخول في الممنوع – ظاهريا – غير أننا نكتشف أننا أمام رحلة عشق جسدي مشبوب . فهي تعيش في قصر كقصور ألف ليلة وليلة ، لديها من الخدم الكثير ، يظلل قصرها الأشجار والزهور والرياحين ، غير أنها تعيش – داخليا – في جحيم الجسد الخاضع للبيع والشراء ، إنه سلعة ، ليس إر ، غير أنه ما أن لامس روحها روح إنسانة ، تفجر فيها عطش الحنين ، وشوق الدفئ وسحر الروح ، وتلقي بكل أسلحة الجسد المشهرة لاقتناص ما في جيوب الرجال ، وتستلم في رضي وارتياح الوصول إلي الشاطئ بعد طول مصارعة مع الأمواج .
وكأنها – سهيلة – تعلن براءتها مما قد يثور في النفوس غير المدربة ، بأن الجسد ليس سوي وسيلة ، وأنه تعبير عن جوع يبحث عن الشبع في الإنسان العربي ، بينما هناك اسمه " الحب " ، ففيه اللمسة الإنسانية ، وفيه الحنان ، وفيه الأمان .
القصة القصيدة والقصة اللاقصة :
تثير مجموعة " كأس بيرة " إشكاليتين ، إحداهما إيجابية والأخري غير ذلك .
أما الإيجابية فهي القصة القصيدة .
فقد تميزت لغة سهيلة بالكثافة ، واكتناز الشحنات الإيحائية ، خالقة نوعا من الاستمتاع بالسباحة علي تموجاتها العديدة . خالقة ما يمكن أن نطلق عليه تعبير " القصة القصيدة " التي تحمل طبيعة النةعين معا ( النثر والشعر ) . وهو ما يقول عليها د صلاح فضل :
{ وكما يحدثنا علماء الشعرية ، خاصة " جاكبسون " فإن الكلمات واللحظات والمواقف كلما أشعت من ألوان عديدة ، كانت مث " كأس الكرستال " الثمين ، لا تقتصر وظيفتها علي كونها مجرد إناء يتسع لقدر يسير من الماء ، ولا تقاس نحجمها ، إذ أن حبيباتها اللؤلؤية وتكويناتها البلورية تشع أطيافا عديدة من الألوان تشي بثرائها وقيمتها في ذاتها . وليست اللغة الشعرية هي المنوطة وحدها بتعدد الدلالة ، بل الشخصيات والأحداث الرامزة في القصة القصيرة تقوم بنفس الوظيفة إذا أتقن الفنان بشئ من الدهاء الضروري عند المقابلات الظاهرة والخفية ، مما يجعل الحياة أكثر توهجا ، ويجعل الفن أقدر علي تمثيل شعرية الوجود ..} [3]
فمنذ " المفتتح " الذي تقدم به سهيلة مجموعتها ، وتقدم نفسها للقارئ ، تفيض الكلمات أشعة ، وتتفجر إيحاءات ، وتتكثف رؤي ، وتسودها لغة التورية التي تحمل القارئ إلي أبعد من حدود الظاهر . فنقرأ :
{ .. عادت بي الذاكرة إلي حيث تركت تجاعيدي وفلسفة طفولتي ، كنت بحاجة إلي لغة تقولني بالمقلوب ، تفسرني بالأضداد ، تقلب تاريخي الأنثوي الدامي ، لكنني عند عتبة الحرف وجدتني أتعري من خبرتي القليلة في الحياة وأعود إلي حقل الطفولة ، حيث أحترف الركض .. الركض المستمر باتجاه القلب ... }
وحيث تصنع المقابلة بين " التجاعيد والخبرة في مقابل الطفولة " بين " التعري وماديته في جانب والقلب وروحانيته في جانب آخر " لتصنع كل مقابلة صورة شعرية مكثفة لتلك التي ذهبت من بلاد القلب ، إلي بلاد التجاعيد ، ولتحدد من البداية أنها ما صنعت – ومجموعتها – إلا من " الأضداد . وهو ما سبق أن أكدناه في البداية عندما أشرنا إلي أنها تعيش الغرب من الخارج ، وتعيش الشرق من الداخل .
ثم لننظر ذلك التعبير في " ليلة القبض علي الحب " وهو عنوان أولي قصص المجموعة ، والتي تعبر عن هروب الحب ، والهروب يعني ، الوجود من قبل ، وعدم الوجود في الحاضر . وكأن هذا الحب " كان ، ولم يعد " . ثم لنري هذا التعبير في ذات القصة :
{ علي مسافة قريبة كنت أرقبه وهو يحتفل بصمته .............
لم يكن بيننا سابق معرفة ، لكن المكان بحميميته له سلطة غريبة علي القلب يجعلك تتخيل زائريه كلهم من طينتك ، يبحثون عن ظل ما يحتمون به من جسد أنهكه الترحال في اللغة ... } حيث نجد أيضا " القلب والجسد " وكأنهما في تقابل دائم . و{ يجعلك تتخيل زائريه كلهم من طينتك } لينطلق الخيال إلي ما يمكن أن تكون تلك الطينة التي تجمع بين إثنين ، لم يعرف أيهما الآخر ، ولم يسبق أن تقابلا ، أهي الوحدة ؟ أهي الغربة ؟ أهي الضياع ؟ أهي البحث عن شئ واحد ؟ أهي الدم ؟ أهي .. أهي .. ألف شؤال وسؤال يمكن أن يوضع أمام تلك الكلمات القليلة ، لنكتشف في النهاية أنهما فلسطينيان .
ثم { يبحثون عن ظل ما يحتمون به من جسد أنهكه الترحال في اللغة ... } وما تحمله من طاقة شعورية دافقة ، في تصور ذللك الصهد الذي يحولون الهروب منه في الإصرار علي البحث عن ( ظل ) يلجأون إليه { من جسد } . وقد تفجرت المعاني في استخدام { من جسد } حيث لم تكن { في جسد } وكأنه الهروب من الجسد ، لا البحث عن الجسد ، وهو أيضا ما يؤكد ما سبق أن قلناه من أن استعمال الجسد في القصص كان قسرا ( وضرورة فنية ) ولم يكن متعة أو استخداما مجانيا .
تتفجر كذلك الطاقة الشعرية في قدرات الكاتبة علي تفجير الشحنات الأنثوية الكامنة في الأعماق ، حين تحيلها إلي كلمات مشعة بفحيح الرغبة الأنثوية حين تستخدم المرأة الجسد في الدخول إلي عالم الرجال ، مثلما في قصة " الرجل العنكبوت " { توددت إليه بنظراتي فرد بابتسامة مرتبكة أوحت لي بسهولته .. لا .. لا .. لا أريد أن تنتهي سهرتي بهذه السرعة ، أريد رجلا يشدني إليه بقسوة ، يدمي قلقي ، يسفك دمعي ، يبعثر انتباهي ، ينسيني لحظتي .}
فضلا عن الطاقة الإيحائية ، والجدة في التعبير { يبعثر انتباهي } .
أما العنصر الأخر الذي تثيره المجموعة فهو مشكلة النوع الأدبي
فإذا كانت الأنواع الأدبية قد انفتحت علي بعضها البعض مثلما تبينا – بعاليه – تداخل الشعر علي النثر . إلا أن حدودا فاصلة لازالت تتطلب وجودها في بعض الأنواع ، خاصة القصة القصيرة التي لا يفصلها عن أجناس السرد الأخري سوي شعرة دقيقة تتبدي – في نظرنا – بتمسكها باللحظة الزمنية ، والتي ما أن تتخطاها حتي ندخل في عنصر جديد أقله أن تتحول القصة القصيرة إلي ( ملخص رواية ) ، وهي التي تميز الفهم الحقيقي لهذا النوع من عدمه . وهو ما نتبينه بوضوح من بين قصص المجموعة في قصص مثل " الرغبة " " الشهوة " و " حالة جسد " .
إلا ان قصصا أخري تفلت الزمن فيها ، وضاعت معالم القصة القصيرة وأصبحنا أما تلخيص رواية ، بل ربما نكون أمام رواية بالفعل في قصة " غواية نهد " التي لم تتطاول فيها الصفحات فقط ، وإنما تعددت الأحداث ، وتعدد الشخصيات ، وكذلك الأماكن ، وتمدد الزمن لنصبح أما رواية بالفعل . بل إن هذه القصة تحديدا – والتي ربما أرادت بها الكاتبة أن تتحدث عن البدايات الخاطئة ، في التربية والزواج والعادت ، وأيضا في الجنس ، الذي تفلت فيها من الكاتبة ، فساعدت مع تلك العناوين المستفزة ، والمثيرة لغضبة الرجل العربي في الظاهر ، والمثيرة لفضوله في الباطن ، مثل "" الرغبة " " الشهوة " " حالة جسد " " غواية نهد " .
فعندما نتأمل قصة مثل " ليلة القبض علي الحب ، تصدمنا الكاتبة بـ { بعد إسبوع أعطيته اللوحة } فيدهمنا الزمن بمروره وامتداده ويتطاول ليطال فترة زمنية من حياة الساردة نتبين معها أنها إنما تحكي حكاية منبسطة . وأيضا في قصة " شالوم "
وكذلك في قصة " الرجل العنكبوت " نجد الامتداد الزمني قد تطاول حتي شمل شطرا كبيرا من حياة الساردة ، دون أن ينضغط في اللحظة فنشعر أيضا أننا أمام تلخيص رواية ، لا امام قصة قصيرة .
إلا أن الكاتبة قد عملت علي تفادي ذلك في بعض القصص مثل " هيلوين " حيث مزجت الحلم بالحقيقة والواقع بالخيال ليدور رأس القارئ وتتحول القصة – ربما إلي ( حلم ) لتتكثف الأحداث كلها في برهة زمنية أشه بـ winrar في عالم الكمبيوتر . ويبرز في المخيلة علي الفور رائد هذا التكثيف القصصي " يوسف إدريس " الذي كان باستطاعته أن يسوق حياة كاملة في عمل لا يخرج عن مدار الدقائق المعدودة ، وكذلك في قصص أحد تلامذته النجباء محمد المخزنجي .
كما أنها – الكاتبة – تغلبت علي هذا أيضا بسخونة القضايا المتناولة ، وحيوية اللغة المستخدمة بطاقاتها الشعرية . إلا أن إطلاق المسائل علي عواهنها ، يفتح الباب لفاقدي الموهبة بالدخول وفرض أيا ما يعن لهم ، وتوهم أن ما يكتبونه هو ما لم يأت به الأوائل .
لذا كانت ضرورة أن يظل هناك حدود تميز كل نوع عن غيره ، حتي يمكن الوقوف علي تمكن الكاتب /ة من أدواته وفهمه للعملية الإبداعية وإلمامه بعناصرها .
كذلك يعتبر من العناصر اللافتة في المجموعة ، غلية الحوار علي الكثير من القصص والذي ربما يكون بسبب غلبة ( الفكرة ) أو الرؤية التي تسعي الكاتبة لتوصيلها ، وهو ما قربها من لغة المسرح ، فجاءت الفكرة أعلي من لذة السرد التي بانت في الكثير من القصص الأخري في ذات المجموعة .
ونظرا لأن " كأس بيرة " هي المجموعة الأولي لـ سهيلة بورزق لذا فإن بعض ملاحظات البدايات بدت في بعض قصص المجموعة ، مثل التمسك بمفاجأة النهاية ، وكأنها عودة إلي " لحظة التنوير " .
ولكن يحسب لها في المقابل ، وربما اعتبر دليل جديد علي تمسك الكاتبة بجذوره العربية ، سلامة اللغة المستخدمة ، حيث ندرت الأخطاء ، في الوقت الذي أصبحت هذه الأخطاء شيئا شائعا في كتابات كثير كم الكتاب ، خاصة الشباب .
وعلي الرغم – كذلك – من أن " كأس بيرة " تثير الكثير من كوامن المتعة السردية ، والفكرية ، وتحمل تجربة وطنية جديدة ، تجربة الغربة والاغتراب عن وطن كان هو الطارد ، إلا أنه ظل في القب علي البعد ، وظل الحنين إليه يعود بها ، والرغبة في مستقبل أفضل يدفعها للقسوة أحيانا . وأنها – المجموعة - ستثير الكثير من الجدل والنقاش الإيجابي والفعال ما قد يصل لحد الصخب .
شوقي عبد الحميد يحيي
Em : shyehia@yahoo.com

ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
لا زلت غارقة بجمال في تحليلك ، لا سيما وأنني أرى النقد هو العين الثانية الصريحة التي تعيد قلب النص بدافع تحديده في دائرة ما تليق به. أعدت القراءة أكثر من مرّة وفي كلّ قراءة أجدك تسحبني اٍلى عالم الرؤية النقدية ... بكل تأكيد هو جميل رغم خروجه عن مألوف الخيال ، ووجدتك كناقد واسع الثقافة تنحث نصوصي من جديد بمعرفتك وجميل فكرك ، حتى أنني في لحظة خفت ألا أكون في مستوى حكمك عليّ ،أشكرك جزيلا على مدّي بهذه الرؤية النقدية التي من دون شك ستخدم مسيرتي الأدبية بشكل أفضل
لك مني فائق تقديري وامتناني
سهيلة بورزق
ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
استاذ شوقي احمد يحيى
تبقى تاجا يتوج كل الاعمال الادبية الهادفة
لك كل التالق
ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
أسعدني مرورك وتعليقك رغم نحت اسم جديد لي
لكني أيضا أعتز به فلم تنسبني فقط إلي الصديق العزيز صاحب الموقع
وإنما أيضا نسبتني لجدي الذي كنت وما زلت أعتز به جدا
ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
لم أتعود - علي الأقل حتي الآن - أن أجامل في قراءة لعمل أدبي
ورغم فقداني للعديد ممن كان من الممكن أن يكونوا أصدقاء
إلا أنني لم أندم علي رأي كتبته في عمل أدبي
لذا فما كتبته عن " كأس بيرة "ليس فيه أي مجاملة ، بل ربما أكون قد قسوت عليك في بعض ما كتبت بإعتباره الكتاب الأول
كما أنني لا أكتب إلا عما أقتنع به ،وأحبه . فلا شئ يرغمني علي غير ذلك
تهنئة من القلب بصدور المجموعة ، وفي انتظار المزيد من أعمالك
شوقي
ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
لمجموعة الكاتبة الجميلة سهيلة من خلال نقدك المتألق بصدق شعورك الذي غلف مسيرة البداية لسهيلة بحروف مضيئة لحضورها البهي في عالم القصة. وليس مستغرب ايضا هذا الثراء الأدبي للكاتبات
الفاضلات من الجزائر الحبيب. وبالفعل تمنيت ان احظى على هذه المجموعة البكر
ان صح التعبير لسهيلة وأهنئك على هذا النقد الرائع والموضوعي والذي استمتعت بقراءته سطرا سطرا
ومبروك للكاتبة الجميلة هذا الوليد المضيء بافكارها وجمال تعبيرها
مودتي وتقديري وإعجابي
فاطمة
ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
والتفضل بالتعليق
آملا أن أكون دائما عند حسن الظن بي
مع خالص مودتي
شوقي
ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
فمحبتي
لك ولصاحب الموقع المناضل احمد وللشاعر عبد الحميد شوقي
محبة لا لبس فيها
دم صديقي