You are here
من قصائد التلاشي

من قصائد التلاشي
بيثِنتِ أليْكْسَانْدرِ
ترجمة رفعت عطفة
dodo_nomercy
I
كلمات الشاعر
ماذا تنتظرُ بَعْدَ الكلماتِ الميتة،
الكلماتِ التي مازالت تُلفظ أو تُقال؟
أوراقاً طيّارة،
مزيداً من الأوراق المبعثرة. من يدري؟
كلمات خَرِبة، مثل صدى أو ضوء يموت هناك في ليل عظيم.
كلُّ شيءٍ ليل عميق.
الموتُ كلماتٌ قيلت
في لحظاتِ المتعة أو الغضبِ، النشوةِ أو الهجران،
حين تستيقظ الروحُ ويطلّ على العينين
نورٌ أكثر من أيّ صوت خبير.
خبير جاهز بكلماته على الصفحة المفتوحة،
يتكئ إليها أو أنّها تدرك الهواء
مع الصوت وترتاح. ليس بفضيلة قصوى،
لكن بنظام صائب، إذا أرادت.
فهي، الكلمات، تنصاع مطواعة لفضيلته
وترتاحُ وديعةً، جليلةً،
تُطلّ تحت الضوءِ على لسانٍ بشريٍّ يجهد بالتعبير عنها.
واليد تُقلِّص حركتها للعثور عليها،
لا بل: لتكشفها، مجديةً، بينما تبرق، توحي،
حين لا تتبخر خيبةً،
هكذا تبقى أحياناً، تنام،
فضلةَ نهايةِ نارٍ لم تُلمس
إذا ماتت لا تُنسى،
وتخلّف ذاكرة واهنة، ها هي هناك.
كلُّ شيءٍ ليلٌ عميق.
الموتُ نسيانٌ للكلمات، النوابضِ، الزجاج، الغيوم
ليهتم بنظامٍ خفيٍّ نهاراً،
أكيدٍ ليلاً، في هوّة هائلة.
هي ذي الأرض هناك، صارمةٌ
لا تسمح بأي حبٍّ مركزه ناقص؛
ولا بقبلة أخرى لا تكون لها،
ولا بحب آخر غير الحب الذي ينتشر مخنوقاً.
في الليالي العميقة
تلقى الكلمات المهجورة أو الغافية تجاوباً.
على الورق الطيار، من يعرفها أو ينساها؟
من يدري؟ ربما رنت ذات مرة، في قلوب أخوية قليلة.
ساعات مشتتة
كنتُ لسنواتٍ مختلفاً،
أو كنت نفسي. أخطأت إماراتٍ، إجراءاتٍ وغدةٍ
أو نصراً فريداً، حزناً دائماً.
أحببتُ من لم أبغ حبَّهُ. وكرهتُ من كان لي.
سوراً، كان البحر، ربما جسراً خفيفاً.
لا أدري هل عرفت نفسي أم تعلمت جهلها.
إذا احترمت الأسماك، الفضة الحية في الساعات،
أو أنني حاولت السيطرة على النور. هنا كلمات ميتة.
نهضت باضطرام، سكت بظل متأخراً.
اضطرمت بنهم. أنشدت رماداً.
وإذا ما أدخلت وجهاً في الماء فأنا لم أعرف نفسي. نرسيس حزين.
رويت ظروفاً. لعنت فضاءات
وقدمت مادة موسيقاها الباطلة
بإيماءة مركزة، دون أن أدري بوجودها.
أردت شرب ظلها بين الحشود،
كمن يشرب ماء صحراء خادِع.
نخيل... بلى أُغنّي. لكن أحداً لا يُصغي.
والكثبانُ الرمالُ تنبض بلا حلم.
زيفاً أُصْغي أحياناً إلى ظلّ يجري
في جسد متبجّح. أو أبصق وحيداً. "احترقْ."
لكنّني لا أحترق. أنام، أنام... آهٍّ! انتهِ."
II
الماضي:
"بيت ريفي نقي"
هنا في البيت الصغير،
ثلاث أشجار أمامه، الباب منتصب، الصوت:
كلّ شيء يدوم، أو ميت
حين أعبرُ. أتذكَّرُ: "بيت ريفي نقي".
نقيٌّ مّم؛ من الريح
هنا نهضَ هذا الطفلُ
بالرجفةِ.
هنا نظر إلى الرمل الميت،
إلى الطين مثل قفّاز،
الضوء مثل وجنتين شاحبتين،
والذهب العتيق
يمنح في الشّعر قبلة
بلا بارحة. اليوم. غداً.
الأوراق سقطت، أو أنّها صعدت اليومَ
من الأرض إلى الشجرة
وما زالت تتظاهر بالوله، الوجود، الحفيف.
وأعبرُ فلا تمنحُ ظلاً،
هي موجودة. ولا دخان.
أسهر. أعيش.
لا أستطيعُ،
عليّ ألاَ أتذكَّر.
لا شيء يحيا. ستارة تحرّكها الريحُ
ولا وجود لها. واصمتُ.
كالبحر، القبلاتُ
لا تهمّ الشعاراتُ
ولا الكلمات الفارغة؛ هي مجرَّدُ هبّة ريح.
يهمّ صدى ما سمعتُ وإليه أصغي.
صوتك الذي بموته يحيا، مثلي حين أعبر من هنا
وما أزال أكلّمك.
كنتِ أكثر تماسكاً،
ديمومةً،
ليس لأنّني قبّلتُك
أو لأنّني أمسكتُ بالوجود راسخاً فيك.
بل لأنّك كالبحر يغوص خائفاً بعد أن يغزو الرمل.
بالخضرةِ أو بالزبدِ يبتعدُ البحرُ مبتهجاً.
وكما ذهبَ وعاد أنتِ لا تعودين أبداً.
ربّما لأنّني لم أستطع العثورَ عليكِ
متدحرجةً على شاطئ بلا نهاية.
آثار زبدك تبقى على الحواف
حين يذهبُ الماء.
لا أجدُ غير الحواف. غير حدِّ الصوتِ الذي بقي فيَّ.
كالطحلبِ قبلاتك.
ساحرة في الضوء، ميتةً تعودُ.
رؤى فتِيَّة
من أعوام أخرى
تتلاشى الكلماتُ التي تقول موتاً، ذهولاً
حين تولد.
كما بين صوتين، هناك قبلة أو همسٌ
المعرفة ضحك، والسَحَرُ يضحَك.
يضحك، فالأرضُ صدرٌ يخفقُ مختلجاً.
قهقهة كلّية هي ليست صوتاً بل حياة،
أنواراً تصّاعد من شيء، صدرٍ: الكوكب.
جسدٌ بهيجٌ. لا همّ ما يحملُ،
بل نبضه في الفضاء،
مثل طفل طافٍ، مثل طفلٍ في السعادة.
هكذا نظرَ الفتى فرأى العالمَ حرّاً.
ربّما بين قبلتين،
ربّما في حضن القبلة:
هذا ما شعر به بين شفتين.
كانت ضحكةً بليلةً، منه أو من العالم.
لكنّ العالم يدوم،
ليس بين شفتين فقط: القبلةُ تنتهي.
لكنّ العالم يدور،
حرّاً، بلى، مثل قبلة،
حتى بعد موته.
كلمات قليلة
كلماتٌ قليلة
سأهمسُ بها لك. قليل هو إيمان الإنسان المتردّد.
العيش طويلاً مُعتم. فجأة وإذا بالمعرفة ليست معرفةً بالذات.
ومع ذلك سأقول. فعيناي تردّدان ما تنسخان:
جمالك، اسمك، صوت النهر، الغابة، والروح على انفراد.
رأتا كلّ شيء وامتلكتاه. هذا ما تقولُهُ العينان.
تردّان على من يراهما، لكنّهما لا تسألان أبداً.
لأنّهما إذا كانتا تأخذان من النورِ اللونَ، من الطين الذهبَ،
ومن المذاق كلّه الثفلَ الثاقب،
فإنّهما لا تجهلان القُبَلَ، الهمسَ، ولا الأريج.
فقد رأتا أشجاراً ضخمة، همساً صامتاً،
نيراناً مطفَأة، جذواتٍ، شرايين، رماداً،
والبحرَ، البحر حتى القاع، بأشواكه البطيئة،
بقايا الأجسام الجميلة فيه تُعيدها الشواطئُ.
قليلاً من الكلمات، بينما يسكت آخر،
كلمات الريح في الأوراق وأنا أُقبِّل شفتيكِ.
بعض الكلمات الواضحة، بينما أغفو في حضنك.
بينما يُسمع الماءُ في الصخر. بينما ساكناً أنا ميت.
أخيراً
كلمة أخرى ويكون وقعها في غير محله.
الصدى أحياناً مثل أغنية مفاجئة.
وفي أخرى تشتعل مثل الصوفان.
أحياناً لها صوتُ الأشجار الهائلة في الظل.
خفق أجنحة فسيحة: نسور، اندفاع، خفق، عروش.
ثم أضواء إلى الأعلى.
أضواء أكثر أو ظلّ مباغت.
الصوت المبعثَر وصمت العالم.
حزن الفجوة بلا حواف.
وفجأة الكلمة الأخيرة،
دغدغة الماء في الفم الظامئ،
أو القطرة الناعمة في العينين الضريرتين
المحروقتين بالحياة ونيرانها.
آهٍ كم من السلام هو الحلم.
بيثِنتِ أليْكْسَانْدرِ
1966 - 1965
VICENTE ALEIXANDRE
وُلِد في إشبيليا يوم 26 نيسان 1898 وعاش في مالقة، حيث عمل أبوه، مهندساً للسكك الحديدية حتى عام 1909 حين اضطُرّ بسبب مرضه للانتقال إلى مدريد لأنّ هواء البحر لا يواتيه. كان اتصاله الأوّل بالشعر من خلال الشاعر البرغوائي روبن داريو عام 1917 عندما قدّم له الشاعر الإسباني دامسو ألونسو مختارات من شعره فاكتشف في نفسه الشاعر وراح يقرأ لشعراء آخرين مثل أنطونيو ماتشادو، الوحيد الذي حفظ له أشعاراً عن ظهر قلب. احتك بشعراء جيل السابع والعشرين الذي ينتمي إليه من خلال ذات الشاعر داماسو ألونسو وتعّرف على رافائيل ألبرتي خلال معرض فني له أقامه في الأتِنئو عام 1922، فقدّموه له كفنان وليس كشاعر.
تعرّف على ف. غ. لوركا ليلة عرض مسرحيته ماريانا بينِدا عام 1927.
من أعماله: نطاق 1928، سيوف كالشفاه 1932، خراب الحبّ 1935، ظلّ الفردوس 1944، ولَهُ الأرض 1935، تاريخ القلب 1954، في مجال رحب 1962 وأخرى غيرها. حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1977.
عن: الآداب الأجنبية - اتحاد الكتاب العرب - العدد (103) - صيف 2000 - السنة الخامسة والعشرون
07/03/2008 - 15:02
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:

