You are here
نزهة ... الى رعد مطشر .. وكل شهداء الوطن

نزهــــــــــة
محمد علوان جبر
الى ... رعد مطشر .. وكل شهداء الوطن
لقد حدث ذلك بسرعة فائقة ، لا أعلم كيف ، ولكنه حدث ،
مر بسرعة جعلتني لا أفهم .. فهو شيء يشبه دوامة تدور وهي تمتص ماحولي الى
اعماق قصية .. دوران سريع . في البدء صدمني الفراغ وتهت فيه ، حينما حاولت
ان احرك يداي ، اوان ارفعهما على الاقل ، ربما هو تمهيد فاشل لشيء ما
اعتزمت القيام به ، لكني مهدت كثيرا لالتصاقي بالنافذة الوحيدة التي حاولت
الاقتراب منها لارى مايدور في الخارج ، لم اشعر بشيء كنت متخشبا لكني
استطعت ان ارى دون ان افهم بدءا من الحركة الارتجاجية لسيارة مغلقة وكذلك
التوالي العجيب لدوائر ونقاط كانت تومض امامي .. تشتعل وتنطفىء ، ومع
انطفاء الضوء و توهجه من الاطار الدائري الصغير الى يميني - ربما هو
النافذة الوحيدة في المكان – حيث كنت ارى النور قرب وجهي تماما ، فاغمض
عيني وادير رأسي الى الجهة الاخرى .. وفي توالي متواصل لتمهيد اخر اكثر
قربا من فشلي الاول حيث صدمني منظر جسد رجل مسجى الى جانبي ، جسد بدين نصف
عار غارقا في بركة دم متيبسة ، ساقاه ضخمتان مفتوحتان تشكلان مع جسده
مثلثا ، وكان انفراج الساقين يجعلهما عرضة لارتجاجات العربة التي تشبه
الصندوق . حاولت ان ارى وجهه فادرت رأسي بزاوية حادة نحوه ، لم تصدمني
بركة الدم المتيسبة على اطراف الجسد العاري ، لكني صدمت وهذا تمهيد اخر
لفشلي عن الفهم جعلني متخشبا اكثر ولااعرف ماذا اصنع حينما كان مسطح الضوء
يومض وينطفىء على مساحات وتعرجات الجسد ، حيث بات واضحا امامي بقسوة غامضة
ان الجسد كان بلا رأس ، بعد ان ادرت وجهي حتى لامس جزءا من فمي الارضية
المغطاة بقماش جلدي متسخ . كنت مذهولا ولم استطع ان افهم شيء مما يجري
حولي ، لكني كنت ارى بوضوح انفراجة الساقين واستجابتهما الى الحركة
الارتجاجية للسيارة .. وكلما اطلت النظر فيهما كنت احس انهما تتحركان ،
وان الحياة تدب فيهما .. فأدير وجهي ابحث في الاطارات التي تداخلت امامي
وبدأت تتحرك حولي ولم اعد اميز منها شيء ، سوى وجه امرأة بشعر يتموج كلما
سقط عليه عمود من الضوء المتأرجح ، او داعبته الريح.. كانت تلج الحد
الفاصل بين الضوء والعتمة وتطيل النظر الي وتبكي ، سمعت صراخها حاولت ان
اتذكرها .. كان وجهها مألوفا ، وفي العتمة المكسورة ببقية ضوء رأيت الدهشة
مع الحزن في وجهها الجميل الذي احببته ، كانت تبكي بحرقة ويزداد وجهها
تألقا ، اعتقدت انها تبكي الجسد المسجى الى جانبي لكني تأكدت انها تعنيني
ببكائها ، اذ لم تكن تنظر الى الجثة ، حاولت ان اكلمها لكني فشلت ، كان
الصوت حالما يصل شفتي ينطفىء في فراغ لامتناه ، وحينما اردت ان اصرخ فشلت
، كانتا متاهتان هوائيتان تضيعان في فراغ عميق ، وكم تمنيت ان ارفع يدي
ولو لمرة واحدة لكي افهمها بالاشارة اني يمكن ان اكون بخير .. واني احاول
ان اقترب من المكان الذي احسها تكاد ان تضيع فيه غائصا في اعماق ذاكرة
تحولت الى مجرد عجينة هشة .. – نعم - هكذا توهمت اني اصرخ بل اكاد اتذكر
وجهها ، كانت يداي تائهتين كما هو صوتي في فراغات لامتناهية.. صماء وصادمة
كالجثة ، لكني وجدتها قربي – حدث هذا في اندفاعة سريعة - كانت قريبة مني
وهي تمد اصابعها نحو جبهتي ، وبدأت تمسدها ذهابا وايابا .. ببطء ورقة -
يالله .. تلك الاصابع اكاد اعرفها - اعتقد انها تعرف حاجتي لهذه الحركة
الرقيقة ، التقت عينها بعيني ، كانت تبكي بحرقة وجسدها يرتج بتشنجات قوية
، حاولت ان ابتسم لها - ربما ابتسمت او تكلمت لم اكن اعرف - اعتقد اني
طلبت منها ان تستمر بتمسيد جبهتي باصبعيها ، وان لاتنظر الى شيء اخر سواي
والضوء المتسرب من النافذة الصغيرة ، واصلت الابتسام ، لكني شعرت بالحياء
فجأة حالما تذكرت اني اجهل الوضعية التي انام فيها ، وهل انا عار كالجسد
المسجى قربي .. وكم حاولت ان ارفع يدي لامسح دموعها فلم افلح ، كانت تهتز
بعنف ، وبدأت ابكي معها .. الدموع ساخنة وهي تنهمر من عيني .. ياالاهي كم
كنت بحاجة الى الصراخ ، كان فمي مفتوحا على سعته مستعدا تماما لاطلاق صرخة
، اختلطت الاسئلة المروعة في رأسي وانا ارى وداعة وجهها ، وقبل ان تختفي ،
مسحت وجهي بمنديل حريري وبقيت نادما على فشلي في الاقتراب منها .. ومع
انصفاق بوابات ولهاث بعيد يشبه السقوط الشديد في منحدرات حادة ، حيث
اختلطت مع صورتها وهي تشير نحو مكان ما اتجهت اليه وقبل ان اواجه المنحدر
الاسفنجي الحاد كان الضوء يواصل ارتعاشاته وسقوطه وسط دوامات لامرئية ..
وبدا واضحا امامي الرجل المسجى قربي وهو برأس - هذه المرة - وفي دوامة ضوء
باهت ظهرت امرأة اخرى متشحة بالسواد وهي تضرب على وجهها وترفع التراب من
الارض وتضعه على رأسها .. وفي التدرج الاخير لتمهيدات متوالية - كنت افشل
في تحديدها - كانت سيارة اسعاف تشق طريقا موحلا يؤدي الى بوابة كبيرة ،
المرأة تقترب من الرجل المسجى في سيارة الاسعاف البيضاء ، بعد توقفها في
احد المنحدرات حيث تجمع قرب احد اطاراتها دم لزج يسيل ببطء من ارضيتها ،
لم اتمكن في الضوء الشحيح ان ارى وجه الرجل لكنه كان كبقية الرجال وربما
يشبهني ، وحينما ظهرت المرأة من جديد كنت اكثر قربا من النافذة ، وكم
تمنيت ان تقترب لاني كنت بحاجة الى دفء اصابعها ، لكني : ( كنت مرعوبا
سيدتي .. وحزين .. لاجل الرجل الميت الذي يجاورني ) واصلت المرأة دون ان
تكترث لحزني وصراخي تمسيدها رأسي ( لم هذا الارتجاج سيدتي في ارضية
السيارة .. تصوري اني لااستطيع ان احرك يدي .. انا مرعوب سيدتي .. كدت
ابكي بل بكيت وهم يمسكون الرجل .. لم اكن بعيدا عنهم ، شممت روائح نتنة
تنز من اجسادهم .. ورغم الليل الحالك في الفضاء الواسع رأيت اشباحهم..
كانوا اربعة يحيطون بالرجل البدين وسط الليل .. ثمة لغط يصلني والم في
معصمي .. وشيئا ما تجمع في فمي وحول عنقي .. كان ساخنا اول الامر لكنه
سرعان ماتحول الى بارد ، هل تدركين سيدتي ان اشياء كثيرة تجول في الليل
تدور حول اعماق قصية .. صماء وقاسية اكثر قسوة من الضلال المعتمة للجسر
الحديدي الذي هويت منه وكان الالم يزداد في عنقي ومعصمي .. تم كل شيء
بسرعة فائقة تشبه السقوط المروع وسط الماء ، لم استطع ان ارى القاع المعتم
، كان بصري منطفئا قبل ان اطفوا بسرعة منفصلا عن جسدي العملاق الذي سحبه
الموج ببطء ، وحينما تجمعنا لم اجد سوى رتابة الارتجاجات ورأسي يرتفع
ويهبط كالكرة ، وكم حاولت ان ابحث عنك حينما سقطت ستارة معتمة بيننا ..
ورأيت يدان عملاقتان تحملان رأسي كالكرة .. تمسكان بي من جبيني وارى بوضوح
كيسا او سلة كبيرة مفتوحة ، ترفع اليد رأسي الى فم السلة الكبير، وكنت
اسمع الضجة الشديدة حولي تصلني وانا محمولا الى مكان اعلى من ارضية
السيارة ، ومن فتحات السلة الجانبية رأيت مجموعة رجال وهم يحملون جسد
الرجل الذي كان مسجى قربي ويضعونه بصعوبة على عربة.. ورأيت اكياسا من
الرمل كانت تندفع نحوي .. وثمة قطة مرقطة ترسل مواءا يشبه موسيقى جاز
خافتة ، سار الركب يتقدمنا الجسد المقطوع الرأس وهو يرتج مع سير العربة
والسلة التي كنت استقر في قاعها وثلاثة رجال لم استطع ان اميز اشكالهم ..
كان الجميع مطرقا ينظر الى الارض بصمت ، وسمعت صوت حشرة تحوم فوقي ، تصدر
صوتا فاترا .. حطت على جانب وجهي وسرعان ماطارت واختفت لكني بقيت اسمع
طنينها حولي بقي يتردد لفترة طويلة . وانعكس وميض قوى على زجاج نوافذ
المبنى .. بدا ان الزمن يتقدم مع خطى الرجال الثلاثة وهي تضرب اسفلت
المبنى الكبير الذي بدا خاليا الا من الموكب الذي يحيط بنا . تقدم الرجل
الذي كان يحمل السلة ووضعها على العربة قرب الجثة المقطوعة الرأس ، احسست
اني ارتعد وكان جزءا من مشبك السلة يضغط بقوة على جبيني .. حينها حاولت ان
ابحث عنك في السطوح التي اراها امام فتحات السلة ، ربما سمعتك تنتحبين او
تصرخين كلما ترتج العربة وهي تقطع الطريق ، كنت وحيدة وثمة جدائل رمادية
تتمرد على الوشاح الازرق الذي تشدين به رأسك ،رأيتك تشيرين باصابعك نحو
المبنى الى مكان ما، حيث حطت على نوافذه العلوية غربان كثيرة احاطت
بالنافذة والرخام البارز الذي يؤطرها، كان يلمع حينما تطير الغربان ،
وينطفىء الضوء حالما تحط ، اشرت لي نحوها، كانت كثيرة ولااعلم لماذا اشرت
لي هذه الاشارة الواضحة لكني لم افهم كنت مشغولا بمراقبة اصابعك والسواد
الهائل والمتموج لالاف الغربان التي كان لونها القاتم تتفاوت حدته حولها ،
تلك النوافذ التي لم يعد لها وجود .. اختفت تماما و تحول بريق زجاجها الى
حفر عملاقة منطفئة بالعتمة ، وكان ثمة قارب وحيد يشق الافاق وانت وسطه
تلوحين باصابع مفتوحة الى شيء ما في الافق شيء اخر لاعلاقة له بالغربان
التي تحولت الى جزءا من الجدار، كنت تتكئين على شيء لامرئي .. ربما هو حبل
رفيع وحولك كان النهر يلاحق الافق في رحلة صامتة بلا ضجيج ربما ليستدرج
الريح المخلخلة لكي تدفعه بسرعة ، وكان ثمة لون يشبه الدم حولي .. ربما هو
غرين النهر اذ تمتزج الالوان مع الطيف ، وقد كنت ممتنا وسعيدا كأنني حقا
رأس في سلة .. حينما اقتربت من السلة وانت تحملين منديلك الحريري وبدأت
تمسحين وجهي وتبعدين الحشرة التي كنت اسمع طنينها دون ان اراها.
بغداد المحروسة بالله
في السابعة من الالفية الثالثة
05/15/2007 - 03:43
القسم:


التعليقات
أعزيك .. أم أعزي قلبي المجمور
ماذا أفعل
في هذه الزحمة الخانقة
من الأنتهاكات
سنستمر
رغم هول الفاجعة
هادي الناصر