You are here
مقامة العاشق ابراهيم
مقامة العاشق إبراهيم
محمد علوان جبر
الى ..
الروح النبيلة
التي ستبقى محلقة فوق
المدينة ........
محمد علوان جبر
مادام هناك فقر
وجوع ...................
( دعنا نرحل ...
ان الشمس الكونية لاتمنح اشعتها لمكان واحد فقط
وليس للرجل جذور مثل الشجرة)
- عطيل -
ان الشمس الكونية لاتمنح اشعتها لمكان واحد فقط
وليس للرجل جذور مثل الشجرة)
- عطيل -
لااعتقد اطلاقا ان ثمة كلمة ما قيلت فيه اجمل واعمق من كلمة – طبيب الانسانية – كان هذا في اليافطة السوداء التي علقت على باب عيادته القديمة قدم المدينة* ، الكلمات كتبت بلون اصفر وابيض ، ويبدو ان الخطاط ركز على كلمتي – طبيب الانسانية – فكتبهما بلون ابيض وباقي الكلمات بلون اصفر عدا الاسم – العاشقي ابراهيم - فقدم كلمة – العشق – على الاسم وكأنه يترجم حلم الرجل الذي مات برصاصة امام داره وهو يعود ليلا بعد ان عاين اخر مريض . بعد العاشرة ليلا وقبل ان يخرج استوقفه رجل ، استشاره في امكانية ان يفحصه ، وهل بالامكان ان يتناول الدواء الذي منعه منه ، عاد العاشق ابراهيم الى عيادته ازاء امتعاض بدا واضحا على وجه شقيقه وفحص الرجل بهدوء وقرر له دواءا جديدا ناصحا اياه ان يسرع قبل ان تقفل الصيدليات ابوابها . حينما ركب سيارته كانت الشوارع تمتص شحوبها من الوهج الخافت حيث كانت بلاروح ليس لشحوبها فحسب بل لامتزاجها مع الضوء الخجول للقمر ، شحوب اضواء النيونات مع اضطراب ضوء القمر اتما الشكل الاول للمقامة القديمة ... اذ بعد ان انتصف الوقت بين العاشرة والحادية عشرة اسرع الرجل وسط شحوب الضوء الكامل على الاسفلت .. اسرع في محاولة لطمس اضطرابه .. اسرع كثيرا وسط شوارع خلت تماما الا من هالة المقامة المحاطة بالشحوب في مقتربات حي البلديات حيث بيته ، ولم يشرخ العتمة الا الضوء الحاد لسيارة مسرعة خلفه يخترق الشحوب الذي احاط الاشياء حوله ،كان هذا قبل ان يصل بيته بعشرة امتار ، قال لشقيقه ربما ان في السيارة مريضا بحاجة الى مساعدته ، ولكن سرعة السيارة ووقوفها المفاجىء قربهم اثار الكثير من الغبار في عقله .... ولم يترك له الغبار ايما فرصة لرؤية الاشياء ، فقبل ان ينقشع ، رأى بوضوح فوهات كثيرة مصوبة نحوه .. ولم يفهم ماالعلاقة بين الغبار والشحوب والفوهات السود ، كان الامر يبدو اشبه بانزياح غرائبي لايمكن احتماله دونما ارتعاشات مجنونة ، ومن وسط الدخان كان ثمة مسدس مصوب نحو الرأس .. وصراخ بلا معنى امتص كل الشحوب الساقط من نيونات بدأت تتداعى ....
- لم يعد لشيء ما ايما معنى .... رددها مع نفسه بصمت....
ولكن حينما سمع الجميع توالي الطلقات مصحوبة باسفنج المحرك الهادر الذي لم يكن يهدر بل كان يعوى ، بتواصل متزامنا مع الصوت بل تزامن مع كل طلقة سمعت يومها ولم تحمل مديات الشحوب الذي حاصره في منتصف ليلة العاشر من اخر ليلة تقع في سقف اواخر العام السابع الذي ينتمي الى الفيتنا الثالثة في تلك الساعة من ذلك اليوم ... كل شيء ترافق مع عواء غريب كان يسمع من الجميع ، وكان هو اول السامعين....
- انها طلقات تتفجر قرب وجهي ... تحاصرني بلا خجل... قالها وسمعناها وقلنا .....
هذا جزء متأخر من بقايا الليلة الاخيرة للعاشق ابراهيم الذي غادرنا بصمت نحن ابناء اكبر مدينة حيث كنا نرسم في تلك الليلة اعشاشا للعصافير وسط جهنم الوقت المضرج بالدم ، ولم نفعل شيئا حالما سمعنا بالخبر المفجع ، بقينا لانملك ايما قدرة على اختراق الدخان الذي بدأ يتصاعد من ارض المدينة ، يتصاعد ممتزجا بالشحوب الذي اثار الكثير من الاسئلة .. شحوب الضوء الساقط من السماء وهو يغطي اجسادنا ببطء ولااعلم لماذا كنا نمتثل لارادة الغرق المجاني في تراب مسود يشبه الوحل ، وازاء كل حركة كان الخبر يحيطنا كالمعاطف ، حينها قررنا ان لانلقي تلك المعاطف .. وكذلك قررنا ان نجعل من تاريخ موت العاشق ابراهيم ميلادا لنهارات لاعلاقة لها بنا لكنها كانت تطل علينا بوقاحة وهي تتحدث عن تاريخ رجل وهب كل شيء لنا وسط اغان كنا نسمعها من بعيد مدركين انها تتحدث عن عرافات ينشدن سفر الايام التي تتساقط كالريش ..اذ تحط بهدوء .. وكان هدوئها محورا لها ، اناشيد بمعنى والكثير منها بلا معنى وكانت تضعنا سيدي الى حد ما بمنزلة الشحوب الذي استحال الى مقامة تشبه ايقونات من عاشوا الخوف وادركوا سطوته او سقوطه المريع حول المدينة، لم تكن ابراهيما وحدك بل كنا جيمعا معك نتحرق شوقا لكي لانضيع كما ضاعت تلك الاناشيد في اثير المتاهات ، كون ضائع وسط متاهات ومزاريب حياتنا التي عشناها بصمت غريب والتي مرت سريعة علينا اسرع من توحدك وسطنا توحدك الذي تميزت فيه..او ربما كان له علاقة بعشقك الكبير لنا وللارض التي ولجت كل انفاقها بحثا عن كلمة الحب .
ــــــــــــــــــــــــــ
* المدينة هي – مدينة الثورة – كان هذا اول اسماءها مرورا بكل مسمياتها التي اخرها - مدينة الصدر – ..( انها تمثل جزءا من المدينة) اقصد المبنى البسيط لعيادة ابراهيم القديمة وحدتان واحدتان بل ان المبنى تداخل مع تاريخ المدينة فالعيادة القديمة والمدينة تعويان بنشيج واحد ، ولكن للامر مداخل اخرى ، اولها الرائحة واللون المتشكلان خلف جدران متأكلة ، واذا اراد احد ان يحصي الاماكن المهمة في المدينة فلا اعتقد انه يستطيع ان يعبر عتبة العيادة الارضية بصالتها الصغيرة حيث يقف بقامته الممشوقة وابتسامته الجميلة في مدينة الاثر المدينة المحفورة وسط اخدود كبير تشكل اطرافه سدة شرقية لمنع انفلات الماء او عبوره نحو العاصمة في ازمان كوارث الفيضانات ، ويبدو ان اى وصف لها يكاد ان يكون موغلا في الماء تماما او موغلا بالتخشب ، صحيح ان الكلمات رطبة وقد تصيب سامعها بالاحساس بالاانتماء مع الماء او التراب المتصاعد وكذلك لاعلاقة له بالضجة التي تحدثها الاقدام الحافية وهي تضرب الارض .. او تلك الباصات القديمة وهي تمخر الارض الترابية المفروشة بالقليل من النفط الاسود الثقيل الذي لايستطيع ثقله ان يمنع الغبار المتصاعد وسط ايغالات ذاكرة مكتظة بصور المقاهي والجوامع وكل ماله علاقة بالحضارة بدءا من الشارع المبلط الذي ينتهي عند القطاع – 25- حيث المكان الذي سمي فيما بعد – برأس التبليط – أي ان مابعده لاعلاقة له بالتبليط اواي شيء له علاقة بالتحضر ، وقبلها اوعز الزعيم عبد الكريم ببناء دور جاهزة للموظفين وكانت تلك الدور التي لايتعدى عددها الالف دار تحدد انعطافة هائلة في اقتراب المدينة من الحضارة اذ كانت جاهزة حقا بدءا من تبليط شوارعها الفرعية ومدرستيها المهمتين ( جهينــــة) للبنات و ( الرافديـــن) للذكور ... حينها شيد جدارا وهمي ولكنه مهم يتعلق بالمكان وتدرجاته ، بين باقي المدينة باطرافها المثيرة للجدل ومساحاتها الشاسعة التي استوعبت الملايين في اول نشوئها وبين المكان المحدد بقطاع – 4 - او دور الموظفين ، وكانت تقابل منطقة الدور عيادات طبية خاصة سجلت باسماء اطباء كبروا مع كبر وقدم المدينة واشهرهم – سليم المانع – وفيما بعد الدكتور مظفر الذي سمي التقاطع المهم او المدخل الرئيس للمدينة -الساحة المجاورة لعيادته- باسمه ( ساحه مظفر)... ولم يستطع احد ان يحدد التاريخ الموجز الذي يؤطر ولادة عيادات مهمة تفوق اهميتها عيادة سليم المانع او الدكتور مظفر، او توازيها ، اماكن تشبه نقاطا او علامات مكسوة بكل التجليات اذ ربما اوعز القدر بان توجد لتبقى حتى بموت مؤسسيها ، الامر انطبق على مظفر ، رغم موته فالساحة الاولى في المدينة لم تزل تحمل اسمه بقيت صامدة رغم كل محاولات اسقاطها التي فشلت ازاء جبروت الاسماء التي حفرت هويتها عميقا في الارض .
اخر الاسماء المهمة ، عيادة بلا شكل كما تشير اليه اثار تفحص الجميع لها بانها عيادة قديمة قدم الايعاز الذي امر الزعيم مستشاريه ببناء دور للموظفين وحتى سحنته السمراء سمارا سومريا يتدفق حلاوة وطيبة تحمل نكهة الماضي بكل مافيه من جلال وجمال ... وشكله العام يوحي دائما بهذه الصور وهذه المشاعر التي لانتكلفها نحن ابناء الدور او ابناء قطاع – 4 – وقد انسحب هذا الاحساس على قطاع – 1 – الذي يقابلنا وقطاع -2 – المجاور وقطاع -5 – وفيما بعد انسحبت المشاعر الحارة والساخنة سخونة الحب الى باقي قطاعات المدينة وقد خرجت لتشمل احياء الشعب وبغداد الجديدة . قلنا بعد ساحة مظفر اشتهر العاشق ابراهيم ، كان هذا حينما استأجر نصف دار من دور الموظفين ووضع لافتة لطبيب خاص اسمه يثير الكثير من الحنين الى العشق ، تذكر الرجل انه كان يحلم بهذه اللافتة التي يوضع فيها اسمه ولقبه الذي اخترعه مذ كان في المراحل الاولى لدراسته وقرر ان لايتخلى عنه ، فكلمة العاشقي لاتشبه ايما لقب اخر له علاقة بالثقل او الجمود ، فالعشق اجمل مفردات الحب.. والحب اول البدء في علاقة ابونا – ادم – بأمنا – حواء – ولهذا كان يكرر اسمه على مسامع اصدقائه الطلبة من كلا الجنسين ويدرك وقع الكلمة حينما كان يسير مخترقا التراب والمطر نحو عيادته ومن يومها اشترك العاشق ابراهيم بعلاقة ود كبير ربما اكبر من العشق مع المدينة التي بادلته الحب بافراط لم يحدث مع غيره وكان يعرف هذا جيدا وحرص على امتصاص صدمة المريض بابتسامة ذات مغزى ، لم يفتعلها بل كانت هي كما هي على حقيقتها ولكنها كانت تملك سحرا هائلا عزاها البعض انها جزء من متاهة المدينة والبعض الاغلب فسرها بانها تعاويذ لها علاقة بالازل ، ازل مدينة مكتظة بكل ماله علاقة بالحياة ، مدينة منذورة للبؤس مذ وجدت على تلك المساحة الشاسعة التي اطمأن الزعيم انها كانت كافية لكل النازحين الى العاصمة بلا ادنى قدرة على الفهم منذورون بدورهم كما المدينة للبؤس اليومي ،ولان من يعمل بالكدح هو مواطن حساس يمتلك الكثير من الحنين الى موطن الطفولة او النشأة الاولى له ولم افهم تلك الرسائل التي كان يبعثها الينا ونحن لم نزل صغارا – انا رهينة بائسة بيد المعنى .. بيد الادراك .. انا لاافهم ايما لغة غير لغة الدخان المتصاعد حولي في احلك لحظات حياتي ... بل في اخرها تماما ) ولم استطع ان احدد مساحة الاسى في عينيه ، اذ كانت .. لغة ساخطة ، لم استطع ان اترجم منها سوى – ان الجميع يمتلك القدرة على الغوص عميقا في الارض ولكنه انفرد عن الجميع في قدرته على التحليق عاليا في السماء - .... كان هذا جزءا صغيرا من مقطع سمعته صدفة عن رجل يدعي – العاشق ابراهيم - ..........
- لم يعد لشيء ما ايما معنى .... رددها مع نفسه بصمت....
ولكن حينما سمع الجميع توالي الطلقات مصحوبة باسفنج المحرك الهادر الذي لم يكن يهدر بل كان يعوى ، بتواصل متزامنا مع الصوت بل تزامن مع كل طلقة سمعت يومها ولم تحمل مديات الشحوب الذي حاصره في منتصف ليلة العاشر من اخر ليلة تقع في سقف اواخر العام السابع الذي ينتمي الى الفيتنا الثالثة في تلك الساعة من ذلك اليوم ... كل شيء ترافق مع عواء غريب كان يسمع من الجميع ، وكان هو اول السامعين....
- انها طلقات تتفجر قرب وجهي ... تحاصرني بلا خجل... قالها وسمعناها وقلنا .....
هذا جزء متأخر من بقايا الليلة الاخيرة للعاشق ابراهيم الذي غادرنا بصمت نحن ابناء اكبر مدينة حيث كنا نرسم في تلك الليلة اعشاشا للعصافير وسط جهنم الوقت المضرج بالدم ، ولم نفعل شيئا حالما سمعنا بالخبر المفجع ، بقينا لانملك ايما قدرة على اختراق الدخان الذي بدأ يتصاعد من ارض المدينة ، يتصاعد ممتزجا بالشحوب الذي اثار الكثير من الاسئلة .. شحوب الضوء الساقط من السماء وهو يغطي اجسادنا ببطء ولااعلم لماذا كنا نمتثل لارادة الغرق المجاني في تراب مسود يشبه الوحل ، وازاء كل حركة كان الخبر يحيطنا كالمعاطف ، حينها قررنا ان لانلقي تلك المعاطف .. وكذلك قررنا ان نجعل من تاريخ موت العاشق ابراهيم ميلادا لنهارات لاعلاقة لها بنا لكنها كانت تطل علينا بوقاحة وهي تتحدث عن تاريخ رجل وهب كل شيء لنا وسط اغان كنا نسمعها من بعيد مدركين انها تتحدث عن عرافات ينشدن سفر الايام التي تتساقط كالريش ..اذ تحط بهدوء .. وكان هدوئها محورا لها ، اناشيد بمعنى والكثير منها بلا معنى وكانت تضعنا سيدي الى حد ما بمنزلة الشحوب الذي استحال الى مقامة تشبه ايقونات من عاشوا الخوف وادركوا سطوته او سقوطه المريع حول المدينة، لم تكن ابراهيما وحدك بل كنا جيمعا معك نتحرق شوقا لكي لانضيع كما ضاعت تلك الاناشيد في اثير المتاهات ، كون ضائع وسط متاهات ومزاريب حياتنا التي عشناها بصمت غريب والتي مرت سريعة علينا اسرع من توحدك وسطنا توحدك الذي تميزت فيه..او ربما كان له علاقة بعشقك الكبير لنا وللارض التي ولجت كل انفاقها بحثا عن كلمة الحب .
ــــــــــــــــــــــــــ
* المدينة هي – مدينة الثورة – كان هذا اول اسماءها مرورا بكل مسمياتها التي اخرها - مدينة الصدر – ..( انها تمثل جزءا من المدينة) اقصد المبنى البسيط لعيادة ابراهيم القديمة وحدتان واحدتان بل ان المبنى تداخل مع تاريخ المدينة فالعيادة القديمة والمدينة تعويان بنشيج واحد ، ولكن للامر مداخل اخرى ، اولها الرائحة واللون المتشكلان خلف جدران متأكلة ، واذا اراد احد ان يحصي الاماكن المهمة في المدينة فلا اعتقد انه يستطيع ان يعبر عتبة العيادة الارضية بصالتها الصغيرة حيث يقف بقامته الممشوقة وابتسامته الجميلة في مدينة الاثر المدينة المحفورة وسط اخدود كبير تشكل اطرافه سدة شرقية لمنع انفلات الماء او عبوره نحو العاصمة في ازمان كوارث الفيضانات ، ويبدو ان اى وصف لها يكاد ان يكون موغلا في الماء تماما او موغلا بالتخشب ، صحيح ان الكلمات رطبة وقد تصيب سامعها بالاحساس بالاانتماء مع الماء او التراب المتصاعد وكذلك لاعلاقة له بالضجة التي تحدثها الاقدام الحافية وهي تضرب الارض .. او تلك الباصات القديمة وهي تمخر الارض الترابية المفروشة بالقليل من النفط الاسود الثقيل الذي لايستطيع ثقله ان يمنع الغبار المتصاعد وسط ايغالات ذاكرة مكتظة بصور المقاهي والجوامع وكل ماله علاقة بالحضارة بدءا من الشارع المبلط الذي ينتهي عند القطاع – 25- حيث المكان الذي سمي فيما بعد – برأس التبليط – أي ان مابعده لاعلاقة له بالتبليط اواي شيء له علاقة بالتحضر ، وقبلها اوعز الزعيم عبد الكريم ببناء دور جاهزة للموظفين وكانت تلك الدور التي لايتعدى عددها الالف دار تحدد انعطافة هائلة في اقتراب المدينة من الحضارة اذ كانت جاهزة حقا بدءا من تبليط شوارعها الفرعية ومدرستيها المهمتين ( جهينــــة) للبنات و ( الرافديـــن) للذكور ... حينها شيد جدارا وهمي ولكنه مهم يتعلق بالمكان وتدرجاته ، بين باقي المدينة باطرافها المثيرة للجدل ومساحاتها الشاسعة التي استوعبت الملايين في اول نشوئها وبين المكان المحدد بقطاع – 4 - او دور الموظفين ، وكانت تقابل منطقة الدور عيادات طبية خاصة سجلت باسماء اطباء كبروا مع كبر وقدم المدينة واشهرهم – سليم المانع – وفيما بعد الدكتور مظفر الذي سمي التقاطع المهم او المدخل الرئيس للمدينة -الساحة المجاورة لعيادته- باسمه ( ساحه مظفر)... ولم يستطع احد ان يحدد التاريخ الموجز الذي يؤطر ولادة عيادات مهمة تفوق اهميتها عيادة سليم المانع او الدكتور مظفر، او توازيها ، اماكن تشبه نقاطا او علامات مكسوة بكل التجليات اذ ربما اوعز القدر بان توجد لتبقى حتى بموت مؤسسيها ، الامر انطبق على مظفر ، رغم موته فالساحة الاولى في المدينة لم تزل تحمل اسمه بقيت صامدة رغم كل محاولات اسقاطها التي فشلت ازاء جبروت الاسماء التي حفرت هويتها عميقا في الارض .
اخر الاسماء المهمة ، عيادة بلا شكل كما تشير اليه اثار تفحص الجميع لها بانها عيادة قديمة قدم الايعاز الذي امر الزعيم مستشاريه ببناء دور للموظفين وحتى سحنته السمراء سمارا سومريا يتدفق حلاوة وطيبة تحمل نكهة الماضي بكل مافيه من جلال وجمال ... وشكله العام يوحي دائما بهذه الصور وهذه المشاعر التي لانتكلفها نحن ابناء الدور او ابناء قطاع – 4 – وقد انسحب هذا الاحساس على قطاع – 1 – الذي يقابلنا وقطاع -2 – المجاور وقطاع -5 – وفيما بعد انسحبت المشاعر الحارة والساخنة سخونة الحب الى باقي قطاعات المدينة وقد خرجت لتشمل احياء الشعب وبغداد الجديدة . قلنا بعد ساحة مظفر اشتهر العاشق ابراهيم ، كان هذا حينما استأجر نصف دار من دور الموظفين ووضع لافتة لطبيب خاص اسمه يثير الكثير من الحنين الى العشق ، تذكر الرجل انه كان يحلم بهذه اللافتة التي يوضع فيها اسمه ولقبه الذي اخترعه مذ كان في المراحل الاولى لدراسته وقرر ان لايتخلى عنه ، فكلمة العاشقي لاتشبه ايما لقب اخر له علاقة بالثقل او الجمود ، فالعشق اجمل مفردات الحب.. والحب اول البدء في علاقة ابونا – ادم – بأمنا – حواء – ولهذا كان يكرر اسمه على مسامع اصدقائه الطلبة من كلا الجنسين ويدرك وقع الكلمة حينما كان يسير مخترقا التراب والمطر نحو عيادته ومن يومها اشترك العاشق ابراهيم بعلاقة ود كبير ربما اكبر من العشق مع المدينة التي بادلته الحب بافراط لم يحدث مع غيره وكان يعرف هذا جيدا وحرص على امتصاص صدمة المريض بابتسامة ذات مغزى ، لم يفتعلها بل كانت هي كما هي على حقيقتها ولكنها كانت تملك سحرا هائلا عزاها البعض انها جزء من متاهة المدينة والبعض الاغلب فسرها بانها تعاويذ لها علاقة بالازل ، ازل مدينة مكتظة بكل ماله علاقة بالحياة ، مدينة منذورة للبؤس مذ وجدت على تلك المساحة الشاسعة التي اطمأن الزعيم انها كانت كافية لكل النازحين الى العاصمة بلا ادنى قدرة على الفهم منذورون بدورهم كما المدينة للبؤس اليومي ،ولان من يعمل بالكدح هو مواطن حساس يمتلك الكثير من الحنين الى موطن الطفولة او النشأة الاولى له ولم افهم تلك الرسائل التي كان يبعثها الينا ونحن لم نزل صغارا – انا رهينة بائسة بيد المعنى .. بيد الادراك .. انا لاافهم ايما لغة غير لغة الدخان المتصاعد حولي في احلك لحظات حياتي ... بل في اخرها تماما ) ولم استطع ان احدد مساحة الاسى في عينيه ، اذ كانت .. لغة ساخطة ، لم استطع ان اترجم منها سوى – ان الجميع يمتلك القدرة على الغوص عميقا في الارض ولكنه انفرد عن الجميع في قدرته على التحليق عاليا في السماء - .... كان هذا جزءا صغيرا من مقطع سمعته صدفة عن رجل يدعي – العاشق ابراهيم - ..........
03/10/2008 - 20:49
القسم:


التعليقات
يتناول النص ـ القصة أمرين : الحاضر باعتباره زمنا ً ، والأمس باعتباره مكانا ..
الحاضر " الزمن " سيصبح ذكرى ..وأما الأمس ـ المكان ـ فسيستمر لأنه ذاكرة .
ظاهرة القتل العشوائي في الزمن الراهن ، ستزول بزوال الاحتلال وافرازاته بما فيها الفتنة الطائفية ـ هذه الظاهرة التي راح ابراهيم العاشق ضحية لها ( وقبله كثيرون ... وكثيرون سيتساقطون من بعده) .. ابراهيم العاشق سيُنسى ـ شأنه شأن كثيرين من الضحايا الأبرياء الذين سقطوا قبله سواء بالرصاص الطائفي والظلامي أو بالرصاص متعدد الجنسبات لما يسمى بقوات التحالف ( الإسم المموّه لقوات الاحتلال الغاشم ) ... ابراهيم سيغدو ذكرى عالقة في اذهان ذويه وأصدقائه وأسرته .. والزمن كفيل بمحو هذه الذكرى ولسببين ، الأول أن منجل الزمن سيحصد يوما ً المتذكرين ، والثاني أن الذهن سينشغل بأكثر من ذكرى جديدة يُخلي فيها ابراهيم مكانه لسواه . أما الأمس ـ المكان ـ فسيستمر لأنه ذاكرة محفورة على جذع التاريخ ..الأمس هنا ليس زمنا ، إنما مكان .... وبالتحديد ، هو مدينة " الثورة " التي بناها الزعيم الوطني العراقي الخالد ، الشهيد عبد الكريم قاسم ـ أحد أشرف وأطهر وأنقى القادة في العصر الحديث ـ ليس لأنه القائد العربي الوحيد الذي استشهد وهو مُدانٌ لحوانيت الجيش بمبلغ دينار ونصف سعر قميصه العسكري الذي اشتراه قبل استشهاده ليصبح عنده قميصان !!!!! وليس لأنه الرئيس العربي الوحيد الذي كان يسكن في بيت للإيجار... بيت استأجره مذ كان نقيبا في الجيش واستمر مقيما فيه وهو رئيس الدولة !!!!! وليس لأنه الرئيس العربي الوحيد الذي رفض ترفيع ابن أخته من رتبته كنائب عريف الى رتبة عريف في الجيش ـ لأن فترة خدمته العسكرية لا تؤهله أن يحصل على " خيط ـ أو شريط واحد " ... إنما لأنه الوحيد من بين كل الرؤساء والقادة العرب وزّع الاراضي السكنية على الفقراء والمعوزين والأرامل وليس على الحاشية والحواري من مريديه وأتباعه ـ ورفض منح شقيقته الأرملة قطعة أرض ، بدعوى أن لها شقيقا متكفـّلا ً بدفع إيجار بيتها من راتبه الشخصي كرئيس للدولة ( راتبه الشخصي وليس من خزينة الحكومة أو من نثريات وزارة الدفاع التي كان يقودها )
مدينة الثورة هذه كانت منذ استشهاد عبد الكريم قاسم ، محط غضب الرؤساء الذين تعاقبوا على ركوب حمار السلطة وقيادة عربة الحزب الحاكم لأنها ذاكرة وليست ذكرى ، ولأن بنيها من شغيلة وعمال وفلاحين وطلبة وأمهات قرويات طيبات ، أبوا إلآ أن يبقوا صعاليك شرفاء يعلنون بصوت جهوري عن رفضهم للديكتاتورية والتعسف ـ ولم يختلف الأمر في رفضهم الإحتلال ...فلا عجب لو كانت مدينة الثورة هذه ، المدينة الأكثر تعرضا للبطش والتنكيل من بين كل المدن العراقية ، والمدينة التي لا يخشى المحتل مدينة عراقية أخرى كخشيته منها ـ لأنها مدينة ذاكرة وليست ذكرى .
يا أخي الأديب محمد جبر علوان : هل أنت من سكنة " الجوادر " في مدينة الثورة ؟ إذا كان الأمر كذلك ، فإنني أنيبك عن قلبي ، فتبلغ تحاياي الى جميع سكنة الشارع المقابل للعيادة الشعبية في " الجوادر " .... ففي أحد هذه البيوت ، حضرت أول اجتماع سريّ لقبيلة عروة بن الورد ، لأفاجأ بزوج شقيقتي مشرفا ً على الاجتماع .... زوج شقيقتي الذي أذابه النظام الديكتاتوري في حامض الكبريتيك المركز ،لا لجريمة اقترفها ، سوى اصراره على مواصلة الطريق التي اختطها عروة بن الورد .
همسة محبة : هناك ثلاث هنات في النحو ، وددت عدم وجودها .. سأشير الى واحدة ، وأترك لك مهمة البحث عن الأخريين ... هذه الواحدة هي " علاقة أبونا آدم " والصواب " أبينا آدم " .
لك مني المحبة والود والأماني .