You are here

الصفحة الرئيسية

نقوش باقية ...




نقوش باقية
محمد سامي البوهي


سار أمام خطواته يشق عُقًد الشوارع المتشابكة ، يستعير من قوانين الحياة الرابضة فوق مصاطب الأزقة القديمة ، ينفض عنها الغبار المستلقي على ألحان الأغاني المنقرضة ، فشل أن يدفن صوت أبيه خارج جسده العائم على متاهات المستقبل ، تدحرج خلفه على سُلم المنزل المتهالك ، فملأ جيوبه الخاوية إلا من بعض فلول النقود ، كانت آخر ما تبقى له من حصاد عمله الأخير ،يلتصق بصره بالحجارة السوداء من تحت قدميه ،ينقع رؤوس الموجودات حوله في نفس الصبغة ؛ الشيخ الكالح ، الطفل الصغير ، البيوت القصيرة ، المحال الضيقة المتراصة ، حتى السماء من فوقه ، كانت ظلاماً في وسط النهار ، مازال يراه ... رآه من حوله منذ أمد بعيد ،تتدلى فوقه أحبال المسابح الفسفورية ، الفوانيس الملونة ،التماثيل الرخامية ، الجنون المحفور على الأطباق النحاسية ، لم تعد هذه الأصنام تُدر عليه فائدة يأملها ، مهما قدم لها من قرابين .
طُرق السفر ترصف نفسها أمام أفكاره ، حاول أبوه مراراً ، وتكراراً أن يعترض سيرها ؛ لكنه عاد صفر يدين ،توسله كثيراً بهرم العمر ، بضعفه الذي فقأ قوة جسده ، لكن تمرده أبَى أن يخفض له جناح الرحمة ؛ فصب عليه حجارة أسقطها من قلبه ، صفع خلفه الباب طريداً حيث لاهدف يؤويه ، خاض ثورته تحت أضواء اللهب المتسللة من الورش الصغيرة، أبخرة القصدير المنصهر تستمريء أنفاسه ، صيحات النحاس المطروق تهز أطراف أنامله ، توقف أمام محل أبيه الموصود ،قصفه بمدافع الآلام التي تحاصره ،هرب من السلطان الموروث إلى فلول النقود المعدنية بأعماق جيبه ، تمعن في الصور المنقوشة على وجهيها ، أطاح بها لتنطلق في الهواء ، انقضت عليها أصابعه قبل الهروب ، انغمس في البحيرة بقارب السير ، ألقاه على محطة القطار يتنسم زحام الرحيل ، على مقعد بعيد ارتمى بجسده ، يعُد تلك الوجوه على عملات النقود ، لا تملك له الحق في شراء ورقة للرحيل ، يعيد عدها من جديد ، يطيح بها في الهواء ، تلتهمها أصابعه قبل السقوط ، صوت يتسلل إليه من جوار نافذة الأوراق ، فتاة شقراء تحاول جذب الحديث من عامل النظافة ، لا يفهم لغتها ، لا تفهم لغته ، نأى عنها إلى خُرجه الممتلئ ببقايا البشر ، علمه أبوه ما تقول كي يقرأ عليهم لغة التماثيل المنحوتة على الجدران ، تحولت إلى صبي صغير ، يطوف بزجاجات المياه الغازية حول المنتظرين ، هَمّ بفتح زجاجة مم يبيع ، ليس هذا ما تريد ،رمى إليها ظهر كفه المبلل،أعرض نحو الدلو المخلوط بالزجاجات ،وقطع الثلج .
قام من مقعده إلى ركن احتلته لإشعال السيجار ، ألقى تحيتها ، ردت عليه التحية كأنها عثرت على كنز الدنيا ، قبل أن تسترسل في الطلب المُجهَد ، مد يده طالباً قيمة التذكرة التي تريدها، أخرجت حقيبة صغيرة من بين أشيائها ، جذبت منها وريقات من عملة بلاده ، سحبها من بين أصابعها ، اتجه صوب نافذة التذاكر ، جال الموظف حول ملامحه ، أبدله أوراق النقود بتذكرة للسفر ، عاد إلى الركن المعبأ بدخان السجائر ، استقبلته بهالات الثناء ، مخرجة ورقة من نقود بلادها ، قدمتها إليه على ابتسامة مستديرة ، رفض استقبالها على طاولته العربية ، بعد إصرار حولَ سعادتها لمسخ من الدهشة ، سألته عن رفضه المقابل لما قدم لها ،فقد ساعدها على الهروب من الرسوم الزائدة التي تُفرض على تعاملات الأجانب ، وهم لديهم لكل خدمة مقابل ، لولا أنها تنتظر الرحيل لقدمت له الثمن بطريقتها الخاصة ، هزّ رأسه بلاءات تلقائية مع راحة يده اليمنى ،تراجع حيث كان يجلس ، لم تسقط نظراتها عنه حتى حملها القطار ، وقف يودع صوره المطبوعة على أدبار العربات المنسحبة ، أمسك بنقوده المعدنية ، تحسس النقوش البارزة، أطاح بها لأعلى ، ضمتها أصابعه قبل السقوط ، عاد من حيث أتى
صورة محمد سامي البوهي
القسم: 

التعليقات

 
القاص الجميل محمد سامى
تلك النقوش الرائعة ستظل باقية فى الذاكرة
كل الشكر لك على كل ما اقرأه من روائعك
وهمسة اخيرة ... رغم عدم ردك على اى تعليق على قصصك هنا
الا اننى سأظل أعلق على كل ما تكتب .. فهو يعجبنى بالتأكيد
دمت متميزا ،،،،،

دعاء
dodo_nomercy
صورة dodo_nomercy
 
الصديق المبدع " محمد البوهي "
أعجبني بقاء النقوش وصمودها رغم محاولة صاحبها الفرار منها ، ربما لتثبت تلك النقوش أنها أقوى و أكثر رسوخا وثباتا من محاولات كاذبة للفرار ، اقرأ معي تلك العبارات :

(مازال يراه ... رآه من حوله منذ أمد بعيد ،تتدلى فوقه أحبال المسابح الفسفورية ، الفوانيس الملونة ،التماثيل الرخامية ، الجنون المحفور على الأطباق النحاسية) ،
فالنقوش إنما حفرت واتخذت مكانها بالأعماق لتبقى ، تلك هي الفكرة ، وقد أجدت في التعبير عنها بداية من اختيار العنوان الدال ، ثم باللغة و الصور البسيطة المعبرة ، والعبارات الدقيقة . 
هناك آثار للغة غنائية  ، تلك الحافلة بالوصف والتشبيه البليغ _ لكنها آثار قليلة أتمنى ان تفلح في التخلص منها قريبا .
القصة تحملنا معها بيسر وانسياب حتى نصل إلى النهاية .

(وقف يودع صوره المطبوعة على أدبار العربات المنسحبة ، أمسك بنقوده المعدنية ، تحسس النقوش البارزة، أطاح بها لأعلى ، ضمتها أصابعه قبل السقوط ، عاد من حيث أتى) 
تحياتي
جيهان عبد العزيز

جيهان احمد عبد ...
صورة جيهان احمد عبد العزيز
 
دعاء
ليس شرطاً أن من يكتب يستطيع الرد ، وذلك إما لظروف تجول بينه وبين الرد أو بسبب ضيق الوقت ، أو بسبب ضعفاً ثقافياً في إدارة الردود ، لكني أعدك بعون الله بالمتابعة.

محمد سامي البوهي
صورة محمد سامي البوهي
 
القاصة الصديقة / جيهان

رأيك أثق فيه جدا ، تعلمين هذ جيداً ،لأني أعلم أن آرائك نتجت عن خلفية ثقافية واسعة .ا ،
محمد سامي البوهي
صورة محمد سامي البوهي

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 1 عضو يتصفح الموقع

أحدث التعليقات