You are here
مرثية الميٍت الحي !!!

مرثية الميٍت الحي !!!
محمد عبد الحميد توفيق
ميت أنا عايش في دور الحي
قنديلي مطفي فر منه الضي
خدني معاك
مشتاق لأحبابي
قالي اصبر شوية لسة دورك جي
الموت .. ذلك اللغز المبهم الذي لم يعد إلينا أي من الراحلين عنا ليخبرنا كيف وجده وماذا رأى في العالم الآخر .. الموت الذي كان في السابق يزلزل كياني أراه الآن يصيبني بالضجر والدهشة والتبلد .. نعم التبلد لا سيما الأحباب الذين صعدت أرواحهم لبارئهم أمام عيني .. أخي كان يكلمني عن أولاده ومستقبلهم وعني وعن أخينا الثالث وفجأة قال سأتمشى حاولت منعه خوفا عليه فأبى إلا أن يتمشى في ردهة المستشفى .. نزل من سريره هممتُ أن أسنده فأبى أيضا .. وماهي إلا خطوة فخطوتان فثلاث .. فسقط بين يدي مفارقا الدنيا وما فيها .. الغريب في الأمر أنني لم أبكِ أو بالأحرى لمم أجد دموعاً لأنزفها وأستريح فكان ان تبلدتُ تماما وأمسكتُ بالهاتف .. أدرت الأرقام أجريت سلسلة اتصالات لأخبر الاهل والمعنيين بالأمر أن أخي قد مات .. وأنا الآن أجهز في إجراءات الغسل والدفن والخروج من المستشفى .. مجاورتي للجثمان من القاهرة للصعيد تحولت إلى استرجاع لكل ما جمعنا من أحداث وذكريات وأحاديث ومصافاة ومخاصمات ... و.... كان علي التبلد أكثر لتلقي العزاء بعد أن اهيل التراب على جسد شقيقي .. وداعا يا أحمد .. مرة أخرى احتضنني أخي الآخر فبكى ومرات أخر خذلتني دموعي .. فلم أنزف ولا دمعة واحدة ...
................. ........................ ............................. ............
أكثر ما أفكر فيه حاليا : متى سأرحل وكيف .. وإلى أين المصير .. ومن سيموت أولا أنا أم أشخاص أعشقهم وآخرون لا استغني عنهم .. أنا أولا أم زوجتي .. أنا أولا أم أبنائي .. أنا أولا أم أشرف البولاقي وسعيد سليمان وفتحي عبد السميع .. أنا أولا أم أمي .. أنا أم أخي الوحيد ؟؟؟؟.. .. إنه اللغز المبهم والحقيقة التي تقترب من الأسطورة .. والنهاية المحتومة التي لا نعرف موعدا لها ..
أختي كانت تردد دائما : ماذا أفعل حينما تموتُ مي وكيف سأعيش بعدها؟ وأمي كانت ترد عليها بالقول : سأوصي أشقاءك الثلاثة بك خيرا .. فماتت أختي وتبعها أخي وبقيت أمي ..
كل هذه الأفكار دارت في ذهني حينما أنبأني صديقي الشاعر أشرف البولاقي بوفاة الأديب المبدع فتحي سعد .. قال لي أشرف : هل ثمة علاقة كانت بينكما : قلت : لا بل رأيته مرة أو مرتين بيد أنني متابع لكل إبداعاته .. فرد البولاقي : أحسن .. فتساءلت .. ماذا تقصد .. فقال : احسن أنك لا تعرفه بعمق فلو عرفته لحزنت بشدة على مبدع نبيل وإنسان ملائكي الأخلاق ،،، انتهى الحديث بيني وبين أشرف البولاقي ودخلت في دوامة من الشرود ... وقلت بيني وبين نفسي .. أشرف لا يعرف أن روحي مهشمة من فعائل الموت .. لكنها في طريقها لأن تصبح موتا !!!
................. ......................... ................. ..................
لا أدري كيف يتحقق ما يشاع بين العوام من اهل قريتي من أن مقبرة العائلة إذا فتحت لدفن ميت فإنها لا تكتفي به بل تحتاج إلى ميت آخر في غضون 40 يوما ّ!!! .. فكلما ودعنا ميتا تبعه آخر خلال هذه المدة .. الأمر الذي يزيد حيرتي ويتضامن مع العوامل الأخرى التي تعزز تبلدي في مواجهة الفجيعة .............. ................ .................... ................... ................
كم أشفق على نفسي وعلى بقية البشر الذين يفقدون أحبابا لهم .. كان الرب في عوننا .. ترى مالذي يشد أزرنا في مواجهة فواجع نتجرع مراراتها ، وكأننا ندفع ضريبة وجودنا الذي لا دخل لنا فيه . يا إلهي .. أيدفع المخلوق ضريبة ما ليس له إرادة فيه .؟!. لكني أوقن أن الرب لن يعيد تعذيب الخلق في حياتهم الأخرى . .. فيكفي عذاباتهم في الأولى من مرض وأحزان وشقاوات وجحيم يومي .. أليس كذلك أيها الرب .؟!. إنك ستعوض أبناءك في الحياة الأخرى لا شك في ذلك .
............. .................... ........................ .........................
المبدعون الحقيقون فراديس تمشي على قدمين
وستحل أرواحهم بعد رحيلهم في أرواح العصافير
وبعد فناء الجسد الذي سجنهم وعذبهم
ستنفتح لهم ابواب الملكوت الرباني
وستمرح قلوبهم الخضراء في أودية المحبة
محمد عبد الحميد توفيق - شاعر مصري في الكويت
m_tawfek2000@yahoo.com
02/22/2009 - 16:58
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
رحلة التساؤلات التي تفجرها أحداث الموت المتلاحقة والتي لا تكف دوما أوصلتني إلى نتيجة رأيت فيه بعض الراحة
وهي أن الأصل في الشئ هو الموت وأن الحياة هي االإستثناء
ولكن ما لم أصل معه لحل أبدا هو الترتيب وأخذ الأدوار
تمنيت أن أكون في مقدمة الصف ولكن الدور دوما يتخطاني ويتخير من يريد هو
ودوما يكون أفضل المتواجدين
أعود مرة أخرى وأقول سأكون التالية وأنتظر وأعد العدة ودوما تكون من نصيب غيري
فلم أعد أفرق بين من رحل ومن بقي فالجميع مازالوا حولي بذكرياتهم
وفي النهاية هدمت آخر جدار بالغرفة وحل مكانه زجاج شفاف أعتقل به كل أشعة الشمس من شروقها لغروبها في محاولة يائسة لأثبت أني على قيد الحياة..
مودتي واحترامي
انتصار
لكنك لم تلتفت الي اننا موتي بالفعل - نحن الذين نتكاتب الان ونتقاريء - وليس الذين رحلوا بالفعل ...وذلك لاننا عاجزون وغير قادرين علي ان نفعل شيئا على الاطلاق رغم ما نمتلكه من قدرات يحسدنا عليها الاخرون : القلم والدواة والعقل والفكر والثقافة ..و..الخ
تلك الادوات والوسائل التى نستخدمها وبدلا من ان تكون سلاحا حقيقي ضد فكرة الموت تتحول تدريجيا - خاصة عند المخلصين - الي ادوات ووسائل تدفع الي الموت دفعا ...!
والا فلماذا يموت المخلصون مبكرا ؟ ولماذا يرحل المبدعون قبل اوانهم ؟ ورحم الله القائل :
ليس من مات فاستراح بميْتٍ انما الميت ميتُ الأحياءِ
عموما لك محبتي وتقديري
محمد عبد الحميد توفيق
يرحل المخلصون مبكرا لأنهم مخلصون .. والمبدعون الحقيقيون هم الأقرب إلى القبور لأنهم مبدعون .. بمعنى أن قلوبهم لا تحتمل البقاء طويلا وأرواحهم تتشوق للرفرفة في العالم الآخر .. ليس ذلك فحسب بل الطيبون الأكثر استهدافا من حوامة المصائب والشقاوات .. وصدق المتنبي يرحمه الله حين قال :
أفاضل الناس أغراض لدى الزمن .. .. يخلو من الهم أخلاهم من الفطن !!
لك التحية
هذا تعليق أخي كمال سليمان موجه بالتربية والتعليم يهديه إليك .. هو غير عضو بالورشة ولكنه أملى عليَّ تعليقه وقد قرأنا معا مقالتك الرائعة التى تترجم فيها خواطرك حول الموت
أيها الصديق محمد
أحسنت يا صديقي الدخول إلى الموضوع .. ما قرأته اليوم من شعر جاء في مقدمة المقال يفوق الشعر والكلمات
أما المقال فهو صورة رائعة وتجسيد حي للحظات عصيبة تمر بالإنسان يتحجر فيها الدمع فكان أسلوب سهل وبسيط وجميل ومعبر عما يجيش صدر كل من مر بموقف الموت .. ويحاول أن يفهمه بعقله ، هو حقيقة فوق العقل، وإن كانت تثير خواطرنا وتملأ نفوسنا بالشجن
د
حين نترك القلم يكتبنا ونحن فى حالة بعينها دون أن نوجهه إلى جنس أدبي بعينه قد يكون مولوده أبهى وأعظم من تأطيره فى قصة أو شعر أو نثر..
تنفست صدق الحروف ..عشتها حقيقية قوية ربما لأنى من القريبين من الموت بحكم عملى كطبيبة وبحكم خبراتى الحيوية..يرهبنا الموت ربما حين التفكر فيه بعيداً عن الحدث لكن وقت الحدث نرانا آخرين وكأننا متفرجون..هناك حالة غريبة من البرود الظاهرى تخترق البعض وأنا منهم لحظة الموت ومايتبعه من عمليات إنهاء خدمة بالحياة..ربما تتكاثف المشاعر فيما بعد وتخرج فى شكل كلمات أو حروف أو مرض مجهول الهوية لكن اللحظة نفسها تكون موتاً أو فلنقل تجمداً مؤقتاً...
اعذرنى أستاذ عبد الحميد فلقد أثارت كلماتكم شجوناً أغلقت عليها خزانتى منذ زمن بعيد
تحياتي
كثيراً ما سألت نفسي : كيف لا يفزع الأطباء من منظر اختراق الجسد ؟ كيف يتحملون فتح الجراح ونزف الدماء ؟ .. كيف لا ترتعش أيديهم وهي تمسك بالمشارط وتتوغل في الخلايا والأنسجة ؟؟ أسئلة كثيرة راودتني ونقلتها لأصدقائي من الأطباء والجراحين بيد أن احدا منهم لم يأت إلي بإجابة تزيل حيرتي .. أما الموت فأكد أغلبهم لي أن وقعه عليهم يختلف عن وقع الآخرين .. الشاهد من كل ذلك أنني أخطط لفكرة ملف مع الأطباء الأدباء حول تعاطيهم مع المرض / الموت / الجسد / الدماء / وكيف وظفوا ذلك في كتاباتهم ؟ .. والأمر مطروح للنقاش مع الأدباء أعضاء الورشة
محمد عبد الحميد توفيق
كذب .. لايمكن لا أحد أن يشاطرنا الأحزان
أنهم يشاطرونا .. الولائم .. فقط
...
من شاطرني حزني علي أربعة من الأخوة مات كل منهم في غريب في بلد
وعاد أصغرهم ( بناء علي رغبة أخيرة لأمي ( ليدفن هنا
ثم ماتت بعده ؟؟؟ بعد شربت كل هذه النيران ؟؟؟
كانت هي ( ربما ) من شاطرني حزني عليهم
ولكن الآن
لا أحد
!!!
....
عشت منذ رحيلها ( بعدهم ) أقر .. بأن الموت هو أكبر فاجعة .. وأعظم إبتلاء
حتي وجدته ( ذات غدر ) بريئاً جداً وربما ساذجاً .. أمام خيانة الرفقاء والأصدقاء
....
هكذا .. فقد الموت بشاعتة
وبدي لي ملاكاً رحيماً .. ينقذ البعض من براثن الخديعة .. وشراك الشركاء
مع الوقت .. صرت أراه .. المنقذ ؟؟؟
ماأروع أن نحصل علي لقب .. الميت
آما / الميت الحي .. فهو لقب أشد فتكاً وتعذيباً ودماراً لأرواحنا
من لي .. بموت حقيقي .. يرفع عني .. هذا اللقب الكريهه ؟؟؟
...
العزيز / محمد عبد الحميد توفيق
إن كنت تنعم ( بفضل الله ) بوجود أمك وأخيك
وصاحبتك وبنيك .. وبعدد من الأصدقاء الشرفاء
فأسجد لله طويلاً جداً
وأغدق علي أمك الحنان بكل مافيك من عطف وبر
وأحتضن كل هؤلاء في صدرك .. وأضحك وأفرح .. وأكثر من حمد الله
ولا تفكر في البكاء أبداً .. بل فكر .. كيف تجعل كل هؤلاء لايبكون في حياتك أبداً
بسبب غيابك عنهم .. أو قطيعتك لهم .. أو نسيانك
بذا .. لن تكون أبداً / الميت الحي
بل / الرائع الحي
ودعني / أشاطرك الحياة
بحبهم
زينات القليوبي
تحية وتقديرا على تعليقك الشفيف وحسك المبدع وروحك الطيبة ، تحية وتبجيلا على تضامنك الإنساني ، وأتفق معك تماما في أنه لا أحد يشاطر المصاب أحزانه بشكل كامل ، فالنار لا تحرق إلا الممسك بها .. وعلى كل يبقى الفقد من الأمور المزلزلة للكيان ، بيد أنه يثير استفهامات وقلقا وحيرة وليس أمامنا سوى التسليم به ، وعزاؤنا أن الله أراد للحياة أن يكون مآلها الفناء لتبدأ الحياة الأخرى الدائمة .
أستاذتنا الفاضلة : أنت بالفعل تشاطريني الحياة كمبدعة جميلة وإنسانة أجمل تستشعر آلام الآخرين وتكتوي بهموم الناس ، وتفتح قلبها لأنوار المحبة .. وأرى أن المبدع الحقيقي لابد أن يكون هكذا ، فلا خير في أديب تناقض سلوكه مع كتاباته ورؤيته في الكون والحياة.
معك حق في قولك: إن الموت قد يكون خلاصا من جمر الحياة ومشكلاتها وزيفها ونفاقها وصراعاتها .. كما أن الكثيرين ممن أعرفهم وتعرفينهم أنت أيضا يستجدون الموت فلا يأتيهم .. عموما أكرر شكري لك ومحبتي ولنتواصل على الإبداع والخير
محمد عبد الحميد توفيق
الصديق الجميل المترع إنسانية / كمال سليمان
تحية على مروركما النبيل ، وشكرا لمتابعتكما لما أكتب في الورشة وغيرها ، تحية على مصادقتكما لروحي التي تحتاجكما سندا لارتعاشاتها في أزمنة التحرق والموات والتشظي .. أنتما معي وغيركما من أحباب يسكنون القلب .. إذن أنا قوي في وجه عوامل الضعف ، وبهي في مواجهة قبح الواقع ، ومزهر جدا في أزمنة الجدب.
محمد عبد الحميد توفيق
انظر .. إلي تعليقي .. وتعليقك
يالله !!!
لقد .. فقد الموت .. بالفعل بشاعته !!!
أتراه قد رق .. قلبه !!!
هاهو .. يفتح بين .. قلبيناً .. معبراً لتواصل .. حميمي
...
محمد
شكراً كبيراً لله .. وللموت .. ولك
يامن
تشاطرني
الحياه !!!
أحبك
في
الله
زينات القليوبي
كل التحية