You are here

الصفحة الرئيسية

نقطة حبر




نقطة حبر
عادل نايف البعيني




= هل تذكر يا طارق أستاذ التاريخ عندما كنا بالصف السادس.

_أستاذ عبدو.. ومن لا يذكره يا صديقي، كرشُه المندلق أمامه كقبة مزار، يكفي وحده ليكون مخزن ذاكرة.
= وهل تتذكر عندما دخل الصف ذات صباح، وقف ووجهه للوح، ثم دار على عقبيه مثل جرن جابلة اسمنت، ودلق كرشه نحوي، شاخصا إليّ بعينيه المتخاصمتين، وسألني بينما عصاه تهتز بيده كذيل أفعى الكوبرا:
-       قفْ عصام .. من فتح الأندلس يا ولد؟
فرقعت ضحكة الشابين بصالة النادي كصوت شلاّل يقبّل صخر القاع، ما دفع بأعين الحاضرين أن
تشخص نحوهما كنوّاسات ذات غسق، أردف طارق وهو يغمز بعينه ويفرقع بإصبعيه:
_ وأتذكّر حينها أنّك من شدّة الخوف، رددتَ بلا وعيٍ: (والله لستُ أنا يا أستاذ، وحياة عمر أهلك لستُ أنا).
= لكن لا تنسَ بأنّ الأستاذ ضربني بسببك علقةً، كادت تدفعني لترك المدرسة حينذاك.
_ كي تتعلّم وتصدّق المثل الذي يقول: (خير تعمل شر تلقى) هل كان ضروريا أن تدافع عني وتصرّ على قولك: "حرام يا أستاذ أيضا طارق لم يفتح شيئا.
= غريب يومذاك، لقد أغلق على عقلي تماما، ما زال ألم الكف الذي حطّ كمطرقة على وجهي حاضر حتى الآن، وصوت الأستاذ عبدو يزمجر كـكور الحداد:
-       الذي فتح الأندلس طارق يا غبي طارق.. طارق..شو طارق.. " وكان مع كل طارق يناولني نصيبا من يسراه الممتلئة كخف الجمل، والعصا تتناولني بيمناه على قفاي.

_ وأنت لا تسكتُ تردّ عليه وبكاؤك يملأ المكان: (حرام يا أستاذ طارق كان معي لم يفتح شيئا).
= ولهذا السبب طار صوابه، ظنني أهزأ منه، لم يُشفِ غليله بالكفوف المتلاحقة، والعصي المتقاطرة، بل أكمل تنفيس غضبه. حتى تورّمت أنحاء جسدي.
وانفجرا بالضحك ثانية وعصام يقول:
= بالرغم من كلّ ذلك لم يخطرْ على بالي ابن الحرام (طارق بن زياد).
        جاء النادل بكوبين من الشاي اليمني، وضعهما على الطاولة ومضى، بينما عصام وطارق منشغلان بملاحقة قوام صبية أطلّت عليها، وهي تسير بغنج، وما إن اقتربت من مدّ بصرهما، حتى وثبا نحوها كقطّيْن يتنازعان هرةً فتية، ناداها طارق بعفوية:
_ ياسَمين .. ياسَمين..
        اتجه نظر الفتاة لمصدر الصوت، ولكنّها لم تعرهما انتباهًا، وتابعت سيرها حيث جلست على طاولة في الجناح المقابل لهما، مديرة لهما ظهرًا عاجيّا تورّد من قبلات شمس البحر، في حين جلس أمامها شابٌّ، ما لبث عصام أن انتفض قائلا:
=طارق انظر جيّدا أليس هذا خالدًا يجلس على طاولة الفتاة.
حدّق طارق، وأمعن النظر، وبالكاد عرفه، أو خيل إليه بأنه عرفه. تغامز الشابان، واتجها نحو من ظنّوهما خالدًا وياسمين.
تشاغل الشابّ بالنظرِ خلفه، محاولا استدعاء النادل إليه، وما إن وصل الشابان قربهما حتى هبّ الشابّ والفتاة معا، وانطلقا يضحكان وهما يشيران نحو عصام وطارق.
        كان لقاء العمر الذي لا يتوقع حتى بالأحلام، بين زملاء الصف السادس، منذ عشرين عامًا التقوا هنا في مدينة القنيطرة بثانوية أحمد مريود، وها هم يلتقون اليوم من جديد مصادفة، منهم من غادر الجولان قبل احتلاله، ومنهم من غادره قسرًا، لم يكن أحدٌ يعرف عن الآخر شيئا.
نظر طارق إلى صلعة خالد التي خلت من الشعر إلاّ من قدر نصف الكف على جانبي رأسه، وعاد بالذاكرة إلى وعائها ينكش فيه عن واقعةٍ، عندما حمل خالد نشّافة مكتب الصف، وتقدّم من أستاذ الرياضيات الجالس أمامه بصلعتِهِ النظيفةِ جدّا واللامعة، حيث وجدت شامة سوداء راحتها في منتصفها، قائلا له: (عفوا أستاذ على صلعتك نقطة حبر بتسمح نشّفها).
لمعت الذكرى في فضاء فكر طارق فتقدّم من خالد وبيده منديلٌ ورقيٌّ، قائلاً وهو يلوّن وجهه بابتسامة:
-       عفوًا أستاذ خالد على صلعتك نقطة حبر ممكن نشّفها.

وتفجّر المكان شظايا من ضحك ملأ الأرجاء، بل وجمع عليه بدل أن ينثر بعضا من حضور النادي،
بينما عصام راح يردد بصوت تقطعه شهقات الضحك المتواصل:
=  نقطة حبر..آ.. آ.. يا لها من ذكرى يا خالد.
صورة عادل نايف البعيني
القسم: 

التعليقات

 
هل تعتقد يا عادل أن نوبة الضحك التي حوطت أصدقاء الماضي هذه لن  بسؤال داخلي، هل وجدت صديقي كما كان ام تغير؟ وهل تغيره هذا يناسبني الآن ام سار كل منا في تغيره في اتجاه مغاير، تعرف .. لدي قناعة بأن اصدقاء الماضي يجب أن يظلوا في جعبة الماضي ولا يخرجوا الى طاولة الحاضر ويجالسوننا أبدا، هم في الماضي نساجون للذكريات، لكنهم في الحاضر قد يقارنون بين ما كنا وما أصبحنا عليه، وهي مقارنه  قد تضعنا أمام حقائق  ستغضبنا..
منى الشيمى
صورة منى الشيمى
 
السيد عادل تحية طيبة      ذكريات الماضى مخزننا الذى لا ينضب معينه وهذا الاستدعاء القصصى لتلك الحقبة من ماضيك فى الجولان يدل على ذاكرة واعية وعين لاقطة وماض شقى  لكن اسمح لى بملاحظة فنية فى نسيج القص وهى الصدفة التى جمعت كل هؤلاء فى ذات اللحظة ونفس المكان  لم استسغ كمتلق أن يجتمع الكل مصادفة وكان يمكن بحيلة فنية بسيطة أن تجمعهم كمناسبة زواج احدهم او تخرجه مثلا أو  اى شئ تراه مناسبا أنت كذلك اسمح لى بملاحظة اخرى فى النص وهى أننى لم أستسغ أو أقبل وصفك للفاتح العظيم طارق بن زياد بابن الحرام هذ الانسان الخالد فى وجدان كل عربى وكل مسلم      لك الحق أن تكتب ماتريد ولى الحق ان أبدى رأيى والخلاف لايفسد للود قضية  
عماد قطري
صورة عماد قطري
 
الأديبة الصديقة منى الشيمي
تحية ود واحترام
لمرورك طعم خاص هنا 
كل الشكر لقراءتك النص وأرجو أن يكون قد نال إعجابك
لك مني جزيل الود والمحبة

لا شك أنا معك فيما ذهبت إليه فقد تكون ذكرى الماضي أفضل من معرفة ما تطوّر عليه الحاضر
سعدت بمرورك

محبتي ومودتي
عادل نايف البعيني
صورة عادل نايف البعيني
 
الأديب عماد قطري
لك مني كل الود
وكما قلت الخلاف بالرأي يقوي العمل ولا يضفعه فالود سيبقى دائما
أمّا فيما ذهبت إليه فمع كل الاحترم لرأيك فقد أردت أن يكون اللقاء مصادفة كي لا أفقد االقارئ متعة المفاجأة
ومادام ذلك قد يحصل ولو مرة بالألف فأراه منطقيا
أمّا ما يخص وصف من تراه فاتحا عظيما، أراه أنا لا يختلف عن هتلر الذي احتل دولا وخرب بلدانا، ولاأراه أفضل من غورو الذي احتل سوريا فالمحتلون لأرض الغير بالقوة لا يفترقون مهما كانت الذريعة حتى ولو كان ما تسميه فتحا اسلاميا وهو بالحقيقة اغتصاب لأراض الغير وفرض دين ورأي عليها واحتلال لها كما فعلت إسرائيل تماما.
هذه نقطة جانبية والأساس في ذلك أن مثل تلك العبارات ( ابن حرام)  تقرب النص من الواقع المعاش وليس المثالي.

ويبقى الرأي ملك صاحبه 
مع كل الود 
محبتي ومودتي 
عادل نايف البعيني
صورة عادل نايف البعيني

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 1 عضو يتصفح الموقع

أحدث التعليقات