ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ومضات الحمراء المستديرة.. والنوع الأدبي الجديد
- سماء العراق .. هل عادت إلي أهلها ؟
- إنسان العولمة في "مثلث العشق"
- القصة القصيرة في زمن الرواية
- هل القصة القصيرة في أزمة ؟
- شوكة في القلب
- طارق إمام ... بين القتلة والأرملة
- هدوء القتلة .. بحثا عن الفردوس المفقود
- بواكير الرواية العربية
- ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
- لذات الجزار السرية
- جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
- الصبار ينمو فى مرايا الروح
- خور الجمّال ... رحلة الزمان عبر المكان
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 1 /2
- صندوق جدتي
- الفراشة
- القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
- تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
- في بعض اللحظات .. الموت هو الخلاص ..عند الغيطاني
- الأحلام المحبطة في .. قرن غزال
- هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
- الرواية ديوان العرب
- الرواية وتغيرات المجتمع
- نجيب محفوظ شاهد علي العصور
- المرآة
- رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـ خالتي صفية والدير .. 2 /3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـــ زينب و العرش 1 / 3
- الرواية و النكسة 2 / 2
- الرواية و النكسة 1 / 2
- قراءة في مجموعة ( عطش الماء ) للقاص / سمير الشريف ( أحد كتاب الورشة )
- قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
- التداوي بالحب .. في القلاع الضامرة
- قصة الورشة القصيرة .. في عام
- قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً
- والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
- ليس دائما يعمل .. قانون الوراثة
- ذاكرة إبتسام التريسي
- نقرات الزمن في ..... نقرات الظباء
- دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )
- بمناسبة الحياة ..
- عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
- الواقع والمتخيل في .. عمارة يعقوبيان
- العابثون في الملاعب المفتوحة
- السحر الأسود .. يكفن الحاضر
- رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
نجيب محفوظ شاهد علي العصور
الثلاثاء, 09/25/2007 - 20:30 | شوقي عبد الحميد يحيي

نجيب محفوظ شاهد على كل العصور
شوقي عبد الحميد يحيى
إذا كان المؤرخ السياسي يعتني بالدرجة الأولى بالحركة السياسية
وتطوراتها.. أسبابها ونتائجها... والمؤرخ الاجتماعي إن صح التعبير – يعني
بالدرجة الأولى بالتطورات والانقلابات في السلوك، فمما لا شك فيه أن نجيب
محفوظ قد جمع بين الاثنين – ليس بالدرجة الحرفية وإنما بمعنى ما.. فقد عنى
نجيب محفوظ طوال مسيرته بالجانبين معا حتى يمكن القول بارتياح أن نجيب
محفوظ ليس شاهدا على العصر فقط ، وإنما شاهدا على العصور.
فإذا كانت الثلاثية (بين القصرين – قصر الشوق – السكرية)، قد تناولت حياة ومسيرة الشعب المصري فيما قبل 1952- وبالدرجة الأولى ثورة 1919، وآثارها الممتدة وانعكاساتها على حركة الشعب المصري – فإن أولاد حارتنا... إلى جانب الرؤية الإنسانية الأشمل – يمكن بشكل ما النظر إليها من الجانبين السياسي والاجتماعي لبدايات الخمسينيات وما حدث فيها برؤية أشمل، حيث يمكن النظر إليها باعتبارها تعبر عن غياب الديمقراطية وتسلط الجالس فوق القمة المؤثر في المصائر بأصابع لاعب العرائس.. فهو الغائب الحاضر... غير الموجود .. المؤثر.. وهو ما يعبر عن شخصية – جمال- والتي أفصح عنها نجيب محفوظ فيما بعد في عدد الأعمال الأخرى التي تستمر حتى قشتمر في عام 1988 مرورا بـ (اللص والكلاب) التي تتشابه إلى حد كبير مع (أولاد حارتنا)، سواء في الرؤية الفلسفية أو غياب الحاضر المؤثر رغم عدم وجوده حيث يمكن القول أن الجبلاوى في أولاد حارتنا هو ذاته الأب في الطريق ، هو أيضا صاحب السلطة الموجودة المؤثر بدون وجود، هو من بيده إسعاد الآخرين ولكنه غائب تائه في ملذاته ونزواته ورحلاته – كما يشير إلى ذلك حديث المحامي وصابر في نهاية الرواية.. ومرورا بـ (ثرثرة فوق النيل)، والتي تعبر عن حال المصريين في فترة الستينيات وما كانوا يعيشونه من وهم السكر وغياب الحقيقة.. و(ميرامار) والتي تعبر عن ظهور مجموعة المنتفعين بالثورة وأثرهم على سير الحياة في مصر الستينيات أيضا، ومن قبلها كانت (اللص والكلاب) والتي تعبر عن الهوة التي وقع فيها المصريون في الستينيات كذلك بين الحقيقة والمثال ، بين الشعار والواقع ، ثم تأتي (الكرنك) والتي تركزت علي سمي بمراكز القوى وشيوع سياسية زائر الفجر والاعتقالات في الستينيات وأيضا – التي أدت بصورة مباشرة من بين ما أدت إلى نكسة 5 يونيو 67 – وهي موضوعنا بالدرجة الأولى.
مسيرة الثورة وانحرافاتها:
من الواقع المسلم به أن 5 يونيو لم يكن وليد يوم وليلة وإنما نتاج مسيرة طويلة وأسباب عديدة سبقتها كانت بمثابة الأسباب وكانت النكسة هي النتائج وقد تناول نجيب محفوظ هذه الأسباب في أكثر من عمل بدأت ب (أولاد حارتنا) بصورة غير مباشرة ، وما بعدها بصورة مباشرة ، كما تبدأ مسيرة الأسباب من يوليو 52 وكيف استقبلت بالفرح والأمل الذي سرعان ما خاب تحت وطأة الانحرافات التي شابتها وحادت بها عن جادة الصواب، مثلما حدث بعد ثورة 19 والتي يراها نجيب محفوظ ، هي بداية الانطلاقة الحقيقة لمسيرة مصر فيما بعد حيث سادت الصراعات التي ولدت الحاجة إلى ثورة جديدة فيقول في (قشتمر):
(... انهمرت على ركن قشتمر الأخبار المثيرة ، مصرع أحمد ماهر، حرب فلسطين ، مصرع النقراشي ، الحرب بين إبراهيم عبد الهادي وبين الإخوان ، عودة الوفد ، حريق القاهرة ، كتب علينا أن نعايش الهموم ونتجرع الأحزان ونكظم الغضب ، أو نزفر سمرا ونكاتا ونوادر هزلية...)، ص97.
وتنطبق الجملة الأخيرة مع ما حدث بعد 5 يونيو أيضا كما سنرى فيما بعد .
وسط هذه الأحزان والهموم ينبثق فجر 23 يوليو كالقشة تظهر للغريق. في قشتمر أيضا :
(.. ونحن على حال كئيبة من المرارة والسخرية والتقزز، هلَّ علينا يوم 23 يوليو كالسحر المبين ، شملتنا صحوة طاغية وتتابعت الحوادث كالأحلام، فرحل الملك والإقطاع والألقاب وبرز الفقراء ، والضائعون من القاع فتربعوا على العرش ، وأصبح كل مستحيل ممكنا ، ولم يعد لنا من حديث في ركننا العتيد بقشتمر إلا حديث الحركة المباركة.. ثم.
(... وانطلق قطار الثورة من محطة إلى محطة ، يحقق انتصارات لا حصر لها ، ويذلل العقبات ويطوى التحديات..)، ص104 – 105.
ويغمر الإحساس بالنشوة القائمين على الحركة المباركة ويأخذهم الزهو فتبدأ الانحرافات من مجموعة المنتفعين بحجة الحفاظ على الثورة ، فتتقلب أول ما تتقلب على أقر ب المقربين منها ومن كان لهم دور في إنجاحها.. تبدأ الانقلاب على الإخوان.
(... وظن جدى يوما أنه صاحب الثورة باعتباره أخوانيا.. فلما انقلبت الثورة على الإخوان قبض عليه فيمن قبض عليهم وقدم إلى المحاكمة....) ، ص106.
ويرى نجيب محفوظ أن العيب لم يكن في الثورة كثورة.. وإنما في القائمين عليها:
(.. المسألة واضحة كالشمس، مجموعة من الفقراء ثارت على الأغنياء لتنهب أموالهم وترمي إلى الشعب الفتات...)، ص108.
ويقول إسماعيل في ص 109(.. إنها ثورة ذات أهداف جليلة ولكن القدر عهد بها إلى شلة من قطاع الطرق... ),
وتبدأ الهوة في الاتساع بين الحلم والحقيقة.. بين المثال والواقع.. فيقدم نجيب محفوظ (اللص والكلاب) في عام 1961، فيقدم أحد المنتفعين بالثورة ممثل الأفكار (رؤوف علوان) في مواجهة أفكاره المتجسدة في (سعيد مهران) ابن البواب الذي يتبناه رؤوف علوان – فكريا – فيرتد أول ما يرتد عليه.. يفقد سعيد مهران الثقة بعد أن يقع فريسة الخديعة بين أقرب رجاله وزوجته التي كانت تمثل له الحب الكبير فيزجان به إلى السجن وليخرج من السجن ليجدهما قد تزوجا فينهار أول حلم ويتكشف له أول وهم فيلجأ إلى رؤوف علوان.. الصحفي الذي صنعته الكلام.. فيراه شخصا آخر غير الذي كان قد أحبه.. يتنكر له.. وما سعيد مهران إلا أفكار رؤوف علوان المتجسدة ) ، (.. ما حياته إلا امتداد لأفكار هذا الرجل ) ، ويقول سعيد مهران في منولوجه :-
(... هذا هو رؤوف علوان، الحقيقة العارية، جثة عفنة، لا يواريها التراب... ) .
ثم :-
(.. تخلقني ثم ترتد ، تغير بكل بساطة فكرك بعد أن تجسد في شخصي كما أجد نفسي ضائعا بلا أصل وبلا قيمة وبلا أمل...)، ص49.
ويتجسد فكر نجيب محفوظ الذي يظهر في أكثر من عمل ويتبلور في تقرير مباشر ينطق به رؤوف علون في أحد دروسه لسعيد مهران والذي يتمثل في كيفية الخلاص من الماضي والنظر إلى المستقبل تلك الرؤية التي تبتدئ في نهايات (أولاد حارتنا) وفي (الكرنك)، فيقول رؤوف علوان لسعيد مهران :-
(... سعيد ، ماذا يحتاج الفتى في هذا الوطن ؟ ثم أجاب غير منتظر جوابه "إلى المسدس والكتاب ، المسدس يتكفل بالماضي والكتاب للمستقبل، تدرب وأقرأ...) ص64.
يقول علوان لراندة في ( يوم قتل الزعيم ) :-
(... هل ينفعنا قتل مليون ؟ فقالت ضاحكة : قد ينفعنا قتل واحد فقط.. ) ص 24 في إشارة إلى زعيم الانفتاح والمعنى به السادات ، وقد حاول سعيد مهران أن يعمل بالوصية ، أن يتخلص من الماضي بالمسدس ، فحاول التخلص من زوجته الخائنة نبوية وفشل وحاول التخلص من رؤوف علوان ذاته أيضا لكنه كذلك فشل فلم يكن الماضي المقصود قد انتهى حتى كتابه (اللص والكلاب) .
وفي حالة من اليأس في التخلص من الماضي يلجأ اليائس إلى المخدرات يلجأ إلى التوهان فيقدم نجيب محفوظ (ثرثرة فوق النيل) في عام 1966 لكنه التوهان اليقظ فيلتقي نخبة ممثلة لقطاعات عديدة ، كما هو أسلوب نجيب محفوظ في غيرها من الأعمال ـ فوق عوامة فوق النيل.. وقد جاء اختيار العوامة موفقا إلى حد كبير في التعبير عن عدم الثبات والعوم فوق المياه ، فوق عوامة تمسكها الحبال التي ما أن تنقطع حتى تغرق العوامة مثل ما حدث في عوامة قريبة من تلك العوامة التي يجلسون عليها – يدور الحوار الذي يلجأ إليه – أيضا – نجيب محفوظ للتعبير عن المباشرة والمواجهة ، يهذي المجتمعون بهذيان هو قمة الصحيان والفوقان، يفلسفون الأوضاع ويحللون المجتمع ، فيؤرخ نجيب محفوظ تأريخا اجتماعيا وسياسيا لفترة الستينيات، وتبدأ دائما بالقمة ، تبدأ بالزعيم في محاولة للإسقاط غير المباشر.
كما أن العمل بإجماله إسقاط غير مباشر، فنجد:
(... وقال لنفسه أنه لم يكن عجيبا أن يعبد المصريون فرعون ولكن العجيب أن فرعون آمن حقا بأنه إله...) ص21 بعد أن كان الفرد قد تربع على العرش وبدأ إحساس النشوة بالزعامة، ويستدعى أنيس – ولي النعم والمهيمن على السلطنة في العوامة – يستدعى (أيبو - ور) الحكيم القديم ويقول له:
(.. حدثني ماذا قلت لفرعون.. أقبل الحكيم "أيبو ـ ور" وهو ينشد : إن ندماءك كذبوا عليك.. هذه سنوات حرب وبلاء..).
قلت اسمعنى مزيدا أيها الحكيم فأنشد:
ما هذا الذي حدث في مصر.. إن النيل لا يزال يأتي بفيضانه
إن من كان لا يمتلك أضحى الآن من الأثرياء .
يا ليتني رفعت صوتي في ذلك الوقت .
قلت ماذا قلت أيضا أيها الحكيم "أيبو ـ ور" ؟ فقال :
لديك الحكمة والبصيرة والعدالة.. لكنك تترك الفساد ينهش البلاد.
أنظر كيف تمتهن أوامرك ، وهل لك أن تأمر حتى يأتيك من حدثك بالحقيقة...) ص120 .
ولكن جلسة التوهان مع المخدرات ليست سلبية كما قد يظن ، لكنها تحمل في طياتها الدعوة إلى الفعل ، إلى الحركة إلى نقض السلبية وضرورة فعل شيء ، وكأنها تدعو إلى حمل مسدس سعيد مهران للتخلص من الماضي، فتسأل سناء الرشيدي- الطالبة بقسم التاريخ بكلية الآداب والمنضمة إلى مجموعة العوامة :
(.. ألا تخافون البوليس ؟ فيرد على السيد :
- لأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأمريكان والظاهر والباطن فقد انتهى بنا الأمر إلى ألا نخاف شيئا) ص34.
وفي أحد شطحاته يقول أنيس:
(.. وقد قال العلم في النجوم كلمته ولكن ما هي الحقيقة إلا أفراد عالم آثروا الوحدة فتباعدوا عن بعضهم آلاف السنين الضوئية فيا أي شيء أفعل شيئا فقد طحننا اللاشيء.....) ص35.
وكما لو كان نجيب محفوظ قد وجد أن ثورة التوهان غير المباشرة في ثرثرة فوق النيل لم تثمر ثمارها أو لم تصل كما أرادها في عام 1966، فقدم في عام 1967 ثورة أخرى أكثر مباشرة ووضوحا في "ميرامار" .
ففي بنسيون (ميرامار) يجتمع أيضا مجموعة من النوعيات والأعمار المتباينة يمكن أن تشكل فئات المجتمع ، وقدم إلى البنسيون ( زهرة ) الفلاحة التي أتت لتعمل بالبنسيون جميلة يتطلع إليها الجميع حتى يمكن أن يقال أن نجيب محفوظ أرادها مصر الثورة التي يتطلع إليها الجميع ويشتهيها الجميع لكن لم ينل منها غير سرحان البحيري المنتفع الأول بالثورة والذي يلقي حتفه في النهاية وظن أحد الشبان في البنسيون (منصور باهي) والذي يمثل الجيل المعتدل والمثقف الحق لكنه متردد ، سلبي يظن أنه هو قاتله انتقاما لزهرة التي خدعها ونال منها ثم غدر بها – رغم أنها حبه الحقيقي الأوحد – لكن مصلحته الشخصية فوق الحب وفوق كل اعتبار.
فيقول سرحان البحري عن نفسه في ليلة أم كلثوم:
(.. أدركت بالغريزة أنن ممثل الثورة ، مع احتمال مشاركة منصور في ذلك...
ولمحت زهرة فقلت لنفسي أنها ممثلة الثورة الأولى ، وتذكرت كيف دعت لها أمامي وكيف لفحني صدق الدعاء وحماسه البريء ، ترى أيرتاب منصور باهي في صدقي ؟ يا صاحبي إني بطبعي عدو أعداء الثورة ألا تفهم؟ فإني من الموعودين ببركاتها ألا تفهم ؟...) ص225.
ومن ثنايا المجموعة تخرج الرؤى حول الثورة وأفعالها فيقول طلبة مرزوق الذي استولت الثورة على أراضيه :
(.. لقد سلبت البعض أموالهم وسلبت الجميع حريتهم.... ) ص56 .
وحول سلب الحرية وما أوقعته من الخوف في نفوس الجميع من أحداث التجسس كل على الآخر وخوف كل من الآخر يقول حسني علام :
(.. وإذن فلا يوجد إنسان عادي في هذه الدنيا اللعينة كذلك لا يوجد فرد واحد غير متحمس للثورة ، حتى طلبة مرزوق ، حتى حضرتي علينا بالحذر ، سرحان منتفع ومنصور غالبا مرشد ، حتى العجوز فمن يدري ، والمدام نفسها ، لا يبعد تكلفها جهات الأمن بنوع من المراقبة...) ص100.
ويحول الخوف الحياة إلى جحيم.. فتصبح الفترة أشبه بنار الآخرة ـ وفي أحد الحوارات نجد :
(... إذن فأنت لا تؤمن بوجود الجنة والنار؟
- الجنة هي المكان الذي يتمتع فيه الإنسان بالأمن والكرامة ، أما النار فهي ما ليس كذلك...) ص226 .
إلا أن نجيب محفوظ لا يدع أن الحياة كلها يأس ، بل يجد الأمل من خلال اليأس.. وكلما اشتدت الأزمة وجدت انفراجة - انفراجة على يد من لابد موجود فبعد أن يغرر سرحان البحيري بزهرة ثم يغدر بها.. وبعد أن تبين حقيقة تدبيره لسرقة كبيرة كان يخطط لها.. ينتحر سرحان البحري الذي أحبته زهرة ووضعت فيه آمالها، يدعوها الصحفي العتيد والخبرة والحنكة ، يدعوها ليؤكد لها أن الحياة لم تنته بموت سرحان وإنما:
(.. مهما يكن من مرارة التجربة الماضية فإن تغيير مرارتها من طبيعة الأشياء ، ستظل أمانيك المنشودة هي العثور على ابن الحلال وستجدين ابن الحلال الجدير بك.. أنه موجود الآن في مكان ما ولعله يتحين اللحظة المناسبة.. ) ص274 ، وكأنه يؤمن بضرورة وجود البطل المخلص في مكان ما وسيظهر في يوم ما.
النكسة:
إذا كانت أمراض الثورة قد ترددت في مواقع كثيرة من أعمال كثيرة لدى نجيب محفوظ ، فإنه يمكن القول أنه قد جمع هذه الأمراض جميعها في الكرنك التي تركزت بالدرجة الأولى حول أعمال الاعتقال وما أدى إليه من تحطيم النفس البشرية وإهدار لآدمية الإنسان ، كان لابد لها من لطمة عنيفة توقط تيار اللاوعي واللاشعور التي يعيشها الإنسان المصري، توقظه من غمرة أحلامه التي طالت ، فكانت النكسة هي النتيجة الطبيعية لكل هذه التجاوزات ، وتمثل (الكرنك) مسيرة الحياة السياسية في مصر منذ 1952، وحتى 1967.
فعن الاعتقالات يدو حوار في مقهى الكرنك:
(.. الاعتقالات فعل مخيف حقا..
- وما يقال عما يقع للمعتقلين أفظع.
- شائعات يقشعر منها البدن.
- لا تحقيق ولا دفاع.
- لا يوجد قانون أصلا.
- يقولون أننا نعيش ثورة يستوجب مسارها تلك الاستنثاءات.
- وأنه لابد من التضحية بالحرية والقانون ولو إلى حين .
- ولكن مضى على الثورة ثلاثة عشر عاما أو يزيد فآن لها أن تستقر على نظام ثابت...) ص21.
وبالطبيعة تؤدي الاعتقالات إلى تخريب النفس وخواء الروح:
(... وعجبت لحال وطني ، وأنه رغم انحرافه يتضخم ويتعظم ويتعملق يملك القوة والنفوذ يصنع الأشياء من الإبرة إلى الصاروخ ، يبشر باتجاه إنساني عظيم ، ولكن ما باله الإنسان نفسه يتضاءل وتهافت حتى صار في تفاهة بعوضة ، ما باله يمضى بلا حقوق ولا كرامة ولا حماية، ما باله ينهكه الجبن والنفاق والخواء...) ص31 – 31.
فما يحدث في المعتقلات لابد أن يزرع الخوف والجبن والنفاق..تلك أمراض الاعتقالات – الأمر الذي يؤدي إلى التحسب في الحديث حتى في الجلسات الخاصة .
(... إذا دعت ضرورة إلى الخوض في موضوع وطني فلنتكلم متخيلين أن السيد "خالد صفوان" يجالسنا.....) ص36، ومما يزيد الأمر سوءٌ أن الاعتقالات تختص بالدرجة الأولى أصحاب الرأي وكأنما تريد الجميع تطيع كالأنعام الصامتة :
(.. ألطاف الله ، إن الآلة الجهنمية تطحن أول ما تطحن أصحاب الرأي والإرادة.. فماذا يعني هذا؟...) ص37 ، ويؤدي ما يحدث في المعتقلات إلى فقدان الروح التي تلخصه قرنفلة في قولهاعن حبيبها حلمي حمادة بعد العودة للمرة الثانية من المعتقل :
(... لقد فقد القدرة على السعادة !...) ص38.
ووسط هذه الأجواء تقع الواقعة.. يهتز المجتمع بأسره وكأن زلزالا عنيفا قد رجهم فكشف ما كان مستورا وأبان ما كانوا مخبوءا.. شف الأقنعة وأعلن الحفلة التنكرية :
(وبدأت أدرك أن الصراع ليس صراعا وطنيا خالصا ، وأن الوطن ينزوي حتى في أشد أحوال المحن ، في خضم صراع آخر ، يحتدم حول المصالح والعقائد...
ثم:
فإذا بيوم 5 يونيو يستوي في التاريخ هزيمة لقوم من العرب ونصر لقوم آخرين منهم أيضا، وأنه جاء ليهتك الستر عن حقائق ضاربة وليعلن حربا طويلة المدى...) ص43.
وتبدأ الإفاقة بعد النكسة فيكتشف إسماعيل الشيخ الذي قامت الثورة وهو ابن ثلاثة أعوام فهو ابن من أبناء الثورة بكل معنى الكلمة وأحد المتحمسين لها :
(.. وقد عشت دهرا وأنا أظن أن تاريخ مصر يبدأ بالثالث والعشرين من يوليو، ولم أتجه للبحث عما وراء ذلك إلا بعد النكسة...) ص51.
فقد تنكرت الثورة لكل ما كان قبلها يبدأ إسماعيل الشيخ في مراجعة تاريخ مصر قبلها، فبعد أن يروي عن مرارات الاعتقال والتنكيل به أمام خال صفوان لأن اسمه أدرج ضمن الإخوان لأنه تبرع بقرش لإحدى الجمعيات فيقول عن فترة ما قبل الثورة (.. لا أخفي عنك أني أعجبت بقوة المعارضة وحريتها وبالدور الذي لعبه القضاء المصري، لم يكن العهد شرا خالصا وكان به عناصر فكرية جديرة بالاستمرار والنمو والازدهار، وكان التنكر لها من أسباب نكستنا...) ص64.
ثم يقول بعد وقوع النكسة أيضا: (... وانعقد الإجماع على أننا كنا نعيش أكبر أكذوبة في حياتنا...) ص77.
وبعد وقوع الواقعة تتبادل المواقع.. يخرج المعتقلون ويدخل خالد صفوان إمبراطور المعتقل مكانهم يقضي فترة العقوبة ، ثم يخرج يلتقي في الكرنك بأهل الحارة ، يتبادل معهم الأحاديث ، ويلخص التجربة في عدة نقاط :
(... أولا: الكفر بالاستبداد والدكتاتورية.
ثانيا : الكفر بالعنف الدموي.
ثالثا : يجب أن يًطّرد التقدم معتمدا على قيم الحرية والرأي واحترام الإنسان وهي كفيلة بتحقيقه .
رابعا : العلم والمنهج العلمي هو ما يجب أن نتقبله من الحضارة الغربية دون مناقشة .
أما ما عداه فلا نسلم به إلا من خلال مناقشة الواقع متحررين من أي قيد قديم أو حديث...) ص115.
- ويلاحظ أن البند الرابع هو خلاصة أولاد حارتنا – وبذلك تكون الكرنك هي صرخة احتجاج على فترة ما قبل النكسة : الاعتقالات – التعذيب – سحق الإنسان وإهدار كرامته – الصراعات الشخصية قبل اهتمامات الوطن، كل ذلك من الأسباب التي أدت من بين ما أدي إلى وقوع النكسة .
أما خلاصة التجربة والحكم على الفترة الذي ورد على لسان خالد صفوان بالذات فهو مثار التساؤل فأن ينقلب الجلاد إلى حكيم حتى لو كان قد أمضى فترة السجن ثلاث سنوات فأعتقد أنها غير مقنعة.
كما أن استقبال أهل الكرنك لخالد صفوان فلم يكن به الانفعال الكافي ولا مرارة الفقد والخسارة خاصة من جانب من ذاقوا مرارة أساليبه أو اكتووا بلهيب ألاعيبه التي أدت إلى فقدان حلمي حمادة بعد أبشع أساليب التعذيب فكيف تستقبله قرنفلة الفاقدة لعزيزها .
إلا أنه رغم ذلك فإنه يلاحظ أن الكرنك قد انتهت كتابتها بنهاية ديسمبر 71، أي قبل حرب 73 أو السلام ، فيكفيها أنها تحدثت وتنبأت بالعلاقة مع كل من أمريكا وروسيا ، وكيف أن الحل في يد أمريكا وهو ما تم بالفعل فيما بعد، وكذلك تفكير قرنفلة الراقصة السابقة المعتزلة وغير المتعلقة في كتابة مذكراتها التي ستقيم الدنيا لما بها من فضائح الكبار، وهو أيضا ما تم بالفعل في الواقع العملي بعد ذلك حيث كتبت اعتماد خورشيد مذكراتها التي أحدثت دويا لما بها من فضائح الكبار.
استمرار المسيرة:
وتستمر مسيرة نجيب محفوظ الإبداعية الانتقادية فيقدم بعد ذلك (يوم قتل الزعيم) كاشفا سوءات الانفتاح في عهد السادات ثم يختتم أعماله الروائية بـ " قشتمر" والتي تعتبر كناسة الدكان فيشهد فيها على العصور المتتالية... عصر ثورة 19 ومسيرة سعد زغلول ومصطفى النحاس ثم عصر ما بعد 23 يوليو وحتى النكسة ثم عصر السادات وما شابه من الانفتاح ثم عصر مبارك ، وليظل عمره المديد من بين حواري وأزقة الشارع المصري مستشفا أحاسيسه مستنبضا دقاته واعيا لمسيرته.
شوقي عبد الحميد يحيي
em : shyehia@yahoo.com
فإذا كانت الثلاثية (بين القصرين – قصر الشوق – السكرية)، قد تناولت حياة ومسيرة الشعب المصري فيما قبل 1952- وبالدرجة الأولى ثورة 1919، وآثارها الممتدة وانعكاساتها على حركة الشعب المصري – فإن أولاد حارتنا... إلى جانب الرؤية الإنسانية الأشمل – يمكن بشكل ما النظر إليها من الجانبين السياسي والاجتماعي لبدايات الخمسينيات وما حدث فيها برؤية أشمل، حيث يمكن النظر إليها باعتبارها تعبر عن غياب الديمقراطية وتسلط الجالس فوق القمة المؤثر في المصائر بأصابع لاعب العرائس.. فهو الغائب الحاضر... غير الموجود .. المؤثر.. وهو ما يعبر عن شخصية – جمال- والتي أفصح عنها نجيب محفوظ فيما بعد في عدد الأعمال الأخرى التي تستمر حتى قشتمر في عام 1988 مرورا بـ (اللص والكلاب) التي تتشابه إلى حد كبير مع (أولاد حارتنا)، سواء في الرؤية الفلسفية أو غياب الحاضر المؤثر رغم عدم وجوده حيث يمكن القول أن الجبلاوى في أولاد حارتنا هو ذاته الأب في الطريق ، هو أيضا صاحب السلطة الموجودة المؤثر بدون وجود، هو من بيده إسعاد الآخرين ولكنه غائب تائه في ملذاته ونزواته ورحلاته – كما يشير إلى ذلك حديث المحامي وصابر في نهاية الرواية.. ومرورا بـ (ثرثرة فوق النيل)، والتي تعبر عن حال المصريين في فترة الستينيات وما كانوا يعيشونه من وهم السكر وغياب الحقيقة.. و(ميرامار) والتي تعبر عن ظهور مجموعة المنتفعين بالثورة وأثرهم على سير الحياة في مصر الستينيات أيضا، ومن قبلها كانت (اللص والكلاب) والتي تعبر عن الهوة التي وقع فيها المصريون في الستينيات كذلك بين الحقيقة والمثال ، بين الشعار والواقع ، ثم تأتي (الكرنك) والتي تركزت علي سمي بمراكز القوى وشيوع سياسية زائر الفجر والاعتقالات في الستينيات وأيضا – التي أدت بصورة مباشرة من بين ما أدت إلى نكسة 5 يونيو 67 – وهي موضوعنا بالدرجة الأولى.
مسيرة الثورة وانحرافاتها:
من الواقع المسلم به أن 5 يونيو لم يكن وليد يوم وليلة وإنما نتاج مسيرة طويلة وأسباب عديدة سبقتها كانت بمثابة الأسباب وكانت النكسة هي النتائج وقد تناول نجيب محفوظ هذه الأسباب في أكثر من عمل بدأت ب (أولاد حارتنا) بصورة غير مباشرة ، وما بعدها بصورة مباشرة ، كما تبدأ مسيرة الأسباب من يوليو 52 وكيف استقبلت بالفرح والأمل الذي سرعان ما خاب تحت وطأة الانحرافات التي شابتها وحادت بها عن جادة الصواب، مثلما حدث بعد ثورة 19 والتي يراها نجيب محفوظ ، هي بداية الانطلاقة الحقيقة لمسيرة مصر فيما بعد حيث سادت الصراعات التي ولدت الحاجة إلى ثورة جديدة فيقول في (قشتمر):
(... انهمرت على ركن قشتمر الأخبار المثيرة ، مصرع أحمد ماهر، حرب فلسطين ، مصرع النقراشي ، الحرب بين إبراهيم عبد الهادي وبين الإخوان ، عودة الوفد ، حريق القاهرة ، كتب علينا أن نعايش الهموم ونتجرع الأحزان ونكظم الغضب ، أو نزفر سمرا ونكاتا ونوادر هزلية...)، ص97.
وتنطبق الجملة الأخيرة مع ما حدث بعد 5 يونيو أيضا كما سنرى فيما بعد .
وسط هذه الأحزان والهموم ينبثق فجر 23 يوليو كالقشة تظهر للغريق. في قشتمر أيضا :
(.. ونحن على حال كئيبة من المرارة والسخرية والتقزز، هلَّ علينا يوم 23 يوليو كالسحر المبين ، شملتنا صحوة طاغية وتتابعت الحوادث كالأحلام، فرحل الملك والإقطاع والألقاب وبرز الفقراء ، والضائعون من القاع فتربعوا على العرش ، وأصبح كل مستحيل ممكنا ، ولم يعد لنا من حديث في ركننا العتيد بقشتمر إلا حديث الحركة المباركة.. ثم.
(... وانطلق قطار الثورة من محطة إلى محطة ، يحقق انتصارات لا حصر لها ، ويذلل العقبات ويطوى التحديات..)، ص104 – 105.
ويغمر الإحساس بالنشوة القائمين على الحركة المباركة ويأخذهم الزهو فتبدأ الانحرافات من مجموعة المنتفعين بحجة الحفاظ على الثورة ، فتتقلب أول ما تتقلب على أقر ب المقربين منها ومن كان لهم دور في إنجاحها.. تبدأ الانقلاب على الإخوان.
(... وظن جدى يوما أنه صاحب الثورة باعتباره أخوانيا.. فلما انقلبت الثورة على الإخوان قبض عليه فيمن قبض عليهم وقدم إلى المحاكمة....) ، ص106.
ويرى نجيب محفوظ أن العيب لم يكن في الثورة كثورة.. وإنما في القائمين عليها:
(.. المسألة واضحة كالشمس، مجموعة من الفقراء ثارت على الأغنياء لتنهب أموالهم وترمي إلى الشعب الفتات...)، ص108.
ويقول إسماعيل في ص 109(.. إنها ثورة ذات أهداف جليلة ولكن القدر عهد بها إلى شلة من قطاع الطرق... ),
وتبدأ الهوة في الاتساع بين الحلم والحقيقة.. بين المثال والواقع.. فيقدم نجيب محفوظ (اللص والكلاب) في عام 1961، فيقدم أحد المنتفعين بالثورة ممثل الأفكار (رؤوف علوان) في مواجهة أفكاره المتجسدة في (سعيد مهران) ابن البواب الذي يتبناه رؤوف علوان – فكريا – فيرتد أول ما يرتد عليه.. يفقد سعيد مهران الثقة بعد أن يقع فريسة الخديعة بين أقرب رجاله وزوجته التي كانت تمثل له الحب الكبير فيزجان به إلى السجن وليخرج من السجن ليجدهما قد تزوجا فينهار أول حلم ويتكشف له أول وهم فيلجأ إلى رؤوف علوان.. الصحفي الذي صنعته الكلام.. فيراه شخصا آخر غير الذي كان قد أحبه.. يتنكر له.. وما سعيد مهران إلا أفكار رؤوف علوان المتجسدة ) ، (.. ما حياته إلا امتداد لأفكار هذا الرجل ) ، ويقول سعيد مهران في منولوجه :-
(... هذا هو رؤوف علوان، الحقيقة العارية، جثة عفنة، لا يواريها التراب... ) .
ثم :-
(.. تخلقني ثم ترتد ، تغير بكل بساطة فكرك بعد أن تجسد في شخصي كما أجد نفسي ضائعا بلا أصل وبلا قيمة وبلا أمل...)، ص49.
ويتجسد فكر نجيب محفوظ الذي يظهر في أكثر من عمل ويتبلور في تقرير مباشر ينطق به رؤوف علون في أحد دروسه لسعيد مهران والذي يتمثل في كيفية الخلاص من الماضي والنظر إلى المستقبل تلك الرؤية التي تبتدئ في نهايات (أولاد حارتنا) وفي (الكرنك)، فيقول رؤوف علوان لسعيد مهران :-
(... سعيد ، ماذا يحتاج الفتى في هذا الوطن ؟ ثم أجاب غير منتظر جوابه "إلى المسدس والكتاب ، المسدس يتكفل بالماضي والكتاب للمستقبل، تدرب وأقرأ...) ص64.
يقول علوان لراندة في ( يوم قتل الزعيم ) :-
(... هل ينفعنا قتل مليون ؟ فقالت ضاحكة : قد ينفعنا قتل واحد فقط.. ) ص 24 في إشارة إلى زعيم الانفتاح والمعنى به السادات ، وقد حاول سعيد مهران أن يعمل بالوصية ، أن يتخلص من الماضي بالمسدس ، فحاول التخلص من زوجته الخائنة نبوية وفشل وحاول التخلص من رؤوف علوان ذاته أيضا لكنه كذلك فشل فلم يكن الماضي المقصود قد انتهى حتى كتابه (اللص والكلاب) .
وفي حالة من اليأس في التخلص من الماضي يلجأ اليائس إلى المخدرات يلجأ إلى التوهان فيقدم نجيب محفوظ (ثرثرة فوق النيل) في عام 1966 لكنه التوهان اليقظ فيلتقي نخبة ممثلة لقطاعات عديدة ، كما هو أسلوب نجيب محفوظ في غيرها من الأعمال ـ فوق عوامة فوق النيل.. وقد جاء اختيار العوامة موفقا إلى حد كبير في التعبير عن عدم الثبات والعوم فوق المياه ، فوق عوامة تمسكها الحبال التي ما أن تنقطع حتى تغرق العوامة مثل ما حدث في عوامة قريبة من تلك العوامة التي يجلسون عليها – يدور الحوار الذي يلجأ إليه – أيضا – نجيب محفوظ للتعبير عن المباشرة والمواجهة ، يهذي المجتمعون بهذيان هو قمة الصحيان والفوقان، يفلسفون الأوضاع ويحللون المجتمع ، فيؤرخ نجيب محفوظ تأريخا اجتماعيا وسياسيا لفترة الستينيات، وتبدأ دائما بالقمة ، تبدأ بالزعيم في محاولة للإسقاط غير المباشر.
كما أن العمل بإجماله إسقاط غير مباشر، فنجد:
(... وقال لنفسه أنه لم يكن عجيبا أن يعبد المصريون فرعون ولكن العجيب أن فرعون آمن حقا بأنه إله...) ص21 بعد أن كان الفرد قد تربع على العرش وبدأ إحساس النشوة بالزعامة، ويستدعى أنيس – ولي النعم والمهيمن على السلطنة في العوامة – يستدعى (أيبو - ور) الحكيم القديم ويقول له:
(.. حدثني ماذا قلت لفرعون.. أقبل الحكيم "أيبو ـ ور" وهو ينشد : إن ندماءك كذبوا عليك.. هذه سنوات حرب وبلاء..).
قلت اسمعنى مزيدا أيها الحكيم فأنشد:
ما هذا الذي حدث في مصر.. إن النيل لا يزال يأتي بفيضانه
إن من كان لا يمتلك أضحى الآن من الأثرياء .
يا ليتني رفعت صوتي في ذلك الوقت .
قلت ماذا قلت أيضا أيها الحكيم "أيبو ـ ور" ؟ فقال :
لديك الحكمة والبصيرة والعدالة.. لكنك تترك الفساد ينهش البلاد.
أنظر كيف تمتهن أوامرك ، وهل لك أن تأمر حتى يأتيك من حدثك بالحقيقة...) ص120 .
ولكن جلسة التوهان مع المخدرات ليست سلبية كما قد يظن ، لكنها تحمل في طياتها الدعوة إلى الفعل ، إلى الحركة إلى نقض السلبية وضرورة فعل شيء ، وكأنها تدعو إلى حمل مسدس سعيد مهران للتخلص من الماضي، فتسأل سناء الرشيدي- الطالبة بقسم التاريخ بكلية الآداب والمنضمة إلى مجموعة العوامة :
(.. ألا تخافون البوليس ؟ فيرد على السيد :
- لأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأمريكان والظاهر والباطن فقد انتهى بنا الأمر إلى ألا نخاف شيئا) ص34.
وفي أحد شطحاته يقول أنيس:
(.. وقد قال العلم في النجوم كلمته ولكن ما هي الحقيقة إلا أفراد عالم آثروا الوحدة فتباعدوا عن بعضهم آلاف السنين الضوئية فيا أي شيء أفعل شيئا فقد طحننا اللاشيء.....) ص35.
وكما لو كان نجيب محفوظ قد وجد أن ثورة التوهان غير المباشرة في ثرثرة فوق النيل لم تثمر ثمارها أو لم تصل كما أرادها في عام 1966، فقدم في عام 1967 ثورة أخرى أكثر مباشرة ووضوحا في "ميرامار" .
ففي بنسيون (ميرامار) يجتمع أيضا مجموعة من النوعيات والأعمار المتباينة يمكن أن تشكل فئات المجتمع ، وقدم إلى البنسيون ( زهرة ) الفلاحة التي أتت لتعمل بالبنسيون جميلة يتطلع إليها الجميع حتى يمكن أن يقال أن نجيب محفوظ أرادها مصر الثورة التي يتطلع إليها الجميع ويشتهيها الجميع لكن لم ينل منها غير سرحان البحيري المنتفع الأول بالثورة والذي يلقي حتفه في النهاية وظن أحد الشبان في البنسيون (منصور باهي) والذي يمثل الجيل المعتدل والمثقف الحق لكنه متردد ، سلبي يظن أنه هو قاتله انتقاما لزهرة التي خدعها ونال منها ثم غدر بها – رغم أنها حبه الحقيقي الأوحد – لكن مصلحته الشخصية فوق الحب وفوق كل اعتبار.
فيقول سرحان البحري عن نفسه في ليلة أم كلثوم:
(.. أدركت بالغريزة أنن ممثل الثورة ، مع احتمال مشاركة منصور في ذلك...
ولمحت زهرة فقلت لنفسي أنها ممثلة الثورة الأولى ، وتذكرت كيف دعت لها أمامي وكيف لفحني صدق الدعاء وحماسه البريء ، ترى أيرتاب منصور باهي في صدقي ؟ يا صاحبي إني بطبعي عدو أعداء الثورة ألا تفهم؟ فإني من الموعودين ببركاتها ألا تفهم ؟...) ص225.
ومن ثنايا المجموعة تخرج الرؤى حول الثورة وأفعالها فيقول طلبة مرزوق الذي استولت الثورة على أراضيه :
(.. لقد سلبت البعض أموالهم وسلبت الجميع حريتهم.... ) ص56 .
وحول سلب الحرية وما أوقعته من الخوف في نفوس الجميع من أحداث التجسس كل على الآخر وخوف كل من الآخر يقول حسني علام :
(.. وإذن فلا يوجد إنسان عادي في هذه الدنيا اللعينة كذلك لا يوجد فرد واحد غير متحمس للثورة ، حتى طلبة مرزوق ، حتى حضرتي علينا بالحذر ، سرحان منتفع ومنصور غالبا مرشد ، حتى العجوز فمن يدري ، والمدام نفسها ، لا يبعد تكلفها جهات الأمن بنوع من المراقبة...) ص100.
ويحول الخوف الحياة إلى جحيم.. فتصبح الفترة أشبه بنار الآخرة ـ وفي أحد الحوارات نجد :
(... إذن فأنت لا تؤمن بوجود الجنة والنار؟
- الجنة هي المكان الذي يتمتع فيه الإنسان بالأمن والكرامة ، أما النار فهي ما ليس كذلك...) ص226 .
إلا أن نجيب محفوظ لا يدع أن الحياة كلها يأس ، بل يجد الأمل من خلال اليأس.. وكلما اشتدت الأزمة وجدت انفراجة - انفراجة على يد من لابد موجود فبعد أن يغرر سرحان البحيري بزهرة ثم يغدر بها.. وبعد أن تبين حقيقة تدبيره لسرقة كبيرة كان يخطط لها.. ينتحر سرحان البحري الذي أحبته زهرة ووضعت فيه آمالها، يدعوها الصحفي العتيد والخبرة والحنكة ، يدعوها ليؤكد لها أن الحياة لم تنته بموت سرحان وإنما:
(.. مهما يكن من مرارة التجربة الماضية فإن تغيير مرارتها من طبيعة الأشياء ، ستظل أمانيك المنشودة هي العثور على ابن الحلال وستجدين ابن الحلال الجدير بك.. أنه موجود الآن في مكان ما ولعله يتحين اللحظة المناسبة.. ) ص274 ، وكأنه يؤمن بضرورة وجود البطل المخلص في مكان ما وسيظهر في يوم ما.
النكسة:
إذا كانت أمراض الثورة قد ترددت في مواقع كثيرة من أعمال كثيرة لدى نجيب محفوظ ، فإنه يمكن القول أنه قد جمع هذه الأمراض جميعها في الكرنك التي تركزت بالدرجة الأولى حول أعمال الاعتقال وما أدى إليه من تحطيم النفس البشرية وإهدار لآدمية الإنسان ، كان لابد لها من لطمة عنيفة توقط تيار اللاوعي واللاشعور التي يعيشها الإنسان المصري، توقظه من غمرة أحلامه التي طالت ، فكانت النكسة هي النتيجة الطبيعية لكل هذه التجاوزات ، وتمثل (الكرنك) مسيرة الحياة السياسية في مصر منذ 1952، وحتى 1967.
فعن الاعتقالات يدو حوار في مقهى الكرنك:
(.. الاعتقالات فعل مخيف حقا..
- وما يقال عما يقع للمعتقلين أفظع.
- شائعات يقشعر منها البدن.
- لا تحقيق ولا دفاع.
- لا يوجد قانون أصلا.
- يقولون أننا نعيش ثورة يستوجب مسارها تلك الاستنثاءات.
- وأنه لابد من التضحية بالحرية والقانون ولو إلى حين .
- ولكن مضى على الثورة ثلاثة عشر عاما أو يزيد فآن لها أن تستقر على نظام ثابت...) ص21.
وبالطبيعة تؤدي الاعتقالات إلى تخريب النفس وخواء الروح:
(... وعجبت لحال وطني ، وأنه رغم انحرافه يتضخم ويتعظم ويتعملق يملك القوة والنفوذ يصنع الأشياء من الإبرة إلى الصاروخ ، يبشر باتجاه إنساني عظيم ، ولكن ما باله الإنسان نفسه يتضاءل وتهافت حتى صار في تفاهة بعوضة ، ما باله يمضى بلا حقوق ولا كرامة ولا حماية، ما باله ينهكه الجبن والنفاق والخواء...) ص31 – 31.
فما يحدث في المعتقلات لابد أن يزرع الخوف والجبن والنفاق..تلك أمراض الاعتقالات – الأمر الذي يؤدي إلى التحسب في الحديث حتى في الجلسات الخاصة .
(... إذا دعت ضرورة إلى الخوض في موضوع وطني فلنتكلم متخيلين أن السيد "خالد صفوان" يجالسنا.....) ص36، ومما يزيد الأمر سوءٌ أن الاعتقالات تختص بالدرجة الأولى أصحاب الرأي وكأنما تريد الجميع تطيع كالأنعام الصامتة :
(.. ألطاف الله ، إن الآلة الجهنمية تطحن أول ما تطحن أصحاب الرأي والإرادة.. فماذا يعني هذا؟...) ص37 ، ويؤدي ما يحدث في المعتقلات إلى فقدان الروح التي تلخصه قرنفلة في قولهاعن حبيبها حلمي حمادة بعد العودة للمرة الثانية من المعتقل :
(... لقد فقد القدرة على السعادة !...) ص38.
ووسط هذه الأجواء تقع الواقعة.. يهتز المجتمع بأسره وكأن زلزالا عنيفا قد رجهم فكشف ما كان مستورا وأبان ما كانوا مخبوءا.. شف الأقنعة وأعلن الحفلة التنكرية :
(وبدأت أدرك أن الصراع ليس صراعا وطنيا خالصا ، وأن الوطن ينزوي حتى في أشد أحوال المحن ، في خضم صراع آخر ، يحتدم حول المصالح والعقائد...
ثم:
فإذا بيوم 5 يونيو يستوي في التاريخ هزيمة لقوم من العرب ونصر لقوم آخرين منهم أيضا، وأنه جاء ليهتك الستر عن حقائق ضاربة وليعلن حربا طويلة المدى...) ص43.
وتبدأ الإفاقة بعد النكسة فيكتشف إسماعيل الشيخ الذي قامت الثورة وهو ابن ثلاثة أعوام فهو ابن من أبناء الثورة بكل معنى الكلمة وأحد المتحمسين لها :
(.. وقد عشت دهرا وأنا أظن أن تاريخ مصر يبدأ بالثالث والعشرين من يوليو، ولم أتجه للبحث عما وراء ذلك إلا بعد النكسة...) ص51.
فقد تنكرت الثورة لكل ما كان قبلها يبدأ إسماعيل الشيخ في مراجعة تاريخ مصر قبلها، فبعد أن يروي عن مرارات الاعتقال والتنكيل به أمام خال صفوان لأن اسمه أدرج ضمن الإخوان لأنه تبرع بقرش لإحدى الجمعيات فيقول عن فترة ما قبل الثورة (.. لا أخفي عنك أني أعجبت بقوة المعارضة وحريتها وبالدور الذي لعبه القضاء المصري، لم يكن العهد شرا خالصا وكان به عناصر فكرية جديرة بالاستمرار والنمو والازدهار، وكان التنكر لها من أسباب نكستنا...) ص64.
ثم يقول بعد وقوع النكسة أيضا: (... وانعقد الإجماع على أننا كنا نعيش أكبر أكذوبة في حياتنا...) ص77.
وبعد وقوع الواقعة تتبادل المواقع.. يخرج المعتقلون ويدخل خالد صفوان إمبراطور المعتقل مكانهم يقضي فترة العقوبة ، ثم يخرج يلتقي في الكرنك بأهل الحارة ، يتبادل معهم الأحاديث ، ويلخص التجربة في عدة نقاط :
(... أولا: الكفر بالاستبداد والدكتاتورية.
ثانيا : الكفر بالعنف الدموي.
ثالثا : يجب أن يًطّرد التقدم معتمدا على قيم الحرية والرأي واحترام الإنسان وهي كفيلة بتحقيقه .
رابعا : العلم والمنهج العلمي هو ما يجب أن نتقبله من الحضارة الغربية دون مناقشة .
أما ما عداه فلا نسلم به إلا من خلال مناقشة الواقع متحررين من أي قيد قديم أو حديث...) ص115.
- ويلاحظ أن البند الرابع هو خلاصة أولاد حارتنا – وبذلك تكون الكرنك هي صرخة احتجاج على فترة ما قبل النكسة : الاعتقالات – التعذيب – سحق الإنسان وإهدار كرامته – الصراعات الشخصية قبل اهتمامات الوطن، كل ذلك من الأسباب التي أدت من بين ما أدي إلى وقوع النكسة .
أما خلاصة التجربة والحكم على الفترة الذي ورد على لسان خالد صفوان بالذات فهو مثار التساؤل فأن ينقلب الجلاد إلى حكيم حتى لو كان قد أمضى فترة السجن ثلاث سنوات فأعتقد أنها غير مقنعة.
كما أن استقبال أهل الكرنك لخالد صفوان فلم يكن به الانفعال الكافي ولا مرارة الفقد والخسارة خاصة من جانب من ذاقوا مرارة أساليبه أو اكتووا بلهيب ألاعيبه التي أدت إلى فقدان حلمي حمادة بعد أبشع أساليب التعذيب فكيف تستقبله قرنفلة الفاقدة لعزيزها .
إلا أنه رغم ذلك فإنه يلاحظ أن الكرنك قد انتهت كتابتها بنهاية ديسمبر 71، أي قبل حرب 73 أو السلام ، فيكفيها أنها تحدثت وتنبأت بالعلاقة مع كل من أمريكا وروسيا ، وكيف أن الحل في يد أمريكا وهو ما تم بالفعل فيما بعد، وكذلك تفكير قرنفلة الراقصة السابقة المعتزلة وغير المتعلقة في كتابة مذكراتها التي ستقيم الدنيا لما بها من فضائح الكبار، وهو أيضا ما تم بالفعل في الواقع العملي بعد ذلك حيث كتبت اعتماد خورشيد مذكراتها التي أحدثت دويا لما بها من فضائح الكبار.
استمرار المسيرة:
وتستمر مسيرة نجيب محفوظ الإبداعية الانتقادية فيقدم بعد ذلك (يوم قتل الزعيم) كاشفا سوءات الانفتاح في عهد السادات ثم يختتم أعماله الروائية بـ " قشتمر" والتي تعتبر كناسة الدكان فيشهد فيها على العصور المتتالية... عصر ثورة 19 ومسيرة سعد زغلول ومصطفى النحاس ثم عصر ما بعد 23 يوليو وحتى النكسة ثم عصر السادات وما شابه من الانفتاح ثم عصر مبارك ، وليظل عمره المديد من بين حواري وأزقة الشارع المصري مستشفا أحاسيسه مستنبضا دقاته واعيا لمسيرته.
شوقي عبد الحميد يحيي
em : shyehia@yahoo.com
share
سجل دخول إذا كنت عضوا أو أنشئ عضوية جديدة لتستطيع إضافة تعليق
 | 
982 قراءة |
Tags: ملف نجيب محفوظ

تعليق: نجيب محفوظ شاهد علي العصور
هناك عبارة في رواية الكرنك أذكرها جيدا ، عندما تحدث أحدهم عن الثورة فقال:" أفكار الثورة جيدة لكن القائمين على تنفيذها لم يكونوا مؤهلين للتغيير "، في الحقيقة كل الأفكار العظيمة هكذا حتى الماركسية والشيوعية فكرة عظيمة وتنفيذ متخلف ، العقل البشري يشبه الحاسوب أحيانا ، لا يعطي إلا ما تبرمج عليه عقله ، وكأن الحاسوب هو من صنع العقل البشري ، وليس العكس ..
استمتعت بقراءة الدراسة خاصة الجزء الأخير منها
خير الكتابة ما تجعل المجتمع محورها بدون قصد
تخرج كتاب تاريخ صادق لا كذب فيه ولا افتراء
كل المحبة يا صديق
تعليق: نجيب محفوظ شاهد علي العصور
دام لك التالق
في اعمالك النقدية
نجيب محفوظ يستحق كل
الاعتراف بجميل ما قدمه للانسانية من اعمال
ادبية رائدة
لك كل المحبة والوفاء
كما اخبر اخوتك بانني ساعمل على نشر
عملك النقدي ضمن مجموعة قصصية
اذا وافقتم طبعا
لك كل التحايا
محمد البلبال بوغنيم
تعليق: نجيب محفوظ شاهد علي العصور
تناول جميل وبه الكثير عن العملاق الشامخ دائما نجيب محفوظ
شكر وتقدير على تناولك اياه
وفي انتظار روائع قلمك .. المتميز دائما
دمت بود
دعــــاء
تعليق: نجيب محفوظ شاهد علي العصور
أحييك
وانتظر كتاباتك حتي أري
أين أنا من عالم القصة
دمت متميزا
تعليق: نجيب محفوظ شاهد علي العصور
تحياتي
عندي سؤال يحيرني وهو
ما سرّ اهمال النقاد لقمة من قمم الرواية وأعني رواية
( رحلة ابن فطومة )
وها أنت لم تذكر شيئاً عنها علما بأنها أفضل شاهد على العصور
ليس العصور المصرية أو العربية بل عصور البشرية
احييك
تعليق: نجيب محفوظ شاهد علي العصور
القاص المبدع حميد العقابي
المبدعة الرقيقة فاتن البقري
المتألقة دعاء لطفي
العزيز محمد البلبال
الصديقة مني الشيمي
بعد غياب طال قليللأسباب خاصة أعود لأجد الدفء في كلماتكم المشجعة
والمحبة تغلف عواطفكم لتأثرني وتحيطني بالود المفتقد
لكم كل الحب والشكر وعذرا علي التأخير الإجباري
الأستاذ محمد البلبال
كل التهنئة علي مجموعتكم المرتقبة وكم يسعدني أن أكون أحد الذين ستكرمهم بإهداءاتك للمجموعة
أما عن استخدام الدراسة فهو شرف لي أشكرك عليه
مع الدعاء لكم جميعا بالتوفيق الدائم
شوقي