You are here

الصفحة الرئيسية

ما فائدة الأشعار لو لم تكن من أجل الندى؟... بابلو نيرودا


ما فائدة الأشعار لو لم تكن من أجل الندى ؟
بابلو نيرودا
ترجمة : ماهر البطوطى

 

 

أنشودة إلى لوركا

لو أمكننى أن أبكى من الخوف فى بيت مهجور
لو أمكننى أن أنزع عينى و آكلها
لفعلت حزنا على صوتك البرتقالي المتشح بالسواد
و حزنا على أشعارك التى تهب صارخة.
***
لأجلك صبغت المستشفيات بالزرقة نوافذها
و انتشرت المدارس و الأحياء المطلة على البحار
و نما الريش فى أجساد الملائكة المثخنة بالجراح
و غطت الزعانف الأسماك السماوية.
لأجلك
طارت القنافذ الى السماوات العلى
لأجلك امتلأت محات الخياطين ذات الأنسجة السوداء
بالملاعق و بالدماء
و ابتلعت شرائط حمراء
و صرعت بعضها البعض بالقبلات
و اتشحت بالملابس البيضاء.
***
حين تحلق طائرا متشحا بالملابس الخوخية
حين تضحك ضحكة عيدان الأرز يعصف بها الريح
حين تغنى فتهز العروق و الأسنان
و الحناجر و الأصابع
أموت أنا من فرط حسرتى على عذوبتك
أموت على البحيرات الحمراء
التى تحيا فيها وسط الخريف
مع الفرس المنهار و الاله الذى ينزف دما
أموت على المقابر التى تسرى كالأنهار الرمادية
بمياهها و قبورها
فى الليل كأنها أجراس غرقى
أنهار كثيفة كأنها عنابر جنود مرضى
تتحول فجأة على حدود الموت
الى أنهار ذات أرقام مرمرية
و تيجان متعفنة و زيوت جنائزية.
أموت من أجل أن أراك
ترقب فى الليل مرور الصلبان المطمورة
واقفا تبكى
لأنك تبكى فى وجه نهر الموت
مهجوراً ، مثخنا بالجراح
تبكى باكيا ، و عيناك
مفعمتان بالدموع ، الدموع ، الدموع
***
لو أننى استطعت وحيدا فى الليل
أنى أجمع النسيان و الظلال و الدخان
و أنشرها فوق القطارات و البواخر
من خلال قمع أسود
بينما أمضغ الرماد
لفعلت ذلك من أجل الشجرة التى تنمو معها
من أجل أعشاش المياه الموشاة التى تجمعها
من أجل اللبلاب الذى يغطى عظامك
و يبوح لك بأسرار الليالى.
***
مدائن تفوح منها رائحة الأبصال المبتلة
تنتظر ظهورك منشدا بصوتك الأجش
بينما تتبعك
سفن صموته محملة بالعنبر
و عصافير خضراء تبنى أوكارها فى شعرك
و ثمة قواقع و أيام صوارى و أشجار كرز
تدور و تلف
حتى تصل الى رأسك الشاحب
و فمك ذى الدم الغريق.
***
لو استطعت أن أملأ البلاد بالسواد
و أن أهدم الساعات من البكاء
لفعلت ذلك من أجل أن أشهد أمام منزلك
مجيء الصيف بشفاه المحطومة
مجيء العديد من الأشخاص متشحين بثياب الموت
مجيء الأرض ذات البهاء الحزين
مجيء المحاريث الميتة و شقائق النعمان
مجيء حفارى القبور و الفرسان
مجيء الكواكب و الخرائط تنزف دما
مجيء الغواصين يغطيهم الرماد
مجيء الملثمين يجرون العذارى
و قد غاصت فى أجسادهن النصال الطويلة
مجيء الجذور و العروق و المستشفيات و الينابيع و النملات
مجيء الليل
و معه الفراش الذى يموت عليه جندى مهجور
وسط خيوط العنكبوت
مجيء زهرة الكراهية ، و الوخزات
مجيء السفائن المعصفرة
مجيء نهار عاصف و اطفال
مجيء أنا و معى أوليفر
و نورا و فيثنتى الكساندرى و داليا و ماروكا
و مالفا و مارينا و ماريا لويزا و لاركو
و روبيا و رافاييل و أوجارتى
و كوتابوس و رافاييل البرتى
و كارلوس و بيبى و ماثولو ألتولاجيرى
و مولينارى
و روساليس و كونشامندس
و آخرون غابوا عن ذاكرتى
***
تعال أضع التاج على هامتك
يا فتى الأصحاء و الفراشات
أيها الفتى النقى
كأنك الزنجى البارق الطيق أبدا
تعال نتحادث سويا
الأن حيث لا أحد يقعى بين الصخور
نتحادث ببساطة
كعادتنا أنا و أنت
ما فائدة الأشعار لو لم تكن من أجل الندى ؟
***
ما فائدة الأشعار لو لم تكن من أجل ليلة مثل هذه الليلة ؟
حيث تبعنا خنجر مريم
لذلك اليوم
لذلك الشفق
لذلك الركن المحطوم
حيث يتهيأ للموت فؤاد الإنسان الكسير
***
فى الليل فوق كل شيء
فى الليل ترصع السماء أنجم كثيرة
كلها فى محيط نهر واحد
كأنها شرائط معلقة
على نوافذ البيوت التى تزخر بالمساكين
***
ربما مات لهم قريب
ربما فقدوا وظائفهم فى المكتب
فى المستشفيات ، فى المصاعد ،
و فى المناجم
تقاسى الخلائق و قد أثقلتها الجراح
و ثمة عزم و أنين فى كل ناحية
بينما الأنجم تجرى فى محيط نهر لا نهاية له
ثمة أنين طاغ يصاعد من كل نافذة
و الأبواب قد تهاوت مع الأنات
و الغرفات ابتلت من الأنين
الذى يأتى فى موجات تبتلع الأبسطة
***
فديريكو !
إنك ترى الدنيا الأن
ترى الطرقات و الحمض
و الوداع على أرصفة المحطات
حين يرفع الدخا أطواقه الحاسمة
الى حيث لا شيء
سوى الفراق و الأحجار و القضبان الحديدية
***
مئات من الناس
يتساءلون فى كل ناحية
هناك الضرير الدامى ، و الثائر ،
و الخائر ، و البائس ، و ذو الأظافر الطويلة المورقة ،
و قاطع الطريق يحمل أحقاده فوق كتفيه.
***
هكذا الدنيا يا فديريكو
هاك الأشياء التى بوسع صداقتى أن تقدمها لك
صداقة الرجل الكئيب الرجولى
لقد علمت الكثير من الأشياء بنفسك
و لسوف تعلم أشياء أخرى
تأتى فى بطء.


اسمه الحقيقي نفتالي ريكاردو رييز ولد في الثاني عشر من شهر يوليو عام‏1904‏ في قرية بارال بوسط شيلي كانت والدته روزا نفتالي تعمل بمهنة التدريس أما والده جوزيه ديل كارمن فكان عاملا بسيطا في السكة الحديد وإن كان نيرودا نفسه قد أشار إليه في إحدي قصائده علي أنه سائق القطار‏.‏
اختطف الموت والدته في نهاية شهر أغسطس أي قبل أن يكمل الرضيع شهره الثاني نتيجة إصابتها بالدرن‏ وقبل أن يكمل بابلو عامه الخامس عشر كانت إبداعاته الشعرية قد بدأت في الظهور بدأ ذلك تحديدا عام‏1917‏ عندما كتب قصيدته عيناي والتي وقع عليها باسمه الحقيقي نفتالي رييز ولكنه عام‏1920‏ اختار لنفسه اسما جديدا هو بابلو نيرودا والذي ظهر أول مرة في قصيدته التي لم تطرح في الأسواق‏'‏ جزر غريبة‏'.‏ في مارس عام‏1921‏ بدأ نيرودا يشعر بموهبته الشعرية لذلك قرر السفر إلي سانتياجو حيث استقر هناك في بيت الطلبة لاستكمال دراسته في اللغة الفرنسية التي كان يجيدها مثل أهلها وفي أكتوبر من نفس العام ظهرت قصيدته‏'‏ أغنية العيد‏'‏ والتي فازت بالجائزة الأولي في مسابقة اتحاد الطلاب وفي نفس هذا العام اشترك نيرودا في المظاهرت الثورية التي اندلعت في البلاد آنذاك وذلك قبل أن ينتج ديوانه الثاني‏'‏ الغسق‏'‏ والذي اضطر من أجله لبيع بعض أثاث منزله وساعة اليد التي كان قد أهداها له والده‏.‏ ونأتي لرائعة نيرودا‏'‏ عشرون قصيدة حب وأغنية لليأس‏'‏ والتي تعد بحق أول ديوان حقيقي له حيث ترجم إلي الإنجليزية مما جعله أكثر كتبه انتشارا في هذا الديوان نجد الحزن وانكسار القلب هما المسيطران علي روح القصيدة
في عام‏1924‏ يهجر نيرودا دراسة اللغة الفرنسية ويتخصص في الأدب ويكتب ثلاثة أعمال تجريبية وذلك قبل أن يبدأ رحلة تعيينه سفيرا في العديد من البلدان تنتهي بكونه سفيرا في الأرجنتين عام‏1933‏
ويستمر التطور الشعري عند نيرودا وذلك من خلال تساؤلاته والتي دفعته اليها الرغبة في التوغل في جذور القارة اللاتينية لذلك نجده في ديوانه‏'‏ أشعار القبطان‏'‏ و‏'‏الكرم والريح‏'‏ تخلي عن أن ينتهج أسلوبا بلاغيا وغراميا لا تشكل فيه الأسئلة عنصرا مهما وإن كان هناك تساؤل يطرح نفسه في ديوانه‏'‏ استراباجاريو‏'‏ وهو كم يعيش الانسان في النهاية؟ وبدءا من هذا الديوان نجد محدودية الوجود والموت هما المسيطران علي نيرودا حتي آخر قصائده فمثلا من قصيدة‏'‏ صورة‏'‏ من ديوان‏'‏ أغان طقوسية‏'‏ الذي ظهر عام‏1961‏

ثم ظهر ديوان‏'‏ مذكرات ايسلا نيجرا‏'‏ فى عام‏1964 ثم يأتي عام‏1968‏ ويمرض الكاتب بمرض يقعده عن الحركة فيكتب لنا ديوان أيدي الأيام ثم يتحفنا برائعته السيف المشتعل عام‏1970‏ ثم أحجار السماء في نفس العام وفي‏21‏ أكتوبر عام‏1971‏ يفوز نيرودا بجائزة نوبل في الأدب وعندما يعود إلي شيلي يستقبله الجميع باحتفال هائل في استاد سانتياجو ويكون علي رأس الاحتفال سلفادور الليندي الذي لقي مصرعه بعد ذلك علي يد الانقلاب الذي قاده بينوشيه وبعدها بأيام توفي نيرودا متأثرا بمرضه في‏23‏ سبتمبر‏1973

صورة dodo_nomercy

التعليقات

 
صمتك يطارد ساعاتي المعذبة
وأنت ذراعان من حجر شفاف
تعشش فيهما أشواقي الخضراء
وترسو قبلاتي
آه‏!‏ صوتك الغامض يخضبه الحب
ويحنو في المساء رنانا فانيا
في قلب الزمان علي الحقول
رأيت السنابل تنحني في فم الريح

" بابلو نيرودا - عشرون قصيدة حب و أغنية لليأس "

شكرا دعاء
أحمد يحيى
صورة أحمد يحيى

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات