You are here

الصفحة الرئيسية

مزارييغو .. إيكتور تيزون




مزارييغو
للكاتب الأرجنتيني إيكتور تيزون
ت: عبد الحميد الغرباوي

dodo_nomercy


مستيقظة قبل الفجر، تظل العجوز لامبرا جالسة إلى عتبة بيتها، في اتجاه مدخل القرية، متأملة السماء كما لو أنها لتكتشف لحظة ميلاد النور. لهذا السبب( لأنها تقيم عند مدخل الزقاق، و لأنها تستيقظ باكرا) كانت أول من شاهد وصول مزارييغو ذات يوم يشبه كل الأيام، لم يصدر عنها سوى همهمة، بمنديلها الأسود العجيب على رأسها، وبعينيها الغائرتين الكدرتين،حين مر من أمامها مرسلا إليها تحيةمرحة.
كان مزارييغو ـ الابن الأصغر لواحد من الأوائل الذين سكنوا القرية ـ قد قرر أن ينشىء في البيت القديم للعائلة متجرا للدراجات. أعاد إصلاح البناية، و حول غرفتين(واحدة منهما كانت مخصصة لاستقبال
الضيوف) إلى غرفة واحدة، و فتح نافذتين كبيرتين لتكونا واجهتين للمتجر، و هيأ قاعة للعرض والبيع.
كان مزارييغو قد خمن أنه مع قليل من الحظ يمكنه أن يبيع دراجتين في الشهر، وأنه في سنة، المدة المتبقية له في الحياة حسب أقوال الأطباء، ذلك لأنه يعاني من مرض غريب، سيكون قد باع دزينتين من الدراجات وحقق، بالنسبة لتلك الفترة، ربحا ممتازا.
حين أتم تجديد البيت وترميم جدرانه الكبيرة المشرفة على الدرب الوحيد للقرية، علق مزارييغو، دون الاستعانة بأحد، لافتة يمكن القراءة عليها:" دراجات مزارييغو" بحروف طباعة كبيرة، بيضاء على أرضية زرقاء. و طبع في المدينة ملصقات بألوان زاهية عليها صور لشخصيات تركب الدراجة، كل واحدة منها ترتدي لباسا يميزها، وتشير إلى اهتمامات متنوعة:
سيدة تمنح وجهها للهواء بسخاء، سيد، والغليون في فمه، يقشر برتقالة وهو يضغط على الدواستين، آخر يرفع قبعته محييا بحركة تنم عن كياسة و أدب، و أخيرا آخر يحمل حقيبة ضخمة على حامل البضائع.
غطت الملصقات كل القرية: على الجدران، جذوع الأشجار، بوابة الكنيسة. ويوم جمعة، أعلن التاجر، أن في اليوم التالي سيتم تدشين المتجر صباحا ذلك لأن اليوم سيكون يوم سبـت.
في أولى ساعات النهار، قدم زبونان إلى مزارييغو. تأملا الدراجات الجديدة المعروضة مندهشين، دون أن يجرؤ أحدهما على الدخول. ومن داخل المتجر، استقبلهما مزارييغو مشجعا إياهما بكلمات ترحيب تفسح لهما الطريق . وفي النهاية، وبعد تبادل عبارات التهذيب و الكياسة، دخل أحدهما ولم تمض سوى مدة قصيرة، حتى خرج يصحب معه دراجة.
وجد الرجل صعوبة في ركوبها، وبمساعدة مزارييغو نفسه الذي أمسك به ودفعه، انطلق فجأة وغاب ضاغطا على الدواستين في منحنى الطريق المغبر. ولم يعد بعد ذلك يظهر له أثر.
وأقبل زبونان آخران وهو لم ينته بعد من عد نقوده، عرفهما للتو. الأول رجل الأمن الذي أعطاه رخصة إلصاق الملصقات، والآخر قاضي منطقة رييغو. كل واحد منهما انطلق على متن دراجته وغاب، كما لو أن الغبار ابتلعه.
وهذا دفع بمزارييغو، بعد أربعة أيام، إلى إنهاء الحملة الإشهارية. أسبوعان بعد ذلك، تجاوزت المبيعات ما كان مقدرا لها بكثير. كل يوم، من الصباح إلى المساء، كان سكان القرية، رجالا و نساء، يتزاحمون أمام واجهة المعروضات، كذلك الأطفال الذين كان صراخ إعجابهم بالدراجات يحدث صخب العفاريت جميعها.
بعد شهرين، كان سكان القرية كلهم قد توقفوا بالأقل عشرات المرات لتأمل الواجهة البراقة. كل القرية، يستثنى من ذلك، صاحب المقهى و زوجته، السمينان شاحبا اللون وقليلا الكلام اللذان كانا بمراءاة يعارضان منشأة مزارييغو، مرة بدافع التحفظ ، ومرة بسبب الانخفاض الجسيم، و خلال بضعة أيام، في مبيعاتهم من طعام و كحول. وخلاف ما كان متوقعا، لم يؤثر حلول الخريف في الإقبال الشديد على شراء الدراجات. اقتنت المعلمة واحدة تغطي هيكلها طبقة من الكروم، و اختار المهندس له دراجة سباق. أيضا رئيس المحطة والعجوز لامبرا، اقتنى كل واحد منهما دراجة. والبعض ممن يتمتعون بسعة في الرزق، اقتنوا دراجتين بدعوى إذا ما تعطلت واحدة في وسط الطريق، تكون الأخرى جاهزة لمواصلة الضغط على الدواستين. وآخرون باعوا كل ما لديهم من متاع جيد ـ غالبا لوازم الصلاة ـ من أجل امتلاك دراجة. وكما كان منتظرا، شرعت أوراق الأشجار تصفر، ومعها جلبت الهجرة نتائج غير متوقعة:
الحقول صارت عقيمة الإنتاج، والسقوف انهارت بسبب الإهمال و عدم إصلاحها من طرف أصحابها الذين أصبحوا يملكون دراجات. رئيس مصلحة الحالة المدنية انتقل وزوجته إلى كاليفورشون على متن دراجتهما، فتم التوقف عن تقييد المواليد الجدد والوفيات، بما في ذلك الزواج الذي ولتعقيد المسألة، لم يتوقف عن التكاثر بفضل بيع الدراجات. وهكذا، نزلت على القرية كل أنواع الكوارث:
اختلاس و سطو من طرف عصابة تسرق دون رادع يردعها بسب انعدام الأمن، اجتياح الثعابين التي وحسب الروايات، تتجمع حول محيط البيوت المهجورة، الأموات، خمسة في ظرف ستة
أشهر لم يحصلوا على قداس جنائزي، والدواجن، حائرة ، مضطربة، فرت هاربة. و أما ناقوس الكنيسة فتوقف عن الرنين. بعد الخريف جاء الشتاء ليكدر صفو السماء و يحول ندى الفجر اللانهائي إلى صقيع فضي دقيق تسمع له فرقعات. وبينما الشهر العاشر يشرف على نهايته، أحس مزارييغو بقرب موته. الجميع رحلوا. والقرية الخالية والمعتمة في حالة وهن صحبة البيوت المهدمة، المغطاة بنباتات متسلقة صفراء و صلبة.
و ذات يوم تقيأ بائع الدراجات، فعرف أن نهايته اقتربت.
كانت السماء رصاصية اللون و البرد شديدا حين، و حوالي التاسعة صباحا، حاول مزارييغو الزحف إلى الجانب الآخر من المتجر لإنزال ستارات واجهتيه و إغلاق الباب. فجأة، لمح الوجهين الشاحبين و النظرات الجشعة لصاحب المقهى و زوجته. تأملهما مرعوبا و هو ممدد على الأرض، حاول الصراخ بأي شيء، يداه العاجزتان متشنجتين على البلاط ، وبصعوبة تمكنت عيناه من رؤية على نور الضوء اللبني كيف أن الاثنين كانا متلهفين جشعين و على استعداد لاقتراف كل شيء، دخلا ، و أخذا آخر دراجة في المتجر، و لاذا هاربين، ضاغطا الزوج على الدواستين بكل ما أوتي من قوة (الزوجة تتعلق بكتفي زوجها) إلى أن غابا في المنعطف ، في تلك الطريق التي صارت مجرد ممر ضيق يجتاحه الدغل.


إكتور تيزون ولد فى 21 اكتوبر ، 1929 في مقاطعة يالا جوجوي. وكان محام ، وصحافي ، وديبلوماسي. سافر على نطاق واسع فى جميع انحاء العالم ، بصفته دبلوماسيا في الفترة من 1958 الى 1962 ، وكمنفى من 1976 الى 1982. عاش في المكسيك ، وباريس ، ترجم الى الفرنسية والانكليزيه والروسيه والبولنديه والالمانيه.
صورة dodo_nomercy

التعليقات

 
الرائعة  المتألقة دوما في اختياراتها
بالفعل لأول مرة أسمع عن هذا القاص
لكنني وصلت الى اقصى درجات الاستمتاع
بهذا النص مفتوح المصراعين
على كل معاني النهاية
في هذه الدنيا
تحياتي
محمد الناصح-2
صورة محمد الناصح-2
 
أخي الحبيب الأستاذ المترجم عبد الحميد الغرباوي..
شكرا على ترجمتك الطيبة هذه، وبارك الله فيك على هذا النشاط الجميل الذيينقل إلينا أدب الآخر..
دمت بخير ألق.
مودتي وتقديري لك.
مراد حركات
صورة مراد حركات
 
نص آخر مترجم باحترافية وبه متعة خاصة... دليل  لقدرتك أيها المبدع على جعل النص يحمل شيئا منك ليصل إلينا رقراقا عذبا ...     
دمت مبدعا مع اعتزازي بك أخي الغرباوي   

زين العابدين ال...
صورة زين العابدين اليساري1

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 1 عضو يتصفح الموقع

أحدث التعليقات