You are here

الصفحة الرئيسية

ملعب الكرة لـ جورسكي




ملعب الكرة لـ جورسكي
يوسف ليمود


إلى جانب عوامل أخرى , تحدد لحظة الضغط على زناد كاميرا التصوير طبيعة الصورة إن كانت إخبارية صحفية أم مجرد بصرية جمالية أم أنها مفتوحة على إمكانيات رؤيا وتعبير أكثر اتساعا ورحابة

بعد الإدراك الوهلي المطمئن لمكان الصورة سرعان ما ييأس المتفرج من الإمساك بأي خيط سردي له علاقة باللعبة , فالمسافة قد حولت اللاعبين إلى كائنات جياكوميتية دقيقة ترحل بالمخيلة إلى أجواء ميادين اغتراب وفراغ كما لو أنها بقايا كناسة بشرية لفجيعة حدثت أو تحدث. والملعب تحول من ساحة مشاهدة مرحة وصاخبة الى ساحة تأمل وجودي تحكمها عشوائية قدرية وشعور حاضر بخطر متأهب للانقضاض وحكايات مصائر لا رابط بين غموضها وبوادر ضحية سقطت

لا تنتمي هذه الصورة الى النوع المركب من الفوتوغرافيا بمعنى إدخال تعديلات من حذف أو إضافة بواسطة التكنيكات الحديثة وبهذا تأخذنا مرة أخرى إلى لحظة التسديد المباشرة التي تستوعب وتٌفعّل معاني الحدس والبديهة والسرعة والتخطيط والمصادفة والحظ الأبيض أو الأسود

يبدو التخطيط من خلال الزاوية التي أُخذ منها المنظر ويبدو الحدس من الحس العام بشلل اللاعبين وترتيبهم المرتبك وتبدو المصادفة من عدم وجود الكرة بالملعب (أهي مصادفة أم غموض؟) , فعدم وجود الكرة يشبه مفتاح الصندوق الضائع .. السر الذي نبحث عنه لنفك طلسم هذا المستطيل الكوني المبتذل ... وأن يعثر الفنان على مادته في أكثر الأجواء ابتذالا هو الإنجاز الحقيقي للفن اليوم

أندرياس جورسكي صاحب هذه اللقطة المأخوذة في 2000 , وهي بالمناسبة أغلى صورة يقتنيها متحف حتى الآن , هو فنان الماني مولود في 1955 في المانيا الشرقية انتقلت عائلته الي الغربية وعمل سائق تاكسي وهو في المدرسة وفشل في الحصول على وظيفة مصور صحفي قبل أن يدرس التصوير الفوتوجرافي بأكاديمية الفن في دوسلدورف وتنفتح أمامه أبواب الفن والشهرة . غالبا ما تتناول صوره الكبيرة الحجم  دائما هول المجتمع الاستهلاكي  ونتاجه المرعب من بضائع وتكتلات بشرية و طوابق مباني تنذر بالكارثة.

...............
يوسف ليمود
youssef_limoud@hotmail.com


صورة يوسف ليمود
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات