You are here
موت في متاهاتي

موت في متاهاتي
محمد سامي البوهي
الأولاد ... المدارس ... العمل ... السوق ... البواب .. التليفون ... وزوجي ..
باب أمي هو الرحمة الوحيدة التي تتلقفني من عبث تلك المتاهات لا أحد يرحمني، أو يحن على صدري بحضن دافئ يلهو مع قلبي، ويدغدغ وجنتيه ويرحل عني يمازحني لحين اللقاء، الكل يريدني أن ألتصق به، أن أقطع من لحمي، وأحشو فمه من جسدي حتى تحول إلى كتلة حديد صدئة أراها كلما نظرت لنفسي في مرآتي اللعينة.
لا تتألم..... لا تشكو.... لا تكل... لا تمل..
لكنها يوما ما ستنفجر، وتتحطم، وتتبعثر، وتتحول إلى برادة من الألم،تتوارى بأنوف المعذبين،ويبقى جسدي يترسب بقاع الحلم،ينتظر من ينتشله ويعيده للحياة ..
غفل عني الحظ يوما ما، فأشاح بوجهه للاتجاه الآخر،وتركني أتنفس ؛وافق زوجي أخيراً أن ننتقل إلى الشقة المواجهة لشقة أمي بمدينة نصر ،أخبرني بذلك بتلك اللحظة التي شعرت فيها أنني أدوس الأرض من تحتي،فتسمرت أمامه وهو يقبلني ، أغمضت عيني وأسندت راحتي على كتفيه ...
بالأمس كدت أن أقبل يديه، وقدميه، وأغسلهما بدموعي من أجل أن يوافق ،واليوم جاء يزف إلى بشرى الرحمة _ يااااه_ أي تجبر هذا الذي يحملني عاليا،ثم يطرحني أرضاً، ويأتي اليوم يقبلني كدمية مستباحة لطفل يفعل بها ما يشاء ..
ظلت متاهاتي تحاصرني، فانتقلت معي إلى مسكني الجديد؛الأولاد ومشاكلهم، مدارسهم،عملي ومديري المريض بهوس الروتين،السوق الذي يبتلع راتبي كل شهر،البواب اللعين الذي يحتفي بي كل يوم صعوداً ونزولاً بفواتير الكهرباء،والماء،والنظافة،والمصعد،والإيجار... ووووو
المطبخ آآآه من هذا التنين الذي ينتظرني ليفتح فمه لنصف عمري الباقي ... لكن من بين تلك المتاهات ينخرني الصمت ..
بالأمس صمت..
اليوم صمت ..
وغداً صمت..
باب أمي ... متى سيفتح؟
متى سأسمع قفله الموصد يطقطق في أذني، ليشق أمامي عوالم النجاة صمت يا أماه خيم على بابك وقفلك، وبقي كل شيء حولي يصرخ بالضجة العارمة، فيصفع رأسي بالفراغ .. كنت أنت جرعاتي الهنيئة من هذا الجفاف، وملاذي الذي يدثرني بالحرير ..
متى ستفتحين بابك لي من جديد؟
خمس سنوات يا أم .. خمس سنوات لم أر وجهك المتفتح من خلف الجدار ،وأنت تلملمين جدائل شعرك، تحت غطاء رأسك الملائكي عندما تسمعين وقع أقدامي،فتفتحي لي بابك بلا طرقات منى تطلبك ، بسمتك التي كانت تشق لي كل جدر الدنيا فأرى من خلفها كل الدنيا بحلتها المزركشة..
متى ستفتحين بابك؟
أتسمعين ؟؟ ككل يوم ..
صوت شجار الأولاد يعلو... ويعلو... من الغرفة الداخلية... والبواب يمط أحباله الصوتية بصياحه المزعج، جرس التليفون يطن بكل ركن من حولي.. الطعام يغلي ويغلي ...
زوجي .. زوجي ..
تصرخ ...
تقفز ...
تتعثر بكل شيء، تطرح أرضاً.. تتماسك... تفتح باب شقتها.. وتلقي بوجهها على باب شقة أمها، تدق الباب بقوة
تدق...
تدق ...
افتحي بابك يا أماه ... افتحي بابك يا أمي
تتشبث بالباب، تغرس أظافرها بأخشابه
تبكي..
وتكورَ جسدها في هدوء مستلقية أمامه ...
محمد سامي البوهي
باب أمي هو الرحمة الوحيدة التي تتلقفني من عبث تلك المتاهات لا أحد يرحمني، أو يحن على صدري بحضن دافئ يلهو مع قلبي، ويدغدغ وجنتيه ويرحل عني يمازحني لحين اللقاء، الكل يريدني أن ألتصق به، أن أقطع من لحمي، وأحشو فمه من جسدي حتى تحول إلى كتلة حديد صدئة أراها كلما نظرت لنفسي في مرآتي اللعينة.
لا تتألم..... لا تشكو.... لا تكل... لا تمل..
لكنها يوما ما ستنفجر، وتتحطم، وتتبعثر، وتتحول إلى برادة من الألم،تتوارى بأنوف المعذبين،ويبقى جسدي يترسب بقاع الحلم،ينتظر من ينتشله ويعيده للحياة ..
غفل عني الحظ يوما ما، فأشاح بوجهه للاتجاه الآخر،وتركني أتنفس ؛وافق زوجي أخيراً أن ننتقل إلى الشقة المواجهة لشقة أمي بمدينة نصر ،أخبرني بذلك بتلك اللحظة التي شعرت فيها أنني أدوس الأرض من تحتي،فتسمرت أمامه وهو يقبلني ، أغمضت عيني وأسندت راحتي على كتفيه ...
بالأمس كدت أن أقبل يديه، وقدميه، وأغسلهما بدموعي من أجل أن يوافق ،واليوم جاء يزف إلى بشرى الرحمة _ يااااه_ أي تجبر هذا الذي يحملني عاليا،ثم يطرحني أرضاً، ويأتي اليوم يقبلني كدمية مستباحة لطفل يفعل بها ما يشاء ..
ظلت متاهاتي تحاصرني، فانتقلت معي إلى مسكني الجديد؛الأولاد ومشاكلهم، مدارسهم،عملي ومديري المريض بهوس الروتين،السوق الذي يبتلع راتبي كل شهر،البواب اللعين الذي يحتفي بي كل يوم صعوداً ونزولاً بفواتير الكهرباء،والماء،والنظافة،والمصعد،والإيجار... ووووو
المطبخ آآآه من هذا التنين الذي ينتظرني ليفتح فمه لنصف عمري الباقي ... لكن من بين تلك المتاهات ينخرني الصمت ..
بالأمس صمت..
اليوم صمت ..
وغداً صمت..
باب أمي ... متى سيفتح؟
متى سأسمع قفله الموصد يطقطق في أذني، ليشق أمامي عوالم النجاة صمت يا أماه خيم على بابك وقفلك، وبقي كل شيء حولي يصرخ بالضجة العارمة، فيصفع رأسي بالفراغ .. كنت أنت جرعاتي الهنيئة من هذا الجفاف، وملاذي الذي يدثرني بالحرير ..
متى ستفتحين بابك لي من جديد؟
خمس سنوات يا أم .. خمس سنوات لم أر وجهك المتفتح من خلف الجدار ،وأنت تلملمين جدائل شعرك، تحت غطاء رأسك الملائكي عندما تسمعين وقع أقدامي،فتفتحي لي بابك بلا طرقات منى تطلبك ، بسمتك التي كانت تشق لي كل جدر الدنيا فأرى من خلفها كل الدنيا بحلتها المزركشة..
متى ستفتحين بابك؟
أتسمعين ؟؟ ككل يوم ..
صوت شجار الأولاد يعلو... ويعلو... من الغرفة الداخلية... والبواب يمط أحباله الصوتية بصياحه المزعج، جرس التليفون يطن بكل ركن من حولي.. الطعام يغلي ويغلي ...
زوجي .. زوجي ..
تصرخ ...
تقفز ...
تتعثر بكل شيء، تطرح أرضاً.. تتماسك... تفتح باب شقتها.. وتلقي بوجهها على باب شقة أمها، تدق الباب بقوة
تدق...
تدق ...
افتحي بابك يا أماه ... افتحي بابك يا أمي
تتشبث بالباب، تغرس أظافرها بأخشابه
تبكي..
وتكورَ جسدها في هدوء مستلقية أمامه ...
محمد سامي البوهي
09/14/2008 - 15:43
القسم:


التعليقات
هي دائرة الحياة المفرغة التى تأخذنا حتى من أنفسنا وتدخلنا من موت الروح إلى موت الجسد..
عندما تستولى علينا الهموم والدوران المصر على ألا يتوقف حتى النفس الأخير نموت...نموت ونحن على ظهر الحياة..نبحث عن السعادة والراحة بأعين زائغة مضطربة فلا نجدها إلا على شاطىء المجهول حتى لو لم تكن تلك هي الحقيقة..
تحياتي لقلم مبدع
وبحثي الحثيث عن أفكارك مسطورة على صفحة نفسي
تعلن في كل كلمة
أنك تعيش البشر
بكل مشاعرهم وحواسهم
متاهة
أخذتني كثيراً
وأنتظر
لحظة التكوير
تحية لقلمك الحساس
سعيد بملاقاتك هنا
نصّ جميل مركّز كتب بلغة أنيقة راقية
يروي متهات الحياة.. حياتنا ، ولذلك غلبة عليه مسحة من الحزن والتسليم
مع محبتي
سعيد محمد الجندوبي
الدكتورة المبدعة
حنان فاروق
كل الامتنان لك
على اهتمامك بكل ما اكتب
وكل رمضان وانت بخير
اختزالك لمفردات الحياة وطقوسها اليومية
رائع ودقيقه وبرغم الدلالات البسيط
الا انه يوضح كم معاناة الفرد فى حياته اليومية
وكيف يجد فى الام الملجأ والملآذ
حتى وان غابت أو صارت رمزا
تحياتى لقاص اعتز واحب اسلوبه
محمود عبد الحليم
دوامة الحياة ومتطلباتها ، دائرة يسبح الجميع في فلكها دونما خلاص.
انتقل السرد من الحديث المباشر في بداية القصة على لسان البطلة إلى شاهد عليها في لحظات ضعفها الأخيرة ، وقد جاء ذلك بخاتمة بديعة للنص.
لغة قريبة من القارئ وسرد محكم
تحياتي ومودتي
انت قاص رائع ومرتب دائما ما نبحث عنة
دمت بخير
امال
كل رمضان وانت بخير
أتمنى أن أكون عند حسن الظن دائما
وشكرا من القلب على متابعتك
محمد
المبدع الكبير
الأستاذ سعيد
لا تتخيل مدى سعادتي بوجودك هنا
كل عام وانت بخير
الرائع
الأستاذ محمود
دائما يعجبني رايك ، وأثق فيه جدا
فتحيتي لك
كل رمضان وانت بخير
أشكر جدا متابعتك واهتمامك
عبد اللطيف الطيب
كل سنة وحضرتك بخير
لك جزيل الشكر لرأيك الذي يحترم ،فهو محل تقديري
محمد
صديقي العزيز / محمد البوهي
لعلّ أجمل ما في قصّتك هو المعطيات الحياتية التي رسمت بها قصّتك ، و التي هي مُعطيات كُل شخص - تقريباً - في زمننا الحالي ...
أنت تجعلنا مُعطياتك ... فترسمنا بحرفك...
قصة موجعة حد الألم ....
تقديري
أحمد فؤاد
سعدت بفراءة نص كتب بإحساس و صدق
لذلك وصل إلينا و شدتنا كلماتك منذ الحرف الأول.
تحية لقلم يسيل بهاء
أحمد فؤاد كل التحيات المباركات لك
دائما ما تبهرني بقراءاتك
الأستاذة بديعة
كم أنا سعيد لتواجدك الاول بين نصوصي ، وكما انا سعيد لانه نال اعجباك