You are here
من الرمال إلى الرمال

من الرمال إلى الرمال
فاطمة الخليل
راح يلتمس ذاك الرجاء وهو يستذكر تلك الأكف التي صفقت له طويلاً عندما أراد أن يسهب قليلاً عرفاناً لكل من جاء هذه القاعة حيث طالعه ذلك الظمأ في العيون أهي قصائده التي هزت مواجعهم أم هو شيء لم يتبينه بعد .
انصرفوا عنه نحو صالة الضيافة ليلملم كل فرد فيهم تلك الخيبات الصغيرة في زحمة المساء هناك حيث استرسل الشجن ممعناً بالكثير مما لازلنا ننشده بل ونراهن عليه ..
فاجئه صديقه قائلاً : لقد كانت أمسية رائعة .
ابتسم وهو يجيب : لكنني كنت بجاحة لما هو أصدق خاصة وأن هذه الكلمات أرجعتني إلى تلك الطفولة المقهورة في جنبات الأزقة الضيقة والأحياء التي أغفى الزمان دونها : أذهب وأنثر خيباتك هناك ودعهم يلهون قليلاً بكلمات تلوكها متناسياً أننا بحاجة لما هو أعمق .. لعل والدي ألقاها عليّ كي أنظر لأبعد من هذا اللحظات .
همس له الصديق بتعاطف كبير : يبدو لي أحياناً أن الآباء في غاية القسوة رغم ما يرتع في نصائحهم من حقيقة ناضحة بما في هذه القلوب المكلومة من أسى فأمي مثلاً لا تجد فيما أفعله سوى تعبير عن جنون عريق لدى أسرتي هذه الأسرة التي داومت على تأجيله على أمل أن يصحو أمام الواقع هي التي راحت تكرر عليّ : حسبك يا ولدي فعلى أجنحة لوحاتك أدركت أن الزمن لم يعد يماري أحداً إذ أرى ذلك القهر يرتع اليوم حتى في أحلامنا التي كنا ننشدها يوما.
رغم أن هذه الأم تقرأني أكثر من أي إنسان آخر لكنها تصر ألا تحضر أياً من معارضي وهناك على الطرف المقابل أشعر أحياناً بحنين قاتل لأن تواصل أطيافي العدو كخيول الأجداد الرشيقة على بوابات الصمت لتفاجئنا بالسؤال : أحقاً هذا ما نريد تحقيقه لا أكثر.
عادت عيناه تواصلان الرحيل مع هواجس صديقه لكنه فضل أن يهمس له : عزيزي على الأقل فأمك تقرئك لكن جميع أفراد أسرتي على ثقة أن عربة الجنون لا تعبر ألا مرة واحدة .
...
على الباب قابلته الأم لهفة : ولدي أين كنت لقد كنا نتابع أمسيتك الشعرية وقد تألقت قصائدك خاصة تلك القصيدة التي هزت القاعة .
انحنى مقبلاً راحتها : أمي أتقصدين مرثية للوطن الضائع .
أجابت بكل اعتزاز : أجل بني لقد شعرنا بأننا نحن من فرط بذاك الوطن في لحظة خوف وضعف قاسيتين .
هناك قابله وجه الأب المتجهم : سامحك الله يا ولدي فقد دفعتنا جميعاً نحو هاوية الاتهام بل جعلتنا مرتعاً لجرائم عدة باسم صمتنا كما أدعيت ..
همس وهو يجلس إلى جواره مقاطعاً : أبتي لا تكمل لأن ما نحياها مثال ساطع على كل ما قلت.
...
عاد متهللاً يحمل لوحة لم تكتمل معالمها فاجأته الأم متسائلة عما يحمله مضيفة : تكاد الجدران تضيق بكوابيسك هذه .
ابتسم قائلاً : ربما ولكنني أحمل أيضاً بوحاً من نوع آخر قصيدة جميلة لصديقي .
- هات إذن .
ولم تلبث أن اختطفت تلك الأوراق لوهلة شعر بأن أمه لا تقرأ القصيدة بل تشدو بها إذ كان في صوتها نشوة من شوق شاهده يغمر مقلتاها كمن يستعيد عمراً آخر قد مضى ولحظة انتهت رددت بكل حزن : أقلت أنه صديقك ؟
- نعم يا أمي .
حدقت به قليلاً قبل أن تخاطبه : إذن فهو يشبهك في الكثير فيما عدا تلك النظرة الكابوسية أليس كذلك بني ؟
- ربما لكنني أحسبني غداً سأفاجئك .
...
في الصباح كان على باب صديقه وإذ دخل فوجئ به قرب لوحته يضع لمساته الأخيرة عليها وفي فضائها شاهد مارداً ينتفض ليرفع عن نفسه غلواء اليأس والألم فهلل قائلاً : كان لا بد أن يولد كنت متأكداً من هذا .
أبتسم وهو يجيب بخيلاء كبير : لكن مرثيتك يا صاح هي التي أوقدت فيه الحياة وأوقدت في أعماقنا ذلك الأمل الذي راح يبعثر أعراسه في أرواحنا من الرمال إلى الرمال .
انصرفوا عنه نحو صالة الضيافة ليلملم كل فرد فيهم تلك الخيبات الصغيرة في زحمة المساء هناك حيث استرسل الشجن ممعناً بالكثير مما لازلنا ننشده بل ونراهن عليه ..
فاجئه صديقه قائلاً : لقد كانت أمسية رائعة .
ابتسم وهو يجيب : لكنني كنت بجاحة لما هو أصدق خاصة وأن هذه الكلمات أرجعتني إلى تلك الطفولة المقهورة في جنبات الأزقة الضيقة والأحياء التي أغفى الزمان دونها : أذهب وأنثر خيباتك هناك ودعهم يلهون قليلاً بكلمات تلوكها متناسياً أننا بحاجة لما هو أعمق .. لعل والدي ألقاها عليّ كي أنظر لأبعد من هذا اللحظات .
همس له الصديق بتعاطف كبير : يبدو لي أحياناً أن الآباء في غاية القسوة رغم ما يرتع في نصائحهم من حقيقة ناضحة بما في هذه القلوب المكلومة من أسى فأمي مثلاً لا تجد فيما أفعله سوى تعبير عن جنون عريق لدى أسرتي هذه الأسرة التي داومت على تأجيله على أمل أن يصحو أمام الواقع هي التي راحت تكرر عليّ : حسبك يا ولدي فعلى أجنحة لوحاتك أدركت أن الزمن لم يعد يماري أحداً إذ أرى ذلك القهر يرتع اليوم حتى في أحلامنا التي كنا ننشدها يوما.
رغم أن هذه الأم تقرأني أكثر من أي إنسان آخر لكنها تصر ألا تحضر أياً من معارضي وهناك على الطرف المقابل أشعر أحياناً بحنين قاتل لأن تواصل أطيافي العدو كخيول الأجداد الرشيقة على بوابات الصمت لتفاجئنا بالسؤال : أحقاً هذا ما نريد تحقيقه لا أكثر.
عادت عيناه تواصلان الرحيل مع هواجس صديقه لكنه فضل أن يهمس له : عزيزي على الأقل فأمك تقرئك لكن جميع أفراد أسرتي على ثقة أن عربة الجنون لا تعبر ألا مرة واحدة .
...
على الباب قابلته الأم لهفة : ولدي أين كنت لقد كنا نتابع أمسيتك الشعرية وقد تألقت قصائدك خاصة تلك القصيدة التي هزت القاعة .
انحنى مقبلاً راحتها : أمي أتقصدين مرثية للوطن الضائع .
أجابت بكل اعتزاز : أجل بني لقد شعرنا بأننا نحن من فرط بذاك الوطن في لحظة خوف وضعف قاسيتين .
هناك قابله وجه الأب المتجهم : سامحك الله يا ولدي فقد دفعتنا جميعاً نحو هاوية الاتهام بل جعلتنا مرتعاً لجرائم عدة باسم صمتنا كما أدعيت ..
همس وهو يجلس إلى جواره مقاطعاً : أبتي لا تكمل لأن ما نحياها مثال ساطع على كل ما قلت.
...
عاد متهللاً يحمل لوحة لم تكتمل معالمها فاجأته الأم متسائلة عما يحمله مضيفة : تكاد الجدران تضيق بكوابيسك هذه .
ابتسم قائلاً : ربما ولكنني أحمل أيضاً بوحاً من نوع آخر قصيدة جميلة لصديقي .
- هات إذن .
ولم تلبث أن اختطفت تلك الأوراق لوهلة شعر بأن أمه لا تقرأ القصيدة بل تشدو بها إذ كان في صوتها نشوة من شوق شاهده يغمر مقلتاها كمن يستعيد عمراً آخر قد مضى ولحظة انتهت رددت بكل حزن : أقلت أنه صديقك ؟
- نعم يا أمي .
حدقت به قليلاً قبل أن تخاطبه : إذن فهو يشبهك في الكثير فيما عدا تلك النظرة الكابوسية أليس كذلك بني ؟
- ربما لكنني أحسبني غداً سأفاجئك .
...
في الصباح كان على باب صديقه وإذ دخل فوجئ به قرب لوحته يضع لمساته الأخيرة عليها وفي فضائها شاهد مارداً ينتفض ليرفع عن نفسه غلواء اليأس والألم فهلل قائلاً : كان لا بد أن يولد كنت متأكداً من هذا .
أبتسم وهو يجيب بخيلاء كبير : لكن مرثيتك يا صاح هي التي أوقدت فيه الحياة وأوقدت في أعماقنا ذلك الأمل الذي راح يبعثر أعراسه في أرواحنا من الرمال إلى الرمال .
09/07/2007 - 02:12
القسم:

