You are here

الصفحة الرئيسية

مرثية الثلج - موسيقى الاعماق الانسانية ، الفطرة ، والجمال




مرثية الثلج
موسيقى الاعماق الانسانية ، الفطرة ، والجمال
محمد علوان جبر


مرثية الثلج
سيناريو – شاهد سلطاني
اخراج - جميل روستمي


اتاح لنا اسبوع المدى ان نرى الكثير من الافلام ومنها الفيلم الايراني الرائع – مرثية الثلج – للمخرج جميل روستمي ، هذا الفيلم رشح لنيل جوائز عديدة ومنها ترشحه لجائزة الاوسكار ، وكذلك ارشحه انا وغيري ممن اتيح له رؤية الفيلم لاكثر من جائزة ، منذ الوهلة الاولى يضعنا المخرج بمباشرة قاسية مع المكان عبر الصور الخالية من الزوائد ، صور كما هي عليه في الواقع وكما يجب ان نتخيلها عبر الاحساس الاول والمهم المتدفق من كاميرا مسلطة على كل حيوات قرية مستخدما فتاة بسيطة ، طالبة في مدرسة مزروعة وسط قرية ، المبنى المفترض للمدرسة لايختلف عن اى بيت في القرية ، فهي بيوت من طين مرسومة في رحم جبل يكاد ان يلغيها لولا بعض عوالم الحياة التي تعلن عن وجودها عبر صور متكاملة للمكان البدائي ولكن بنوافذ خشبية تكاد الوانها ومراياها ان تخرج عن مألوف المكان القاسي وربما اوحى لنا بها ليؤكد العلاقة السرية بين القرية والمدينة ، فالقرية محاطة بالجليد ولايفصلها عن كل الموجودات غير الفسحة الهائلة من العواطف التي تحملها فتاة لاتختلف عن سواها الا بجمال فطري ، وعالم ريفي محاط بسديمية اسئلة الوجود المفروض وتحكم ظروف اقتصادية تحيل بطلتنا للعيش بصراع بين ماتحب وبين مايحب الاب المتسلط ، فهي مرتبطة بعلاقة حب وشيء يشبه الخطوبة الرسمية بشخص ما ، بقي غائبا اكثر من نصف الفيلم او اقل ، وتصطدم علاقتها بمن تحب بمعوقات كبيرة متمثلة بسلطان الاب والام والقرية كلها ، فهي مثابرة في السلبية المفترضة وانما موغلة في رفض التابو المتمثل بسلطة القرية بدءا من الرجل الذي يشتهيها وهو اب لاطفال كثر ، وحرصها على التعليم . ولكن لانه يريد ان يمتلك الانثى البكر ولان الحبيب المفترض غائبا دون ان نعلم لماذا حتى منتصف الفيلم حيث نفهم انه كان مسافرا الى مدينة السليمانية لكي يجمع مهر الفتاة ، لكن الاب وبناءا على غنى – فائق – يقرر ان يزوجها له فتكتب رسالة الى حبيبها ، تخبره بانها عرضة للانتهاك وترجوه ان يحضر ليحل المسألة ، وتبعثها مع الرسول الدائم لها وهو معتوه القرية الذي نفاجا بانه يكن لها حبا هائلا ، فيستغل هذه الفرصة الذهبية ، لم يسلم الرسالة ويحيك مؤامرة من نوع خاص لينقذ حبيبته من الزواج المفروض عليها ، وعبر سيناريو رسمه بان يدعي لها ان حبيبها ارسل لها رسالة شفهية بيده نفهم منها انه يريدها ان توافيه في القرية المجاورة وانه ينتظرها فيتطوع بان يوصلها الى حبيبها ، ورغم العاصفة يقرر المعتوه الذي يحب الفتاة ان يستدرجها بهذه الطريقة فتهرع معه الفتاة للخروج من القرية مخترقين عاصفة ثلجية وجبلا من جليد وفي حمى خوف المعتوه على الفتاة من البرد يلقي عليها معطفه ، فتمد الفتاة يدها في جيوب المعطف لتدفىء اصابعها لكنها تفاجىء برسالتها الى حبيبها في جيب معطف المعتوه كما هي لم تسلم فتحس بالفخ الذي ينصبه المعتوه لها ، فتهرب منه وفي عملية مطاردة جميلة تصل الى اطراف القرية وتحاول ان تفتح احد الابواب وتجد نفسها وسط بيت فارغ فتشعل المدفأة وتنام قربها وفي مشهد اخر متداخل مع مشهد دخول الفتاة البيت نجد انفسنا امام حلقة صوفية ترقي احد الشيوخ ليعتزل في بيته اربعين يوما يعيش الزهد والانقطاع للعبادة ويسلموه زوادته للمدة المفترضة ويعود اخر الليل متعبا ويفاجأ بالمدفأة المشتعلة والفتاة النائمة قربها ، فتاة جميلة مع رجل في مقتبل العمر قرر ان ينقطع تماما عن العالم الدنيوي ليعيش في عزلة تامة ، وحينما يوقظها سائلا اياها عمن اتى بها الى هذا المكان تخبره بكل القصة ويقرر ان يتحملها في هذه الليلة بسبب الثلج والبرد والعاصفة ، ولانه زاهد ومتصوف يخلي لها المكان قرب المدفأة لينام في الخارج ، اعتقد ان عقدة الفيلم هو هذا المشهد الذي يجمع المتصوف بالحورية ، الكثير من التوظيف هنا يعود الى قصص التراث الانساني ، لكن مااستطاع ان يقدمه الفيلم هو مجموعة من الرسائل الكبيرة والمهمة اولها عقدة الفتاة في اقتحامها عالم هذا الرجل وعقدة الرجل الزاهد في وجود امرأة تنام في فراشه في ليل عاصف ، فتسوس له نفسه في اعماق الليل ان يقترب من الفتاة وينقذه اذان الفجر من اكمال ماراد ان يفعله فينتبه والفتاة نائمة وهو يكاد ان يمس وجهها بيده ، وفي هذا الكثيرمن توظيف تراث الف ليلة وليلة وغيرها من القصص الانسانية الخالدة ، حينما يوقظه صوت المؤذن يخرج ليعاقب ذاته بالنار فيحرق اصابعه التي حاولت ان تمتد لتلامس وجه الفتاة وفي عملية المطاردة واكمال تداخل الاحداث يعود الفتى الى القرية ليفاجأ بالاتهام بانه من اختطف الفتاة ، حينها تتجه الانظار نحو معتوه القرية لمعرفتهم بانه كان يعشقها دون الاهتمام بهذا الحب لانه صادر عن معتوه ، فيقرر الاب والعاشق مطاردتهما وسط العاصفة في مشاهد لاتخلو من حبكة وطرافة حتى يعثرا على الفتاة والشيخ الصوفي يحاول اعادتها الى البيت على الجسر وتدور الدوائر حول الفتاة والشيخ في مشاهد قاسية منها التحليف بالمصحف والذي تمتنع عنه الفتاة خوفا على المعتوه من ان يقتله ابوها وعشيقها ، في ايمائة كبيرة على ادراكها بحب المعتوه لها دونما تصريح من احد ، فتنقذ حياة المعتوه لتذل نفسها وسط القرية وقرارها الشجاع في الانصهار مع الالم وقبولها الزواج من فائق الذي تكره ، واخيرا قبولها الموت في الانهيار الثلجي الذي تقف امامه صامدة منتظرة الموت الذي يحاصرها بندف الثلج المتساقطة من اعلى الجبل الذي يفصل القرية التي تسكنها وقرية الشيخ الذي احتمل كل الالام في اكبر ليالي العمر قسوة ، الفيلم كان يشبه موسيقى برية محاطة بالجمال الانساني المتمثل بالحب ومايتبعه من ثقل ، كانت كل المشاهد مبنية على المشهد القريب ربما الكلوز والابتعاد القليل ثم اختيار المشاهد الجماعية ، التي يؤديها كادر عادي لايفزع من الكاميرا رغم انها تحاول التهامه ، وكانت ثمة مشاهد رمزية كثيرة اوجزها الفيلم في رسائل ربما يراها البعض انها لاعلاقة لها بالفيلم منها الاسطوانات الكبيرة التي تجرها النساء والرجال على سطوح المنازل في مشاهد كبيرة تتهادى في كبرها وصغرها حتى تصل الى الكلوز المسلط على الاسطوانة التي تسير على السطح الطيني تسويه ، الكثير من الدلالات نجح الفيلم في ايصالها دونما رتوش كما هي عليه في واقعيتها الصارخة ، وكان اداء الممثلين مدخلا كبيرا في ايصال الرسائل التي اراد المخرج بعث الروح فيها ، كانت العملية الاخراجية اشبه بالنحت في اقسى صخور العالم ، عبر السيناريو المحبك والمكتمل حيث لم نجد هنة ما فيه انه من الافلام التي تستحق الترشيح حقا الى مصاف اكبر جوائز العالم في السينما ، ومرة اخرى شكرا للمدى انها اتاحت لنا رؤية هذا الفيلم الرائع الذي اتوقع ان يحصد الكثير من الجوائز العالمية .
صورة محمد علوان جبر
القسم: 

التعليقات

 
الجميل محمد جبر علوان
وكعادتك تاتينا بقراءة
 تمنحنا لغة اخرى لقراءة العرض السينمائي
دمت بهذا الرقي



عدنان الفضلي
عدنان الفضلي
صورة عدنان الفضلي
 
محمد علوان جبر
كم ممتع أن تطوف في عوالم السينما
فتحصد المتعة والفائدة
شكرا لك
كل التقدير
فاطمة محسن
صورة فاطمة محسن

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 1 عضو يتصفح الموقع

أحدث التعليقات