You are here

الصفحة الرئيسية

ناظر للوطن




ناظر للوطن
محمد سامي البوهي



وقف بالشرفة المطلة على ساحة المدرسة , قلب نظره الحاد بيننا , أعلنت الهيبة عن وجوده , اعترض ببصره عقارب ساعة اليد , أعطى الإشارة للساعي بدق عنق الجرس , أقيمت الهياكل الأولية لصفوف الطلاب بعد عناء المدرسين ,وقف رؤساء الصفوف على روءوس صفوفهم , يعدلون من إعوجاجها نحو الإستقامة , يتأكدون من خلو الممرات البينية من الحقائب الضالة , لحظات لم تطل كثيراً , أصبحت خلالها ساحة المدرسة أشبة بكتيبة عسكرية ,الجميع يختلسون النظرات من الشرفة القائمة فوق رقابهم , يحاولون إجتذاب الرضا من الرقيب العتيد , يتابع تحركاتهم بدقة خارقة , لا يتهاون مع أي خلل يصل إلى حدود شعوره , ينطلق من هدوئه الصارم مندداً بالمتسبب في هذا الخلل , دون أن يبني مسافات بين طالب أو مدرس , كان يحمل دائماً الحزن بعينيه , هاجر به من وطنه إلى هنا , تمسك لسانه بلهجة بلاده التى تميزه , جاء ليغرس بذور رسالته من جديد بأرض غير أرضه ,بعد أن ترك خلفه جثثاً لأشجار وارفة تأكل من جذورها أقوام لا ترحم ,كان يعلمنا كقائد يعد جنوداً لمهمة حربية , يبدى اهتماماً زائداً بحصص التربية الرياضية , يتطفل بمعلوماته الثرية على مدرسي التاريخ , يصرخ فينا عندما تنهشنا موجات البرد الصباحية : لا تنكمشوا على أنفسكم كالدجاج , تعلموا الجَلد يا خير أجناد الأرض . كنا نشعر بأنه يستأمننا على أمل دفين داخله , فتتضارب مشاعرنا نحوه بين الحب , الهيبة ,أو الخوف , يعرف كل طالب تحيط به أسوار المدرسة , يحفظ أسمائنا كأنه هو من أختارها لنا ,يلقي بها بسطوته الجياشة علينا بأرض الطابور , يتعالى نداء مدرس التربية الرياضية نحونا , بجودة أداء التمارين الصباحية ؛ مد...ثني ..واحد.. اثنان.. ثلاث.. أربع.. كل مدرس يحفر له مكاناً أمام صفه , لا يلتفت عنه أبداً , خشية من خطأ آت ٍ يدر عليه بوابل محموم ,وسط هذه الموجة العاتية , تتعالى صيحات مدرس التربية الرياضية أكثر فأكثر كلما تحسس وخزات الشرفة خلفه , ينتهي بالتمارين الحامية عند نقطة النظام: "مدرسة صفا , مدرسة انتباه ... قف ثابتاً ",ينظر ناحية الشرفة في انتظار جرعة الرضا , يسلم طقوس الطابور لبرنامج الإذاعة المدرسية الذي يدخلنا في دائرة أخرى من ؛ قرآن كريم , أحاديث دينية تعج وسط الصمت , مسابقة في المعلومات , أحداث جارية , تعليمات الإدارة اليومية , يأتي الختام بلحظات نقضيها بين الصخب , الشجون , نترقب الإنطلاقة بأنشودة مجد البلاد , تأخذنا الأعناق للتعلق بالراية الشامخة , ُتصلب الأجساد حول نفسها ,و ُتشد الأكف بالأصابع , يجوب بنظراته يتفحص الوجوة الشاحذة للسكون, يتوغل بنظرةٍٍٍ حانية لأعماق الراية الملونة بخليط التاريخ , يخرج علينا مدرس التربية الرياضية بصيحته المفاجئة بالاستعداد لإلقاء التحية , و قبل أن تهتزالساحة بحياة الوطن, نحتسي أنفاسانا اللاهثة بنظرة للشرفة الخاوية كعادتها بنفس اللحظة من كل يوم.


محمد سامي البوهي
قاص وصحفي مصري
صورة محمد سامي البوهي
القسم: 

التعليقات

 
محمد ... بأسلوبك الجميل أخذتنى الى عالم هذا الناظر الرائع
شدته .. هدؤه .. ثباته .. قوته .. هيبته .. أحساسه النبيل
الذى يأبى ان يرى تحية علم غير علم وطنه
تحياتى لك ... وشكرى وتقديرى على أعمالك الرائعة

دعاء
dodo_nomercy
صورة dodo_nomercy

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 1 عضو يتصفح الموقع

أحدث التعليقات