You are here
موت يشبه المعجزة في العراق
موت يشبه المعجزة في العراق
فلاح شاكر
حتى لا اتهم بالجهل مثلما اتهمت في الاخير … اقول اني اعرف ان المعجزات هي حوادث تقع مخالفةً او خارجه عن قانون السببيه والعلةِ والمعلول وهي في العادةٍ لا تحدث الاّ نادراً وتختص باشخاص غير عاديين كالأنبياء او الأولياء …
واذا كان للقارئ
رأي اخر فهو حر بالتأكيد … والمعجزه التي اتحدث عنها اكتشفتها صدفةً … اذ
انني حين قررت ان ازور العراق – بعد غياب سنوات طويله لا مجال لشرح
أسبابها في هذه المقالة – لم تكن زيارة شوق او عمل … بل وثيقة لعينة اصرّ
على وجودها في ملفي مسؤول الهجره والاقامة في البلد الذي اعيش فيه منذ
تركت العراق … وذهبت كل تبريراتي ادراج الاذن الصمّاء بخطورة ذهابي الى
هناك وعدم وجود لي اهل او اصدقاء فأغلبهم يعشون معي … ولكن لمن تقرع
مزاميرك يا داوود ، وامام ردّه الواضح ان لم تجلب الوثيقة ستطرد من البلد
… ولا يمكن للرشوة او التوسط حل الامر فأنا اعرف منغصات قوانين هذا البلد
… لهذا ودعت الاهل ورددت الشهادة وحزمت امري … وشيئاً فشيئاً زال الخوف
عني … فالبلد ليس مثلما اراه في التلفزيونات … ربما يحدث تفجير هنا او
اغتيال هناك … ولكن العالم … الناس تعيش حياتها بشكل طبيعي … وحتى
الطوابير على البانزين شيء معتاد ، انقطاع الكهرباء لا يولد النرفزه عندهم
كما توقعت رغم حرارة الجو … وازدحام الطرق يجعل راكبي السيارات يقضون
الوقت بالحديث او الاستماع الى الاغاني واحياناً نشرات الاخبار … بل وجدت
الناس تنكت وتضحك , زال همّي واستبشرت خيراً … صحيح دفعت بضعة دولارات
رشوه لأكمال الوثيقة … ولكنها انتهت ولم يتبقَ غير توقيع المدير ثم اأخذها
صادرة وختم واغادر سالماً منعماً … زرت بلدي رغم ان الخوف قد بدد الشوق في
البدايةِ _ ولكن الان _ للأسف ظهرت مشكلة صغيره ومزعجه … الاخ الاكبر
للمدير قد مات , وهو مجاز من اجل مراسيم الفاتحة ونائبه معه تضامناً
ومساعدة . ثلاثة ايام وبعدها يوميّ العطلة … خمسة ايام من اجل توقيع هو
جزء من بعض ثوانٍ … وصار الاقتراح ان اذهب الى الفاتحة معزياً وقد اجد
الفرصة لكي اختلي بالمدير دقيقه ويوقع لي الوثيقه .وتطوع مبتسماً احد
الموظفين الشهمين … طبعاً لا يمكن ان اأخذ زهوراً للعزاء … فرغم الغربة
فانا عراقي ابأً عن جد واعرف الاصول … اخذت خروفاً ووضعناه في صندوق سيارة
الموظف الخلفي وحاولت في السيارةِ ان اختلي بنفسي واستحظر بعض لحظات الحزن
التي مرت في حياتي الطويلة … فربما دمعه او دمعتين تسقطان امام المدير …
تذكرت خروجي اول مرة من العراق … لا … هذه ذكرى بعيده لا تعيد الدموع الأن
… حاولت … واخرجني الموظف عن تحضير دمعاتي … وهو يصرخ بوجهٍ باسم … ها قد
وصلنا … كان الصيوان مليئاً بالمعزين … ازداد حرجي والموظف ينزل الخروف
ويسبقني الى الديوان … سلمت متعثراً ودمدمت سورة الفاتحةِ وجلسنا وبقيت
مطرق الرأس احاول اظهار الحزن عل وجهي ما استطعت وحين نجحت في شدّ عضلات
وجهي بكل قواي لكي تبدو عليها علامات الألم رفعت رأسي … وجالت عيناي على
الناس الجالسة فاذا بها مستبشرة … بل يكاد الفرح ينطق من علائم الوجوه …
وخنقني التعجب … ما الذي يحدث ؟! … هل اخطأنا المكان … لا القرأن اسمعه من
مكبرات الصوت … هل كان شقيق المدير ظالماً أو … وان يكن فالناس لا تظهر
فرحها في عزاء قوّاد وليس شقيق المدير … هل تغيرت تقاليد البلد … مستحيل …
فلا زال العراق عراق والعرب عرباً … يعتاشون على الدموع …ولا يمكنني ان
اكذّب قنوات تلفزيونات الأرض كلها وهي تستعرض مآسينا واللطم على الاموات …
ولكن الموظف يجلس بجانب رجل ويشير بالكلام ألي … اذن هو المدير … الشقيق
الصغير للميت … تبدو على وجهه علامات الرضا والسرور نظر نحوي … ثم اشار
الي … وبتردد وقد تلعثم عقلي اتجهت نحوه … فأذا به يوقّع على الوثيقه التي
فرشها امام يديه الموظف … لحسن حظك انك جئت في يوم معجزه ولا يمكن ان ارد
طلباً … لا اذكر ان شكرته ام لا … وحين خرجنا طفر السؤال كالأنفجار من فمي
نحو الموظف :ما الذي يحدث؟ … لماذا هم فرحون بموته فنظر ألي الموظف
بأحتقار لم اعهده منذ الرشوة الاولى … وقال ساخطاً : مع احترامي … أي غبي
انت … الا تلاحظ المعجزه التي حدثت في العراق الجديد … لقد مات شقيق
المدير ميته طبيعيه
05/07/2006 - 18:44
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
و أعيش عيشة طبيعية
كما قال أحد أصدقائي " نريد أن نكون من الرجال الطبيعيين "
نحن يا سيدى "لا طبيعيون" حتى فى "طبيعيتنا"
تكتب هذا النص قبل ساعات من قتل اخيك
ياعالم
ياناس
ياشرفاء
في البصرة
قتلوا الانسان كله
قتلو اليوم وقبل ساعات
صاحبك
صاحبنا
عبد شاكر
انا لله وانا اليه لصاحون
بعد ساعات من كتابتك لهذا النص
قتلوا اصبعك الذي تكتب به
ياناس
ياعالم
يااحمد يايحيى
يااحبتي
قبل ساعات
في البصرة
قتلوا الانسان كله
قتلو صاحبي وصاحبكم
قتلوا عبد شاكر
انا لله وانا اليه لصارخون
فلاح شاكر
بكل نفس متألمة وكل حرف مرتعش وكل كلمة مختنقة وبنض قلب موجوع مما يراه كتبت اواسيك ولا ادرى كيف تكون المواساة
فالغالى الفقيد عند الله ينعم فى جناه .... وترك لنا ثأر مماته من كل ماكر وغدار
فاعلم يا اخى ان بعد السواد لابد ان يأتى نهار ويتحرر كل قلب قتل من عذاب الفراق
فلا اقدر الان غير ان اقول الصبر لله وهو قادر ان يمنحك اياه
ان لله وان اليه راجعون
اختك / دعاء