You are here

الصفحة الرئيسية

من بين الجمار




من بين الجمار
فاطمة الخليل


من بين الجمار
إلى كل من احترق بذاك الوجيف من الجمار إلى كل من أنتظر أن تكون هذه آخر أعراس النجوم و التضحية .

عمر امتد بلا كلمات بلا أغنيات بلا صور كانت تحدثه بالكثير فأين اشراقة ذلك الحلم حقاً أين كل ما عرفه من دروب ليست سوى حصاة صغيرة أثمرت في مخيلته مزيداً من الألم حصاة راحت ترسم فوق الجدار راية عرفها راية أدرك فيها دفء انتمائه (( الله أكبر )) مدونة بذاك اللهيب .
انطوى على نفسه يتابع مسيرات التضامن باحثاً بين العشرات عن وجه كان يعرفه : نعم أنها هناك .. فرات .. فرات ماذا تصنعين ؟
- كما ترى أحمل وطناً فوق راحتيً وأمضي .
ابتسم مداعباً : آه لكم حملناه عزيزتي وكم أدمنا الوطن بأغاريده بسهوله وروافده فماذا قدم لنا غير حرائقه الغاضبة وشعلة لذكرى لن تنطفئ أبداً .
- لا تقل هذا يا حسين فنحن احتضناه وهو احتضننا جميعاً منذ كنا صغاراً .
- أتقصدين تلك المقابر الجماعية والتي لم تحفل بكل ما لدينا متناسية تلك الأهازيج على رخامة بات يدونها هولاكو العصر الجديد .
- نسيت أن أسألك فيم قدومك إلى هنا ؟
- كنت في جولة قصيرة وقد فوجئت بتلكم الراية فعز عليً أن أتركها صحبة العشرات وأنا أحد أبنائها .. فرات لدي ما أحدثك به .
ابتسمت هامسة : حسن يجب أن نسير بمسيرتنا إلى النهاية فإن كان لديك ما تقوله لدينا المساء كله .
- حسن يا فرات أراك في وقت لاحق .
- حسين ..
- ماذا هناك ؟
أجابها مقاطعاً : غريب كأن كل ما نفعله لا يعنيك بشيء أيها المغامر .
- كيف هذا وهو يسكن خيالاتي وأطيافي ولكنه لدي ما أفعله يا فرات .
ابتعدت عنه وقد أدركت أنه يخفي سراً كبيراً بين جوانحه لتنصرف إلى رفاقها وقد جاءوا يسألونها أن تتقدم إلى الساحة الرئيسة .. هناك هللت بكل ذلك الفرح خاصة وأنها وحسين يوشكان على إعلان زفافهما في أجواء هذه المدينة الصاخبة لكن لماذا كان ثمة أسى يغشى كلماته كما ملامحه كمن عانى من سهاد طويل هو الذي حاول أن يغلف هذا بمرحه المعتاد الذي بدا قاتماً في المساء سأعرف كل شيء آه يا حسين لكم هو قاس أن نلتقي في مثل هذه الظروف وقد أقدمنا على تأجيل الزفاف مراراً .
2
- مرحباً بك يا حسين في مدينة النور ثانية فماذا جئت تحمل من هناك؟
- أحمل ما يجب أن تنصتي إليه حتى النهاية يا فرات .
- لا عليك سأحاول ألا أدفع فضولي إلى الواجهة فهات ما لديك .
- عزيزتي أشاهدت آخر لوحاتي .
- لا أظن فقد بات لديك أسراراً عديدة تحاول إخفاءها عني .
- أنظري .
أمعنت نظراتها بنوع من الرعب هي التي كانت تطرب لكل ما تخلفه ريشته على الأوراق وقفت مذهولة أمام الأجساد المقطعة المتناثرة على طول الشارع وشاهدت أيضاً ما أثار في نفسها الشجن أنها راية التوحيد ترفرف حاملة هوية هؤلاء القتلة .. فنظرت إليه مؤنبة : لماذا تفعلها اليوم ألم تخبرني أنك سترمي بكل هذا خلفك .
- صحيح يا فرات لكن ما حدث دفعني لأكفر بكل مقولاتي السابقة خاصة وأنه أثار في أعماقي لهيباً سيبقى حاضراً في ذاكرتي أبداً .
- ماذا حدث يا حسين أخبرني ؟
- ماذا أقول أأقول أنني أصبحت مشرداً مثل المئات من أبناء جلدتي وقد فقدت عائلتي في ذلك المزار أبي أمي أخواي أختي الصغرى .
- ماذا قلت ؟
- نعم فقد غادروا منذ أسبوع دون أن أستطيع وداعهم هذا لأن الأمر كان مفاجئاً بكل المعايير .
- حسين أرجوك .
حاول أن يخفي مدامعه عنها وهو يحدثها عن أمه : أمي التي كانت تريد أن تحتفي بي كما تحتفي أم بولدها حيث أنها كانت تريد أن تقوم على الزفاف بأكمله رغم معارضة أبي لها وهو يرمقها بود قائلاً : لكن الحفل سيقام في باريس يا زينب .
- باريس وما المشكلة ..
يطرق حسين قبل أن يتابع وقد تألق في عينيه وجه أمه الساحر الودود : مع أنها كانت تعرف كم باريس بعيدة هي التي زارت بلداناً وعواصم عديدة في مناف كانت تلامس أفئدة هؤلاء الهاربين من أقدارهم بحثاً عن أمان كانت تخطها سكرات تعرب فيها عن غضبها عن حبها عن كل ما تشعر به لكن حبائل الموت لم تتركها لأن تعيش الحلم أبداً أبي الذي كان يضمم وريقات النخيل بين ذراعيه ليسهر على استخلاص سلالات جديدة في أبحاث لا تنتهي أخوتي ..
- أرجوك يا حسين كنت قد حدثتني كثيراً عنهم أرجوك حاول أن تعود ذلك الشاب الذي لم يكن ليهزم بهذه السهولة .
- علني كنت قوياً في يوم ما لكنني فقدتهم و فقدت معهم كل ما كان يربطني بتلك الأرض .
- وأنا يا حسين ألست برعماً شب هناك ؟
أجابها مداعباً : آه لكم أخشى أن يدمروا حتى هذه البراعم .
3
في اليوم الثاني تحدث العالم عن مذبحة جديدة .
كان على فرات أن تسافر لحضور مأتم عائلتها بعد عدوان غادر على حييها من قبل أفراد يرتدون السواد .
وقف يودعها : آه يا فرات هاهي الأسوار ترتفع من جديد لتمنعنا عن مواصلة أحلامنا .
اقتربت منه وراحت تبكي فوق صدره : لا .. لا تقل هذا يا حسين فنحن الذين سنحطم هذا الجنون لنبدأ من جديد فعدني ألا تغادر قبل هذا .
- أعدك فرات ما لم يكن للقذائف رأي آخر .
- لكننا أقوى منها بالكثير الكثير تذكر كل ما أخبرتني به عن أساطيرنا تذكرها يا حسين ولسوف نقاوم كل هذه العواصف .
وقبل أن تصعد السلم رمت له بقصاصة صغيرة ظللت أرضية المطار علها بهذا كانت تدعوه لأن يغادر هذه الأرض إلى وطن بات بحاجة إلى الكثير من القلوب لتضمه وتمنع عنه هذا النزيف .
في المساء حمل لوحته الأخيرة ومضى ليفاجئ بها فرات التي كانت تتعافى من الجرح في مشفى قريب بعد هجوم انتحاري استهدف قبة أحد الأئمة : ماذا كنت تفعلين هناك يا فرات ؟
- كنت ألقي التحية على جدي لا أكثر ولكن يبدو أن أحد لم يعد يطرب لهذه العلاقات الحميمة بيننا .
في اليوم التالي سارا معا إلى أقرب مسجد ليعلنا زفافهما وفي عيني كل منهما تفتح برعم صغير وشرع يكبر.
ردد الإمام : ولكننا لسنا في وقت الصلاة يا ولديّ .
أجابت فرات : لكننا أيها الشيخ الكريم جئنا نبحث عنه وقيل أنه يسكن هنا .
رددت هذا واندفعت إلى المحراب .

صورة فاطمة الخليل
القسم: 

التعليقات

 
العزيزة فاطمة
جميل هذا الإحساس
الذي غلفتِ به القصة ذات
المعان العظيمة التي تحكي
قصة وطن يحتاج ابناءه في
محنته ليلملموا جراحه ويكفكفوا
دموعه بإيديهم الحانية وتفانيهم له
بكل غالٍ ونفيس ولن يكون هناك أحن عليه
سواهم حين يضعون إيديهم في ايدِ بعض لإحتضانه
بالحب الحب الذي يصنع المعجزات وهو القادر
على تضميد كل الجراح وإلتئامها.
كل الفرح والحب والتقدير
فاطمة
فاطمة الكواري
صورة فاطمة الكواري
 
عزيزتي وصديقتي فاطمة :
الجميع يعرف أن الوطن هو أغلى ما يمتلكه الإنسان على وجه هذه الأرض وأغلى كنز يجب الحفاظ عليه لهذا فعلى الجميع أن يلامس ذلك الفرح القادم ليقطفه من عينيه فقط وأجمل ما نستطيعه اليوم عزيزتي هو أن نرتقي حقاً بحديثنا عمن يصنعون المعجزات في عراقنا الحبيب و فلسطين وستظل الدماء النازفة هناك تذكرنا أنه لنا جرحاً يجب أن يندمل في القريب.. القريب تحياتي للجميع وللقائمين على هذا الواقع الأجمل الذي زادني سعادة بأن أجد من يحاورني ويكون صادقاً معي ودمتم ودامت لنا الورشة قلباً نابضاً بالإبداع الجميل والحياة .

فاطمة الخليل
صورة فاطمة الخليل

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 1 عضو يتصفح الموقع

أحدث التعليقات