ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
من خرم إبرة
الأربعاء, 05/16/2007 - 19:01 | منى الشيمى

من خــرم إبرة
منى الشيمي
دوى رنين الهاتف فألهاني عما اعتزمت كتابته لدقائق ،
من تحدث ؟؟ ماذا قال ؟؟ لا أدري ، لكني عدت إلى ما فكرت فيه أياما ، رسمت
ملامحه ، رتبت حروفه فصارت كلمات معبرة لما أحسست به طيلة الأيام المنصرمة
، حينما نقرت أرقام هاتفك الجوال ، الذي ظللت أتخيل أين مكانه ، جوارك ،
أمامك ، مدسوس في ثنايا ثيابك ، أنقر هاتفي هنا ، وأتخيل صوت انبعاث
موسيقى هاتفك ، هل هي أغنية تراثية مثيرة لشجونك ، أم شبابية يتقافز المرح
على نغمها ، حالمة كأول إحساس الحب ، ناعمة كريشة ترسم حدود مكان في مطلع
قصة ، أنتظر صوتك ، هل طابق صوتك ما اعتقدت أنه صوتك قبل سماعه ؟؟ نبرك ،
دفقك ، اختيار كلماتك ، هل سترحب بي ؟ بامرأة لا تعرف عنك سوى كتاباتك ،
وصور مصاحبة لها في الجرائد التي تكتب فيها ، ولا تعرف عنها سوى كتابها
الذي أرسلته بالبريد إليك ، أم سيطغى انشغالك على صوتك وتبدو لي منهكا
فظاً ؟!
كأنك تتحدث من مكان مغلق ، أتاح لصوتك برنين مصاحب ، ضاعت أفكاري ، تبعثرت كلمات أعددتها سلفا ، ونظمتها لتعبر عما أطلبه منك تحديدا ..
خاطبتك بتلعثم .
- " أستاذ " ..
=" مرحبا " أجبتنى بثقة .
-" كاتبة مبتدئة أنا " .
هي الجملة الوحيدة ، المفيدة التي قلتها ، ضاعت باقي الكلمات ، فتوليت عني الحديث ، كل ما استطعت الإشارة إليه طلبي بأن تقرأ روايتي الأولى ، والتي أرسلتها لك عبر البريد بوقت يسمح لها والوصول عندما هاتفتك ، كنت مرحبا ، باعثاً للألفة ، لاغيا المسافات بين مبتدئة وعملاق ، أمام ثقتك لملمت شتاتي ، وأنهيت مكالمتي بعبارة :
-" اختياري لك مبعثه إعجابي الشديد ، تميزك الملحوظ ، وخصوصيتك البازغة " .
أبديت ترحيبا بالقراءة لي ، لكنك قلت إن الرواية لم تصلك ، اقترحت عليك وقتها إعادة إرسالها لك لكنك رفضت مرددا " تستطيع الحصول عليها من دار النشر " .
انبثق شعاع أثيري من رأسي ليحط على مجلسك ، على بعد أميال ، رأيتك تتحدث إليّ عبر هاتفك الجوال ، تجلس إلى مكتبك الذي طالما طالعته في أحاديثك التلفزيونية ، " أنتيكات " خزفية وفخارية تزينه ، مكتبة عملاقة خلفك ، تبدو منها مؤخرات الكتب مذهبة الخطوط ، لوحة لأحد أبواب القاهرة ، حائلة ألوانها ، قلم تلهو أصابعك به ، كلماتك القصيرة ، المعبرة ، تعبر الأسلاك الأرضية ، الهوائية ؛ لتصلني ، ما هذه المقدرة التي اجتاحتني ، نثرتني وأعدت تجميعى ، فرأيتك من مكاني ، وانتفت المسافات ، وأحصيت تفاصيل صغيرة لم أكن لأعيها لو رأيتك حقا ، طلبت مني أسبوعا كي تقرأ الرواية ، على أن أتصل بك في نهاية هذا الأسبوع ، شكرتك وأعدت السماعة مكانها ، استدرت فوجدتك ، ولجت عالمي من رحبة الخيال الظليلة ، ربما سحبتني من واقعي إلى عالم الخيال الواسع ، انطلقت أحاديثي التي لم أقلها جميعها ، أجلستك كرسيًا هزازاً وجلست عند قدميك ، ألقيت بالحرج في الجوار كثوب مهمل ..
=" لماذا اتصلتِ بي " ..
-" أنت تكتب لي "
=" لا أعرفك " .
-" كأنك تكتب لي ، أو عني ، عن مشاعر أتمناها من شخص لم أقابله بعد ، وأعد نفسي لمقابلته ، عن حياة ترسمها بدقة وأتمناها بعمق ، اعتقدت في النهاية أن الشخص والحياة غير موجودين ، لكنك بعثتهما فيّ بشدة ، بعثت بداخلي ما اعتقدت موته " .
هذا ما اندفعت في قوله .
=" أنا كاتب ، أكتب لك وللجميع " قلت لي .
-" كنت دوما أعتقد أن الكتابة لا تلقى الإعجاب من القراء إلا إذا عاش الكاتب الموضوع بصدق ، تجربة ذاتية أقصد "
=" هذا صحيح "
اندفعت كلماتي ، لا أدرى من أين تأتي ، لم يكن هناك وقت بين الاستماع إليك والنطق أفكر فيه ..
-" كاتب مثلك ، يتدفق قلمه بالحب ، يشعر قراؤه به ، ماذا يكون ؟ =" كاتب محب ".
-" بل تمرغ في أحاسيس الحب كلها ، اللهفة / التوق / الوخز / القلق / الوجع ، ومشاعر أخرى تضمنتها كتاباتك ووصلتني بدقة . قلت لك .
=" الناس جميعا أحبوا ".
-" أعي ذلك ، لكنك الكاتب الذي سجل إحساسه تجربة باعثة للحنين ، مثال يحتذى به بين الكتاب من حيث الصنعة والمقدرة وبين المحبين من حيث التفاني والإخلاص ".
=" أشكرك " .
-" لا أنتظر شكرك ، أنت هكذا هكذا ..".
أرسلت نظراتي بعيدا عنك ، خجلا من عبارتي التالية :
-" كاتب مثلك له مشاعر بركانية ، كيف تستطيع أن تكون هادئا هكذا "؟"
توقعت إجابة منك ، استدرت ، كنت قد رحلت ، والرحبة الظليلة لا أثر لها ، والكرسي يتحرك إلى الأمام وإلى الخلف ، جلست في نفس مكانك غاضبة ، كيف ترحل دون وداعي بدون رغبة مني ؟ ، أستطيع استحضارك بكل طرق المثقفين ، سوف أثبت لك يوما أن الإنسان يتواجد برغبته أو بدونها في أكثر من مكان في آن واحد ، هكذا صرت أهذي .
قسمت الأسبوع بين قراءة أعمالك الجديدة ، التي وقعت عليها يدي بعد بحث ، وأعمالك التي قرأتها سابقا ، مقالاتك ، حواراتك التلفزيونية التي سجلتها على أشرطة وأعدت مشاهدتها ، أعبر مع حديثك إلى عالمك ، إلى الأفكار التي تؤمن بها وتعجبني ، ملمح من حياتك الخاصة ؛ التي استطعت أن أحدد بعضا منها من عدة قصص استخدمت الذاتية في كتابتها ، ربما كانت الذاتية مجرد تقنية لكتابة القصة ، لكني ارتضيت أن تكون حياتك على شاكلتها ، كنت أضع علامات زرقاء على فقرات أعجبتني فيطل وجهك يحدثني " لماذا أعجبتك " فأجيبك " عزفت على وتر ما بأعماقي فاهتز ، وعندما وضعت علامات حمراء على فقرات أخرى أطل وجهك ثانية " لماذا لم تعجبك " فأقول لك " بل أعجبتني .. أريد مناقشتها معك ، أريد فهمك .. استيعابك " .
اختفيت ثانية فبدأت استحضارك ، كنت أفتح قصة من قصصك وأنحي البطلة جانبا لأحل محلها ، وأرتدي صفاتها التي خلعتها عليها ، واخترت أحد أماكنك الذي تكرر في أكثر من قصة ؛ لأقابلك فيه ( غرفة محاطة بنوافذ زجاجية ، مروضنة بستائر رهيفة ، تطل على المدينة من عل ، وثمة ظل للسكينة مقيم ) هاأنتذا تجلس إلى كرسيك الهزاز بثقة ، بهدوء وأريحية ، كنسمة في مطالع الربيع ، وهاأنذا أرقبك بحنو بالغ
-" أدخلتني قصصك عالماً جديداً من باب اختفى بمجرد دخولي "
=" أنت حبيسة عالمي إذن ، سـتكونين إحدى بطلات قصصي " قلت لي .
- "ستكون أفضل قصصك عند القراء".
=" أنت مغرورة "
-" عليك فقط وصف حالتي ، حالاتك المتقلبة كأرجوحة في مهب الريح ، تقترب حينا وتبتعد حينا آخر " .
قلت لك فلم تجب .
أغمضت عينيّ فاختفيت قبل أن يرتد إلى طرفي ، الكرسي يتأرحج وزفرات حارة أنفثها ، تستطيع الاختفاء حقا ، لكني أستطيع استحضارك ، من صفحة إلى صفحة ألاحقك ، من جريدة إلى كتاب ، أستطيع تجميع تفاصيلك كلها .
كم يوما مر ؟ إحساس غير محدد يغزوني ، يدغدغ حواسي ، ينفيني عن الموجودات حولي ، حاولت التلهي كي يمر الوقت ويأتي ميعاد الاتصال بك ، صديقتي تشكل لوحة من الرمل الملون ، " وجه منقسم إلى قسمين ، استخدمت ألواناً هادئة لتلوين أحد قسمي الوجه ، وألواناً نارية شيطانية لتلوين القسم الآخر ، أضفت الألوان شخصية مختلفة على كل قسم ، كأن القسمين غير متشابهين ، عاودت قراءة حواسي ، استعددت بحوارات أعلم أنك مبعثرها بمجرد سماع صوتك ، الوقوف في محرابك ، المثول بين كلماتك ، مازال الهاتف يرن ، والأحاسيس الأولى اختلفت قليلا :
بادرتك بالحديث .
- " مساء الخير "
= " أهلا " .
-" أعرفت صوتي "
=" بالطبع " .
-" هذا فوز عظيم ".
كانت كلماتي تتعثر فجاءني صوتك :
=" لم أستطع قراءة أيّ من نصوصك بعد ، أمنحيني أسبوعا آخر "
-" اتصلت لسماع صوتك أيضا.
أخذني كلامك عن قدرتي الطبيعية لحفظه واستعادته ، ضاع الحديث الذي دار بيننا منذ ثوان ، لكن إحساسه باق ، مفعم بالنشوى ، مسيطر كدفء أنفاس مئات البشر ، مثير كعبير زهر الليمون ، لكن قلقا أصابني ، هل قرأت قصتي ولم تعجبك أم لم تقرأها بالفعل ؟! حاولت إقناع نفسى بأنك لم تقرأها ، لم أحمل حديثك أكثر وصدقت ما قلته :
= " لم أستطع قراءة الرواية لضيق الوقت " .
لكني لم أستطع منع نفسي من قراءة روايتي ، بزوايا جديدة ، بعينيك ، بوضع عشرات العلامات الزرقاء والحمراء .
أشحت بوجهي فوجدتك ، تبتسم بود ، تقترب ..
-" أعلم ما ستقوله " .
لم تجب فأكملت :
-" لا تنكر أن اللغة قوية ، الصور ، الجو مثير ، الفكرة جيدة "
أجبتنى بجملة مقتضبة :
=" كل كتاباتنا السابقة محاولة إعداد لكتابة أفضل في المستقبل " .
أصابتني غصة ، ثم قلت لك :
- " تأخرت روايتي فى دار النشر ، ألا تعرف الدور وتبعاته ، تقرير المقرر ، لجنة تصحيح اللغة ، مصمم الغلاف ، أصبحت تقنية الكتابة قديمة ومستهلكة ، لكن صدور الرواية من هذه الدار يؤكد موهبتي ، فلا أقرباء لي ، لا وساطة للنشر "
=" أنا أثق بك ، كل الثقة" .
رحلت تاركا خللا في ذبدبة الهواء ، ارتعاشة الستائر ، مويجات الصوت ، وانتظرتك أياما ، كنت أجلس بجوار الهاتف ، بداخله ، أستطلع الحرارة ، أعيد قراءة فقرات من كتابك ، أجزاء من روايتي ، انتظرتك كما وعدتني " سوف أتصل بك خلال أسبوع فانتظريني " هكذا قلت لي ، ألم يمر أسبوع في أيامك ، هل يختلف انقضاء الأيام من مكان إلى آخر ، من شخص إلى آخر ؟!!
في كل قصصي ، تلبس البطلة رداء القوة ، هل أستطيع منع يدي من نقر أرقام هاتفك ؟ تساءلت " ألم تقرأها " أم قرأتها ولم تعجبك !! كان يجب أن تتصل بي ، أن تخبرني مواطن الضعف في روايتي ، أن تقول هفوات التجربة الأولى ، أيّ شيء ، قطعت أرضية الحجرة جيئة وذهابا ، درت حول كرسيك الهزاز ،" تجربة أخيرة " قلتها لنفسي وأنا أنقر أرقام هاتفك ، أنقرها من الذاكرة ، أول مرة ، جاءني صوتك ، وأصوات محيطة بك ، مناقشة محتدة ، ثمة سامر منصوب ، حوار ساخن ، على أشده ..
-" أنا " قلت لك ولم تتركني أكمل .
= " سوف أتصل بك لاحقا .. غدا .. أو بعد غد " .
لم أستطـع الحديث ، ثوان خلتها دهرا ، جاءني صوتـك محايدا قبل انقطاع الخط .. "تحياتي " وضعت السماعة مكانها ، ومذاق الملح يفتتني .
* * * * *
كأنك تتحدث من مكان مغلق ، أتاح لصوتك برنين مصاحب ، ضاعت أفكاري ، تبعثرت كلمات أعددتها سلفا ، ونظمتها لتعبر عما أطلبه منك تحديدا ..
خاطبتك بتلعثم .
- " أستاذ " ..
=" مرحبا " أجبتنى بثقة .
-" كاتبة مبتدئة أنا " .
هي الجملة الوحيدة ، المفيدة التي قلتها ، ضاعت باقي الكلمات ، فتوليت عني الحديث ، كل ما استطعت الإشارة إليه طلبي بأن تقرأ روايتي الأولى ، والتي أرسلتها لك عبر البريد بوقت يسمح لها والوصول عندما هاتفتك ، كنت مرحبا ، باعثاً للألفة ، لاغيا المسافات بين مبتدئة وعملاق ، أمام ثقتك لملمت شتاتي ، وأنهيت مكالمتي بعبارة :
-" اختياري لك مبعثه إعجابي الشديد ، تميزك الملحوظ ، وخصوصيتك البازغة " .
أبديت ترحيبا بالقراءة لي ، لكنك قلت إن الرواية لم تصلك ، اقترحت عليك وقتها إعادة إرسالها لك لكنك رفضت مرددا " تستطيع الحصول عليها من دار النشر " .
انبثق شعاع أثيري من رأسي ليحط على مجلسك ، على بعد أميال ، رأيتك تتحدث إليّ عبر هاتفك الجوال ، تجلس إلى مكتبك الذي طالما طالعته في أحاديثك التلفزيونية ، " أنتيكات " خزفية وفخارية تزينه ، مكتبة عملاقة خلفك ، تبدو منها مؤخرات الكتب مذهبة الخطوط ، لوحة لأحد أبواب القاهرة ، حائلة ألوانها ، قلم تلهو أصابعك به ، كلماتك القصيرة ، المعبرة ، تعبر الأسلاك الأرضية ، الهوائية ؛ لتصلني ، ما هذه المقدرة التي اجتاحتني ، نثرتني وأعدت تجميعى ، فرأيتك من مكاني ، وانتفت المسافات ، وأحصيت تفاصيل صغيرة لم أكن لأعيها لو رأيتك حقا ، طلبت مني أسبوعا كي تقرأ الرواية ، على أن أتصل بك في نهاية هذا الأسبوع ، شكرتك وأعدت السماعة مكانها ، استدرت فوجدتك ، ولجت عالمي من رحبة الخيال الظليلة ، ربما سحبتني من واقعي إلى عالم الخيال الواسع ، انطلقت أحاديثي التي لم أقلها جميعها ، أجلستك كرسيًا هزازاً وجلست عند قدميك ، ألقيت بالحرج في الجوار كثوب مهمل ..
=" لماذا اتصلتِ بي " ..
-" أنت تكتب لي "
=" لا أعرفك " .
-" كأنك تكتب لي ، أو عني ، عن مشاعر أتمناها من شخص لم أقابله بعد ، وأعد نفسي لمقابلته ، عن حياة ترسمها بدقة وأتمناها بعمق ، اعتقدت في النهاية أن الشخص والحياة غير موجودين ، لكنك بعثتهما فيّ بشدة ، بعثت بداخلي ما اعتقدت موته " .
هذا ما اندفعت في قوله .
=" أنا كاتب ، أكتب لك وللجميع " قلت لي .
-" كنت دوما أعتقد أن الكتابة لا تلقى الإعجاب من القراء إلا إذا عاش الكاتب الموضوع بصدق ، تجربة ذاتية أقصد "
=" هذا صحيح "
اندفعت كلماتي ، لا أدرى من أين تأتي ، لم يكن هناك وقت بين الاستماع إليك والنطق أفكر فيه ..
-" كاتب مثلك ، يتدفق قلمه بالحب ، يشعر قراؤه به ، ماذا يكون ؟ =" كاتب محب ".
-" بل تمرغ في أحاسيس الحب كلها ، اللهفة / التوق / الوخز / القلق / الوجع ، ومشاعر أخرى تضمنتها كتاباتك ووصلتني بدقة . قلت لك .
=" الناس جميعا أحبوا ".
-" أعي ذلك ، لكنك الكاتب الذي سجل إحساسه تجربة باعثة للحنين ، مثال يحتذى به بين الكتاب من حيث الصنعة والمقدرة وبين المحبين من حيث التفاني والإخلاص ".
=" أشكرك " .
-" لا أنتظر شكرك ، أنت هكذا هكذا ..".
أرسلت نظراتي بعيدا عنك ، خجلا من عبارتي التالية :
-" كاتب مثلك له مشاعر بركانية ، كيف تستطيع أن تكون هادئا هكذا "؟"
توقعت إجابة منك ، استدرت ، كنت قد رحلت ، والرحبة الظليلة لا أثر لها ، والكرسي يتحرك إلى الأمام وإلى الخلف ، جلست في نفس مكانك غاضبة ، كيف ترحل دون وداعي بدون رغبة مني ؟ ، أستطيع استحضارك بكل طرق المثقفين ، سوف أثبت لك يوما أن الإنسان يتواجد برغبته أو بدونها في أكثر من مكان في آن واحد ، هكذا صرت أهذي .
قسمت الأسبوع بين قراءة أعمالك الجديدة ، التي وقعت عليها يدي بعد بحث ، وأعمالك التي قرأتها سابقا ، مقالاتك ، حواراتك التلفزيونية التي سجلتها على أشرطة وأعدت مشاهدتها ، أعبر مع حديثك إلى عالمك ، إلى الأفكار التي تؤمن بها وتعجبني ، ملمح من حياتك الخاصة ؛ التي استطعت أن أحدد بعضا منها من عدة قصص استخدمت الذاتية في كتابتها ، ربما كانت الذاتية مجرد تقنية لكتابة القصة ، لكني ارتضيت أن تكون حياتك على شاكلتها ، كنت أضع علامات زرقاء على فقرات أعجبتني فيطل وجهك يحدثني " لماذا أعجبتك " فأجيبك " عزفت على وتر ما بأعماقي فاهتز ، وعندما وضعت علامات حمراء على فقرات أخرى أطل وجهك ثانية " لماذا لم تعجبك " فأقول لك " بل أعجبتني .. أريد مناقشتها معك ، أريد فهمك .. استيعابك " .
اختفيت ثانية فبدأت استحضارك ، كنت أفتح قصة من قصصك وأنحي البطلة جانبا لأحل محلها ، وأرتدي صفاتها التي خلعتها عليها ، واخترت أحد أماكنك الذي تكرر في أكثر من قصة ؛ لأقابلك فيه ( غرفة محاطة بنوافذ زجاجية ، مروضنة بستائر رهيفة ، تطل على المدينة من عل ، وثمة ظل للسكينة مقيم ) هاأنتذا تجلس إلى كرسيك الهزاز بثقة ، بهدوء وأريحية ، كنسمة في مطالع الربيع ، وهاأنذا أرقبك بحنو بالغ
-" أدخلتني قصصك عالماً جديداً من باب اختفى بمجرد دخولي "
=" أنت حبيسة عالمي إذن ، سـتكونين إحدى بطلات قصصي " قلت لي .
- "ستكون أفضل قصصك عند القراء".
=" أنت مغرورة "
-" عليك فقط وصف حالتي ، حالاتك المتقلبة كأرجوحة في مهب الريح ، تقترب حينا وتبتعد حينا آخر " .
قلت لك فلم تجب .
أغمضت عينيّ فاختفيت قبل أن يرتد إلى طرفي ، الكرسي يتأرحج وزفرات حارة أنفثها ، تستطيع الاختفاء حقا ، لكني أستطيع استحضارك ، من صفحة إلى صفحة ألاحقك ، من جريدة إلى كتاب ، أستطيع تجميع تفاصيلك كلها .
كم يوما مر ؟ إحساس غير محدد يغزوني ، يدغدغ حواسي ، ينفيني عن الموجودات حولي ، حاولت التلهي كي يمر الوقت ويأتي ميعاد الاتصال بك ، صديقتي تشكل لوحة من الرمل الملون ، " وجه منقسم إلى قسمين ، استخدمت ألواناً هادئة لتلوين أحد قسمي الوجه ، وألواناً نارية شيطانية لتلوين القسم الآخر ، أضفت الألوان شخصية مختلفة على كل قسم ، كأن القسمين غير متشابهين ، عاودت قراءة حواسي ، استعددت بحوارات أعلم أنك مبعثرها بمجرد سماع صوتك ، الوقوف في محرابك ، المثول بين كلماتك ، مازال الهاتف يرن ، والأحاسيس الأولى اختلفت قليلا :
بادرتك بالحديث .
- " مساء الخير "
= " أهلا " .
-" أعرفت صوتي "
=" بالطبع " .
-" هذا فوز عظيم ".
كانت كلماتي تتعثر فجاءني صوتك :
=" لم أستطع قراءة أيّ من نصوصك بعد ، أمنحيني أسبوعا آخر "
-" اتصلت لسماع صوتك أيضا.
أخذني كلامك عن قدرتي الطبيعية لحفظه واستعادته ، ضاع الحديث الذي دار بيننا منذ ثوان ، لكن إحساسه باق ، مفعم بالنشوى ، مسيطر كدفء أنفاس مئات البشر ، مثير كعبير زهر الليمون ، لكن قلقا أصابني ، هل قرأت قصتي ولم تعجبك أم لم تقرأها بالفعل ؟! حاولت إقناع نفسى بأنك لم تقرأها ، لم أحمل حديثك أكثر وصدقت ما قلته :
= " لم أستطع قراءة الرواية لضيق الوقت " .
لكني لم أستطع منع نفسي من قراءة روايتي ، بزوايا جديدة ، بعينيك ، بوضع عشرات العلامات الزرقاء والحمراء .
أشحت بوجهي فوجدتك ، تبتسم بود ، تقترب ..
-" أعلم ما ستقوله " .
لم تجب فأكملت :
-" لا تنكر أن اللغة قوية ، الصور ، الجو مثير ، الفكرة جيدة "
أجبتنى بجملة مقتضبة :
=" كل كتاباتنا السابقة محاولة إعداد لكتابة أفضل في المستقبل " .
أصابتني غصة ، ثم قلت لك :
- " تأخرت روايتي فى دار النشر ، ألا تعرف الدور وتبعاته ، تقرير المقرر ، لجنة تصحيح اللغة ، مصمم الغلاف ، أصبحت تقنية الكتابة قديمة ومستهلكة ، لكن صدور الرواية من هذه الدار يؤكد موهبتي ، فلا أقرباء لي ، لا وساطة للنشر "
=" أنا أثق بك ، كل الثقة" .
رحلت تاركا خللا في ذبدبة الهواء ، ارتعاشة الستائر ، مويجات الصوت ، وانتظرتك أياما ، كنت أجلس بجوار الهاتف ، بداخله ، أستطلع الحرارة ، أعيد قراءة فقرات من كتابك ، أجزاء من روايتي ، انتظرتك كما وعدتني " سوف أتصل بك خلال أسبوع فانتظريني " هكذا قلت لي ، ألم يمر أسبوع في أيامك ، هل يختلف انقضاء الأيام من مكان إلى آخر ، من شخص إلى آخر ؟!!
في كل قصصي ، تلبس البطلة رداء القوة ، هل أستطيع منع يدي من نقر أرقام هاتفك ؟ تساءلت " ألم تقرأها " أم قرأتها ولم تعجبك !! كان يجب أن تتصل بي ، أن تخبرني مواطن الضعف في روايتي ، أن تقول هفوات التجربة الأولى ، أيّ شيء ، قطعت أرضية الحجرة جيئة وذهابا ، درت حول كرسيك الهزاز ،" تجربة أخيرة " قلتها لنفسي وأنا أنقر أرقام هاتفك ، أنقرها من الذاكرة ، أول مرة ، جاءني صوتك ، وأصوات محيطة بك ، مناقشة محتدة ، ثمة سامر منصوب ، حوار ساخن ، على أشده ..
-" أنا " قلت لك ولم تتركني أكمل .
= " سوف أتصل بك لاحقا .. غدا .. أو بعد غد " .
لم أستطـع الحديث ، ثوان خلتها دهرا ، جاءني صوتـك محايدا قبل انقطاع الخط .. "تحياتي " وضعت السماعة مكانها ، ومذاق الملح يفتتني .
* * * * *
تعليق: من خرم إبرة
ما بين الإعجاب والحب والتماهي و الشوق , وبين انهيار المثال وطعم الملح على شفاه الروح, مرت أشياء كثيرة تحت الجسر الذي يجلل نهر الحكي.
جمل سردية مفعمة بالتوتر, قصيرة وحادة كضربة فأس, وقدرة فائقة على استجلاء الدواخل .
(مع ذلك لا أريد أن أن أفوت فرصة البوح بشئ آخر: كنت أحدس منذ اللحظات الأولى للقصة, ان النهاية سنكون على تلك الشاكلة, ما رأيك؟)
مع المحبة والتقدير
تعليق: من خرم إبرة
صدمتنى هذه القصة لأنك قادرة على استقراء ما يدور ف أعماق الأنثي بشكل بهرني
كأنك تكتبين عني ، من منا لم يمر بتجربة كتلك التجربة التى مرت بها الشخصية في قصتك
من منا لم يصدم بهذا الكاتب المزدوج في نهاية المطاف نعم نشعر بما شعرت به بطلك لكن تجسيد هذه امقدرة بهرني ،
سأتابع أعمالك دوما
يشرنني أن تكوننن قصتك أول ما أعقب عليه في الورشة
مها عيسى
تعليق: من خرم إبرة
دائما تعجبني كتابتك
اهتزاز الصورة
كثيرة هي الصورة المهزوزة التي تصدمنا في الحياة
فقط علينا أن نتماسك كلما صدمنا
ونحتمل مذاق الملح
مودتي
تعليق: من خرم إبرة
قصة رائعة تجسد الواقع حقا
حتى وان كان من خرم ابرة
شكرا لكِ وفي انتظار المزيد من روائعك
تحياتى ،،،
دعاء
تعليق: تعليق: من خرم إبرة
أشكر لك عبورك الجميل ورق كلماتك
لكن هل التنبؤ بنهاية القصة يعيبها؟؟
مودتي
تعليق: تعليق: من خرم إبرة
سعدت بعبورك ورأيك
أعجبني تعبيرك المزدوج عن هذه الشخصية فهذا ما قصدته تماما
سعيدة بعبورك
تعليق: من خرم إبرة
----------------------
انا متأكد تماما
انكى تحملين فى طياتك الكثير والكثير
اشكرك على القصة اللمتعة
أخوكى:ميسرة صلاح الدين
تعليق: تعليق: تعليق: من خرم إبرة
التنبؤ بالنهاية لا يعيب القصة بالضرورة , خصوصا اذا كانت مكتوبة بشكل جيد .لكن من وجهة نظري الشخصية (التي لا ألزم بها أحدا )أعتبر النهاية من أهم مفاصل القصة القصيرة هي بؤرتها وآخر ضخات دمها, لذلك إن لم نستطع خلخلة "أفق انتظار" المتلقي فيها , أو على الأقل الحفاظ على بعض عناصر الإدهاش, لربما يكون الأثر أضعف؟
على كل حال هي مسألة للنقاش.
في الإنتظار, مودتي.
تعليق: تعليق: من خرم إبرة
طبعا يسعدني أن تمرين دوما
وأنت من يحتفي بي هنا
ويرفدني بثقة إضافية
أشكرك وأحيي فيك نشاطك وشغفك بالقراءة
مودتي
تعليق: تعليق: من خرم إبرة
ربما يجد البعض أن خرم الإبرة يتسع للعبور
يحشرون هناك
وتنقلب حياتهم رأسا على عقب
دمت ودام مرورك
تعليق: تعليق: تعليق: تعليق: من خرم إبرة
والله التعقيب على تعقيبك يلزم له الاحتشاد
فالقصة ربما يجب أن تحتفظ بجزء من التشويق للنهاية بإخفاء أو مفاجاة القارئ
لكن ماذا لو جاءت المفاجأة من عادية النهاية ومماثلتها لما يحدث في الواقع ؟؟
أليست الطبيعية أيضا تشويقا وإمتاعا
والله لا أدافع عن قصتي هنا
لكني أفضل عدم افتعال نهاية والانزلاق بطبيعية
جميل هذا النقاش
لك عين خبيرة ستجعلني أنتظرك دوما عند نصوصي فلا تبخل بحضورك
تعليق: تعليق: تعليق: تعليق: تعليق: من خرم إبرة
وقصتك ليست موضع اتهام هنا , سبق ان قلت بانك تمكنت من قيادة أحصنتها بإحكام, وجميل منك هذه الرغبة في حشد "القوة ورباط الخيل" وخوض غمار نقاش لن يكون الا مفيدا في كل الأحوال
أذكر ان أحدا شبه القصة القصيرة وهي تتوجه نحو النهاية بالقنبلة الملقاة وهي تتجه أرضا. وآخر قال بأن القصة مثل سباق الخيل أهم ما فيها البداية والنهاية..
الحيز لا يكفي طبعا للقراءات الموسعة , لكن هذا لا يمنع أن نزاوج في تعليقاتنا بين
حبات القمح والفولارات الجميلة.
ستجدينني عند قصصك
مودتي.