ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ومضات الحمراء المستديرة.. والنوع الأدبي الجديد
- سماء العراق .. هل عادت إلي أهلها ؟
- إنسان العولمة في "مثلث العشق"
- القصة القصيرة في زمن الرواية
- هل القصة القصيرة في أزمة ؟
- شوكة في القلب
- طارق إمام ... بين القتلة والأرملة
- هدوء القتلة .. بحثا عن الفردوس المفقود
- بواكير الرواية العربية
- ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
- لذات الجزار السرية
- جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
- الصبار ينمو فى مرايا الروح
- خور الجمّال ... رحلة الزمان عبر المكان
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 1 /2
- صندوق جدتي
- الفراشة
- القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
- تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
- في بعض اللحظات .. الموت هو الخلاص ..عند الغيطاني
- الأحلام المحبطة في .. قرن غزال
- هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
- الرواية ديوان العرب
- الرواية وتغيرات المجتمع
- نجيب محفوظ شاهد علي العصور
- المرآة
- رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـ خالتي صفية والدير .. 2 /3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـــ زينب و العرش 1 / 3
- الرواية و النكسة 2 / 2
- الرواية و النكسة 1 / 2
- قراءة في مجموعة ( عطش الماء ) للقاص / سمير الشريف ( أحد كتاب الورشة )
- قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
- التداوي بالحب .. في القلاع الضامرة
- قصة الورشة القصيرة .. في عام
- قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً
- والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
- ليس دائما يعمل .. قانون الوراثة
- ذاكرة إبتسام التريسي
- نقرات الزمن في ..... نقرات الظباء
- دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )
- بمناسبة الحياة ..
- عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
- الواقع والمتخيل في .. عمارة يعقوبيان
- العابثون في الملاعب المفتوحة
- السحر الأسود .. يكفن الحاضر
- رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
الأحد, 12/23/2007 - 09:53 | شوقي عبد الحميد يحيي

هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
شوقي عبد الحميد يحيى
فازت الكاتبة الرقيقة " أمينة زيدان " بجائزة نجيب محفوظ لهذا العام فأثببت أن الإبداع ليس بالكم بقدر ما هو بالكبف .
فقدمت من قبل مجموعة قصصية " حدث سرا " ففازت عنها بكتاب العام في معرض الكتاب .
وكتبت روايتها الأولي " هكذا يعبثون " ففازت بها في أخبار الأدب .
وها هي تفوز بروايتها الثانية " نبيذ أحمر " بجائزة نجيب محفوظ لهذا العام .
وحيث أنني لم أقرأ " نبيذ أحمر" حتي الآن ، وددت أن أقدم أمينة زيدان لقارئ الورشة ، فكم هي جديرة بالقراءة . وكم هي مبدعة بخيلة
مع وعد بتقديم قراءة لمجموعتها المتميزة " حدث سرا " في القريب إن شاء الله
.............................
هكذا يعبثون.. وهكذا تقول أمينة زيدان علي غلاف روايتها البديعة ، لتترك الفضول ينهش أفكارنا ويشد أفئدتنا سعيا نحو معرفة .. من هم الذين يعبثون ؟ وبما ذا يعبثون ؟ وكيف يعبثون ؟ .
غير أن اسم أمينة زيدان علي رواية جديدة لا بد يستدعي إلي الذهن مجموعتها الأولي " حدث سراً " وكيف أنها لم تكن كالكثيرات من بنات جيلها تركز علي ما يسمي بكتابة الجسد والعناية بمشاكل المرأة وأحاسيسها – علي الرغم من أن كتابتها لا تخلو من ذلك إلي الحد الذي وصل بأحد النقاد يركز علي هذا الجانب في كتابتها وما كان منه في تلك المجموعة – غير أن هذا لا يأتي كهدف وغاية ، وإنما تستخدمه أمينة زيدان للإمعان في تأكيد إسلوبها المراوغ الخادع ، وليحمل عملها أكثر من مستوي للقراءة بحيث يمكن القول باطمئنان أن أمينة زيدان تركز بالدرجة الأولي علي الهم العام ، هم الوطن ، علي الأحداث الكبرى ، غير أن ما يثير التساؤل والدهشة هو أن الكاتبة كانت في مجموعتها تتوجع وتتألم مما حدث في يونيو 67 ، لكنها هنا تنظر للأشياء بمنظار مختلف ، كيف؟ ذلك ما نحاول التعرف عليه بين دهاليز العمل ومنحنياته المتعرجة والمتداخلة والتي ذاب فيها الزمان والمكان ، فأمينة زيدان لا تقدم حدثا متصاعدا ، أو شخصيات متنامية واضحة المعالم ، وإنما تعتمد تجزيء الزمان – إن صح التعبير – مركزة علي الهم الشخصي الإنساني ، لتزيد من التمويه والإيهام ، ومعتمدة علي الشاعرة المشحونة الموحية التي تدعو إلي التأمل والبحث عما خبأته وراء الظاهر ، فهي إذن تلمح أكثر مما تصرح ، وتوجز أكثر مما تُفيض وُتزيد .
"فبداية من الإهداء ..
إلي أبي وأمي .. أحبكما ..
إلي غرب النيل .. حيث كانت الطبيعة والحياة . "
ففضلا عما يمثله الأب والأم من كونهما يمثلان الماضي – بالنسبة لها – فإن كانت في " حيث الطبيعة والحياة " تعني أيضاً الماضي وانتفاء الحب عن الحاضر وانقطاع الصلة عنه ، فالطبيعة كانت .. ولم تعد ، يؤكد ذلك ما تسوقه – أمينة زيدان – من تلوث أخلاقي إلي حد المستنقع . فها هي " سيدة " تعرف أن أمها قتلت أباها لأنها أنثي قبل أن تكون أما ، حيث تغلبت الحاجة الشخصية الفردية حتى علي الفطرة التي عليها الكائنات ، لا البشر فقط . وها هي سيدة نفسها لم تعد ترتاح لقبلات فريد حيث لم يعد مذاقها كما كانت في البداية ، فقد أصابها الضجر والملل ، فهي تنتقل من أحضان لأحضان ، ومن جحر لحفرة ، ويزداد جوها فسادا لتتحول الأيدي الرحيمة والأمينة إلي أيد ملوثة بالفساد ، فالطبيب الذي يجهضها يتحرش بها وينهال عليها تقبيلا بينما هي في المخدر لم تزل ، لكنها تحث أنفاسه خانقة ضاغطة علي أنافسها ، وتهرب من الجميع لتبحث عن الغريب الذي يعيش في بلاد " الزلمكة والجمال " في إشارة أخري إلي ما آلت إليه البلاد والعباد في بلدها ، وفي إشارة أيضا إلي بلاد الجِمال التي هبطت عليها الثروة وأصبحت بلاد الزلمكة .
وها هو إسماعيل الذي سنتبين أنه كان أحد رموز الطهر والمثالية يغوص في وحل البيئة الموبوءة والملوثة أيضا ل" كريمة " ، فحين يزور أمها – بعد وفاتها – وبناء علي طلب الأم ، تفتح لها أختها التي تشبهها ، وبعد أن تفتح له الباب تنطلق إلي حجرتها التي تنطلق منها تأوهات جاكسون ، فلا يعرف أين يتجه ، وتسوقه قدماه إلي الحجرة المجاورة – كما تصورها – لكنها لم تكن حجرة ، حيث وجد الأم تجلس أمامه علي المرحاض تدخن فلا تنزعج ، فقط تدعوه لانتظارها " ها خلص وأجي لك "* ، وعندما تلحق به في الحجرة الأخرى ويسألها عن " زوج حضرتك " تتهكم في سخرية تنضح بالعفن والوسخ : [ جوز حضرتي ؟ لا .. ده أنا طلقته ، كان ابن كلب .. ] وتكشف له عن أنها كانت قد خُطبت لخضر ، إلا أنها تزوجت من أخيه إدريس لأن خضر لم يكن له في النساء ، ويزيد الصورة وضوحا وصف الكاتبة لها حينما كانت تجلس [ .. أمامه ترتدي قميص نوم تقفز من نعومته حلمتا نهديها ، كل ذلك أشعل توترك المتقافز فوق الأرائك والمناضد متحسسا حياة كانت تعيشها كريمة ..] ص 101 . كريمة التي كانت محط أنظار الجميع ومطمع الجميع ،وقتلها عمها لسوء السلوك . بينما تحرق أم عزيزة ملابس زوجها شعبان بعد أن تعرف أنه يعاشر أختها أم غريب ، لتزيد الصورة تلويثا وقتامة .
ويصل العفن وتتصاعد روائحه الكريهة عندما تسلم صفية نفسها لحميد وتسلم زوجها لأم حميد . و حميد هذا الذي [ .. كان ينقل طوالى السمك ويأخذ عرقه شوية سمك يبيعهم في قفة علي أول حلقة الغريب ..] ص109 ، ثم أصبح عضوا بمجلس الشعب .. يركب المرسيدس . يطلب حميد من صفية أن تلد له ولداً فلا تملك الممانعة وبعدها بشهر تطلب من زوجها ( مخاواة ) ابنهما إسماعيل ، فيأتي أدهم – ابن غير شرعي – بعد ثمانية أشهر من حساب زوجها الشرعي المعلن ، وأصبح علي الجميع أن يصدقوا لأن أدهم ابن شرعي – رغم الحسابات – الجميع يصدقون لكن حميد هو الذي يعرف ، لكن إسماعيل الصغير – وكأنه يرمز للثورية من صغره – يكتم علي أنفاس أخيه غير الشرعي أدهم فيقضي عليه ، لكن صفية لا تجرؤ علي الاعتراف لحميد بأن ابنها إسماعيل هو الذي فعلها ، إذ أنه – حميد – قد انهال عليها شتما وتوبيخا بأقذع الشتائم لمجرد أن ابنه قد مات موتا طبيعيا ، فما بالك لو علم أن ابنها هو الفاعل ؟ .
وإذا كان حميد هو الرمز الصارخ لما حدث بالمجتمع من تغير وانقلاب ، إلا أنه لم يكن الوحيد ، فها هو أيضا عبيد ، ذلك الذي كان يوزع الكتب الدينية علي الشباب ، ترغيبا وترهيبا ، ويدفع الناس للمساجد ، قد فارقت المسبحة يده وعُلقت علي باب الكشك تهزها الرياح ، حتى الكشك نفسه أصبحت تتصدره طاولة المحار المشوي [.. وجبة الشباب والأزواج الرئيسة لليالي الخميس الصاخبة ، بالإضافة إلي البانجو الملفوف كأصابع العجائز وزجاجات البيرة الخضراء ..] ص34 .
وإسماعيل المحارب الأبدي – بالشعارات – الممتنع عن استهلاك كل ما هو إسرائيلي قد فقد هو أيضا عذريته الثورية ، فقد البراءة والدهشة ، استغني عن أحلام الثورة لأنه اكتشف ثورته الخاصة ، فأصبح يعيش بروح التاجر ، أصبح عبدا لمصالحه الخاصة ، حتى لو كانت مع الصهاينة ، تكشف وجهه عن مدعٍ ليس عنده مانع من التجارة في كل شيء .. حتى الأفكار [.. كم أنت مدع يا إسماعيل ، أزمتك أنك لا تصدق ادعاءات ، ليس لك هدف ولا قيمة ، تجلس علي المقاهي .. ريش والبستان والأتيليه ، تسمع كلمة من هنا وتعليق من هناك ، رأي لهذا وتحليل لذاك ، تتناقلها وتنسبها لذاتك الفقيرة ، توزع علي المثقفين وغيرهم نسخا سرية من مجلات الشرارة والاشتراكية الثورية ، الانتصار والوعي . متناسيا صفقاتك وحسين علي بضائع الكساء الشعبي التي كنتم تشترونها من موظفي المتاجر الحكومية وتبيعونها بعشرة أضعاف في القنطرة ..] ص98 .
وتكشف أمينة زيدان عن السر وراء التحول المجتمعي ، عن التحول من الحلم إلي الواقع المرير ، عن الرومانسية إلي الواقعية الأليمة عندما يفاجأ سلمان بعد عذرية صفية بعد أن ( افتضها ) شعبان لتوضح تبدل الحال من أحلام الستينيات إلي واقعية ما بعدها – وإن كانت لا تراها واقعية ، حيث تركز علي العفن والفساد فيها – مؤكدة أن النظرة إلي تلك الفترة أصبح مثار السخرية ، فتسخر صفية من سلمان ، ذلك الباحث عن تلك السذاجة التفاهة المسماة بالعذرية : -
[.. سلمان صاحب الوجه الستيني الرومانسي ، الآن يتهيأ لعينيك متسائلا في دهشة عن عذريتك ، أية عذرية كان يبتغيها حينئذ ، وفيم إنهمامه بها ، ولما أرادها ، أي شيء كانت ستضيفه تلك العذرية الغبية ..] ص 124 .
إذن فقد حددت – أمينة زيدان – فترة الستينيات كفترة رومانسية ، فترة للحلم والفروسية ، غير أنها أصبحت الآن مثار التهكم والسخرية بعد أن فقدت البراءة والعذرية .
وعبد الناصر عندما كان زمن اللعب مع كريمة ، يتطلع إلي شيء بعيد المنال – في تصوره – وهو أن ينام في حضن كريمة .. فإذا ما وقع الشايب لديها سوف لا يحكم عليها بالخروج إلي الظلام أو مواجهة الأطياف أو أي شيء يرعب الأطفال في براءتهم ، إنما سيحكم عليها أن ترقد إلي جانبه علي الكنبة الصغيرة ، فتجيبه كريمة علي الفور في تعبير ينم عن المعايشة والصدق : -
[.. إنتي فاكرني هاتكسف ؟ د أنت عيل يله ..] فيكون ذلك هتك لعذرية الطفل وفقد لبراءته و : [ .. من ليلتها لم يُصّل عبد الناصر الفتي الورع أي فجر في الزاوية أو في البيت ، ولم ير عم عبيد ولم يقرأ سطراً من كتبه التي أعطاه ، فقط حكاية القرصان والأميرة ..] ص26 حيث [ .. أنت يا كريمة أميرة القراصنة ، يفوز بضمك من كان شجاعاً طيباً لا يتردد .. ] ص23 . إذن فعبد الناصر هو أيضاً أحد رموز الستينيات الرومانسية البريئة ، منضما إلي سلمان وإسماعيل وعبيد ، ولتبدأ خيوط أمينة زيدان في التكشف ، ولنبدأ في لملمة أطرافها ، خاصة عندما يردد عبيد ذلك النشيد العتيق الذي كان يردده مع صفية والذي يبدأ ب :
برز الثعلب يوما في ثياب الواعظين
ومشي في الأرض يهدي ويسب الماكرين
إلي :
فأجاب الديك عذراً .. يا أضل المهتدينا
بلغ الثعلب عني .. عن جدودي السابقينا
عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا
إنهم قالوا وخير القول .. قول العارفينا
مخطئ من ظن يوما .. أن للثعلب دينا
ثم يقول عبيد : [ .. أتذكرين من كان الديك ومن كان الثعلب ، وكيف التهمنا في 67 وف 73 ، فاكرة مين كان ثعلب ومين كان ديك ، كنا إحنا ديوك عارفين أن رقابنا مطاطية تحت سكينة يلمة ، وعارفة كمان ذوي التيجان ، إنت اللي قلت .. بتوع ثورة الحرامية .......] ص 154 . فهي إذن تجعل من رجال السبعينيات هم الثعالب ، هم الذين لوثوا البراءة وهم الذين فضوا العذرية الثورية . ويتأكد ذلك بصورة مباشرة عندما تؤكد أن ما حدث في 73 كان خيانة !!!!!! .
[ .. تنتهي الحرب نهاية مفاجئة ، أكثر إيلاما من الهزيمة ، لأن الهزيمة .. أي هزيمة ، هي باب للثأر تفتحه حروب حقيقية ، عوضا عن بحر دماء شقته وملأته نوافير عروق مصرية علي طبق العروبة من 48 مرورا ب56 إلي 67 .. حتى خيانة 73 ..] ص132 ، أي أن أمينة زيدان تري أن الهزيمة أي هزيمة ، ما كان منها في 48 أو في 56 أو حتى في 67 هو أفضل من الخيانة التي حدثت من وقف الحرب في 73 ، فالدماء والخراب والدمار ، القتل والعار والانتحار ، المرارة والانكسار ، أفضل – لديها - من توقع المعارك ، ويا لها من رؤية يعجز القلم عن وصف ما فيها من تجن وظلم . ولست أدري كيف يستقيم ذلك مع ما قدمته من وصف للغارات والدمار والتهجير بعد 67 ، بل وعلي ذات الصفحة نفسها ص132 ، حيث تصف صفية حالها بعد احدي الغارات في صورة من أجمل ما قدمته – أمينة زيدان – من صور : -
[ .. حين تنتهي الغارة وتخرجين في زحام الناس من الخندق ، تتأملون المعالم الجديدة المضافة إلي الطرقات .. خرابات جديدة ترسم خريطة مغايرة للطرقات والحارات ، تجرجرين قدميك اللتين أثقلهما الخوف ، علي كتفيك ينام ولدك بعد بكائه العنيد الطويل ، تسوحين في الظلمة بين البشر السائرين نصف نيام ، يبحثون عن بيوتهم أو ما تبقي منها ، يتأملون أجسادهم وأطرافهم متشككين في بقائهم أحياء ، أقراص الضوء تثقب العتمة رويدا ، تفتحين عينيك علي الضوء الذائب في الطريق والوجوه المتشابهة ، يحدد الضوء شعورك بالوحشة بينها ، تتمنين لو أن بينهم شخص واحد يربطك بصلة الدم ، تضمينه إلي صدرك دون أن توخزكما مآسي الفقد والترمل واليتم ، لكن بلادة عيونهم تقتلك .. قتلاً أسرع من قتل الرصاصات وأعنف . ] وعلي الرغم من تلك الصورة الناطقة بالبؤس والضياع والتشتت ، صورة القهر والانسحاق ، إلا أنها تستمر في استعراض لصورة للضغط علي مشاعرنا وتزيدنا إحساسا بالتشتت والضياع :
[ تتوجهين منفصلة عنهم إلي بيتك .. فلا تجدين موضعه غير ركام عال ، يدور حوله زوجك باحثا عنك وعن ولده تحت الكتل الحجرية الكبيرة والخرق المتطايرة ، وحين يراك ..
- يا بنت الكلب كنت .. طيرت الخمرة من دماغي ، كنت فين ؟
- كنت فداهية تاخدك ، شوف بقي حنتاوي فين في ليتلك المهببة دي ؟ .. ]
فكم هي معبرة تلك الصورة للمشهدين الخارجي في الحطام والخراب ويقايا البيوت والخرق ، والداخلي في ضياع المأوي والسكن والسكينة ، بقايا نفس وضوء يجاهد ليخلق بعضا من بصيص ، ووسط هذا التيار المنساب من المشاعر والأحاسيس ، ينكسر الإحساس بالصخرة التي تواجه صفية الباحثة عن أي من الباقين يمت لها بصلة الدم ، إذا بزوجها – والمفروض أنه السكن لها – بدلا من أن يحتضنها وابنها ويضموهما إلي صدره ، يلطمها لطمة – رغم ما فيها مم يضحك – إلا أنه ضحك كالبكاء فإنها لم تفيقه من غيبوبته هو فقط ، وإنما تفيقنا نحن أيضاً – فيزيد من مرارتنا ، وليبرز التساؤل عنيفا مزلزلا : كيف بعد هذا الوصف وهذه الأحاسيس والمرارات تقول الكاتبة أ، نهاية الحرب .. أي حرب .. وعلي أي صورة ، أنها خيانة ؟!!!! ، حتى وإن كانت قد حاولت تبرير ما تصورته خيانة بوضع الأمور في يد الغير ليتولى حلها :
[ .. أنت الآن خارج اللعبة تماما .. مثل الجميع ، لأن أوراق اللعبة الحقيقية استقرت في جوف قبعة صاحب الملهي .. الكاوبوي .. ] ص149 في إشارة إلي قول السادات – صاحب القرارات – بأن أوراق اللعبة بالكامل في يد الأمريكان . ولو أن أمينة زيدان كتبت هذه الرواية عقب كامب ديفيد لتصورنا أن الرؤية لم تكن واضحة في تلك الفترة ، غير أن بالرواية ما يشير إلي حرب العراق والمطالبة بعدم ضرب العراق ، أي بعد كامب ديفيد بما يقرب من ربع القرن ، وبعد أن تكشف لكل ذي نظر مدي ما كان عليه من بعد نظر ، ويكفي النظر إلي حال العرب اليوم بعد هذه السنين الطويلة .
ويمضي اليأس والقنوط إلي نهايته فلا تكتفي الكاتبة بالموت المعنوي لرموز الستينيات من شخوصها ، فتميتهم موتاً جسديا كذلك ، فكريمة التي كانت ثواب الصابرين ومآب الطيبين ، تموت محترقة حين تضاجع أمريكيا من قوات حفظ سلام إسرائيل ، وإسماعيل الذي حاول أن يقرأ الحقائق " من خلف أكاذيب التاريخ والبيانات والقرارات الدولية " وبعد أن يخنق أخاه غير الشرعي " أدهم " يموت غريقا في مشهد تتحجر فيه الدموع خلف الأحداق المتجمدة لوجوه متعبة بالانتظار . ومن لم يمت بالجسد مات بغيره ، فعبد الناصر الطفلى المشاعر ، الحالم مع غيره بكريمة ، ينتهي به الأمر الخلود داخل احدي غرف مستشفي للصحة النفسية ، وعبيد الداعي إلي الفضيلة يتحول كشكه إلي ركن منزو في ربع خال من الصحراء ، وأصبح يتعاطى الحشيش والبانجو . حتى القارب القديم المعطوب في المياه والذي كان ملتقي العاشقين .. تأكله النار [ .. ويتصاعد دخانه مصبوغا بتأوهات ملتذة وتنهدات معذبة ] وهكذا [ .. يحترق القارب كما تحترق الذاكرة ، ودون أن يودعه أحد ، فيفتقد القارب كل الوجوه التي ائتنس بها .. ] ويصبح المشهد شديد السواد لتنتهي الرواية ب [ طائر أسود يقف غير بعيد .. وفأر يركض إلي غبة البوص والأعشاب الشائكة .. وشرطي يغلب النعاس علي طرف سلاحه الخاوي من الرصاصات ..] لتؤكد الكاتبة نعيها علي السلاح الذي خاويا من الرصاصات ، غير أن الصورة القاتمة والكافرة بكل شيء ( إلي الدرجة التي تعرض الكاتبة ذاتها لما لا تحمد عقباه مع بعض من مستهم أو تلامست مع أوتارهم ) .
غير أنه علي الرغم مما قد يبدو من العرض علي هذا النسف من أن الكاتبة قد قدمت رموزا لرسالة تود سياقها ، علي مستوي الخطاب الروائي ، إلا أن الحقيقة تبدو غير ذلك علي مستوي النص الحكائي ، حيث نجحت الكاتبة في رسم تلك الرموز في صور شخصيات حية تنبض بالحياة وتموج بالمشاعر والأحاسيس من خلال السرد المركز الموحي والمقترب من الشاعرية في كثير من الحالات ، فتلك هي سيدة ، تحمل من المشاعر الفوارة المحتدمة بداخلها .. تقع فريسة المعرفة والصمت ، معرفة حقيقة قتل أمها لأبيها ، فلا تقدر علي البوح ، لتتمزق بين الصمت والكلام ، بين الغضب علي الأم والرثاء علي الأب ، وتق فريسة لحب محرم لفريد الذي كان لها النسمة السارية في بدنها ووجودها ، بينما تعاني برودة الحياة وتبلد المشاعر تجاه زوجها إسماعيل الذي تشعر معه بالغربة ، فريسة الإيمان بأن أخاها عبد الناصر ليس مجنونا ، بينما لا تستطيع إثبات ذلك حتى لأبيها وأبوه ، فتصبح هي الوحيدة التي تداوم علي زيارته ، وبعد أن يغرق زوجها إسماعيل ، يكون قد وضع فيها بذرة الجنين ، تظنه عوضا وامتدادا ، غير أن الدانة القديمة القابعة في بيت أم غريب ، والمخبأ تحتها البانجو المجلوب بمعرفة حميد ، تنفجر الدانة فتدمر البيت وتجهض الجنين ، لتعاني الفقد وتصبح مثل " الصرمباء المملحة " ، كالقوقعة سميكة الجدار علي لحم شهي في انتظار الآكلين .
ويبقي القول بأن متعة القراءة التي تقدمها هذه الرواية البديعة يشوبها العديد من الأخطاء المطبعية ( طبعة مكتبة الأسرة 2003 ) ، مما قد يُعيق السياحة والسباحة في تيار الأسلوب المتدفق المراوغ فتزيد حجم التساؤلات ، فضلا عن كتابة الكلمات العامية بنطقها في الوقت الذي يكون فيه الأصح هو الكتابة المعربة – إن صح التعبير – بينما تنطق عامية في ذات الآن مثل : ( فداهية ) فالأصح أن تكتب ( في داهية ) ، و ( ف 67 وف 73 ) حيث الأصح أن تكتب ( في 67 وفي 73 ) وغيرها كثير .
وهكذا كان العبث في نظر أمينة زيدان هو التحول من رومانسية وثورية الستينيات إلي مادية ومنفعية السبعينيات . غير أننا لا نملك إلا القول بأن هذا هو العبث بالحقائق والتاريخ وهكذا – بعد ثلاثين عاما – يكون هو العبث بما حدث في 73 .
فقدمت من قبل مجموعة قصصية " حدث سرا " ففازت عنها بكتاب العام في معرض الكتاب .
وكتبت روايتها الأولي " هكذا يعبثون " ففازت بها في أخبار الأدب .
وها هي تفوز بروايتها الثانية " نبيذ أحمر " بجائزة نجيب محفوظ لهذا العام .
وحيث أنني لم أقرأ " نبيذ أحمر" حتي الآن ، وددت أن أقدم أمينة زيدان لقارئ الورشة ، فكم هي جديرة بالقراءة . وكم هي مبدعة بخيلة
مع وعد بتقديم قراءة لمجموعتها المتميزة " حدث سرا " في القريب إن شاء الله
.............................
هكذا يعبثون.. وهكذا تقول أمينة زيدان علي غلاف روايتها البديعة ، لتترك الفضول ينهش أفكارنا ويشد أفئدتنا سعيا نحو معرفة .. من هم الذين يعبثون ؟ وبما ذا يعبثون ؟ وكيف يعبثون ؟ .
غير أن اسم أمينة زيدان علي رواية جديدة لا بد يستدعي إلي الذهن مجموعتها الأولي " حدث سراً " وكيف أنها لم تكن كالكثيرات من بنات جيلها تركز علي ما يسمي بكتابة الجسد والعناية بمشاكل المرأة وأحاسيسها – علي الرغم من أن كتابتها لا تخلو من ذلك إلي الحد الذي وصل بأحد النقاد يركز علي هذا الجانب في كتابتها وما كان منه في تلك المجموعة – غير أن هذا لا يأتي كهدف وغاية ، وإنما تستخدمه أمينة زيدان للإمعان في تأكيد إسلوبها المراوغ الخادع ، وليحمل عملها أكثر من مستوي للقراءة بحيث يمكن القول باطمئنان أن أمينة زيدان تركز بالدرجة الأولي علي الهم العام ، هم الوطن ، علي الأحداث الكبرى ، غير أن ما يثير التساؤل والدهشة هو أن الكاتبة كانت في مجموعتها تتوجع وتتألم مما حدث في يونيو 67 ، لكنها هنا تنظر للأشياء بمنظار مختلف ، كيف؟ ذلك ما نحاول التعرف عليه بين دهاليز العمل ومنحنياته المتعرجة والمتداخلة والتي ذاب فيها الزمان والمكان ، فأمينة زيدان لا تقدم حدثا متصاعدا ، أو شخصيات متنامية واضحة المعالم ، وإنما تعتمد تجزيء الزمان – إن صح التعبير – مركزة علي الهم الشخصي الإنساني ، لتزيد من التمويه والإيهام ، ومعتمدة علي الشاعرة المشحونة الموحية التي تدعو إلي التأمل والبحث عما خبأته وراء الظاهر ، فهي إذن تلمح أكثر مما تصرح ، وتوجز أكثر مما تُفيض وُتزيد .
"فبداية من الإهداء ..
إلي أبي وأمي .. أحبكما ..
إلي غرب النيل .. حيث كانت الطبيعة والحياة . "
ففضلا عما يمثله الأب والأم من كونهما يمثلان الماضي – بالنسبة لها – فإن كانت في " حيث الطبيعة والحياة " تعني أيضاً الماضي وانتفاء الحب عن الحاضر وانقطاع الصلة عنه ، فالطبيعة كانت .. ولم تعد ، يؤكد ذلك ما تسوقه – أمينة زيدان – من تلوث أخلاقي إلي حد المستنقع . فها هي " سيدة " تعرف أن أمها قتلت أباها لأنها أنثي قبل أن تكون أما ، حيث تغلبت الحاجة الشخصية الفردية حتى علي الفطرة التي عليها الكائنات ، لا البشر فقط . وها هي سيدة نفسها لم تعد ترتاح لقبلات فريد حيث لم يعد مذاقها كما كانت في البداية ، فقد أصابها الضجر والملل ، فهي تنتقل من أحضان لأحضان ، ومن جحر لحفرة ، ويزداد جوها فسادا لتتحول الأيدي الرحيمة والأمينة إلي أيد ملوثة بالفساد ، فالطبيب الذي يجهضها يتحرش بها وينهال عليها تقبيلا بينما هي في المخدر لم تزل ، لكنها تحث أنفاسه خانقة ضاغطة علي أنافسها ، وتهرب من الجميع لتبحث عن الغريب الذي يعيش في بلاد " الزلمكة والجمال " في إشارة أخري إلي ما آلت إليه البلاد والعباد في بلدها ، وفي إشارة أيضا إلي بلاد الجِمال التي هبطت عليها الثروة وأصبحت بلاد الزلمكة .
وها هو إسماعيل الذي سنتبين أنه كان أحد رموز الطهر والمثالية يغوص في وحل البيئة الموبوءة والملوثة أيضا ل" كريمة " ، فحين يزور أمها – بعد وفاتها – وبناء علي طلب الأم ، تفتح لها أختها التي تشبهها ، وبعد أن تفتح له الباب تنطلق إلي حجرتها التي تنطلق منها تأوهات جاكسون ، فلا يعرف أين يتجه ، وتسوقه قدماه إلي الحجرة المجاورة – كما تصورها – لكنها لم تكن حجرة ، حيث وجد الأم تجلس أمامه علي المرحاض تدخن فلا تنزعج ، فقط تدعوه لانتظارها " ها خلص وأجي لك "* ، وعندما تلحق به في الحجرة الأخرى ويسألها عن " زوج حضرتك " تتهكم في سخرية تنضح بالعفن والوسخ : [ جوز حضرتي ؟ لا .. ده أنا طلقته ، كان ابن كلب .. ] وتكشف له عن أنها كانت قد خُطبت لخضر ، إلا أنها تزوجت من أخيه إدريس لأن خضر لم يكن له في النساء ، ويزيد الصورة وضوحا وصف الكاتبة لها حينما كانت تجلس [ .. أمامه ترتدي قميص نوم تقفز من نعومته حلمتا نهديها ، كل ذلك أشعل توترك المتقافز فوق الأرائك والمناضد متحسسا حياة كانت تعيشها كريمة ..] ص 101 . كريمة التي كانت محط أنظار الجميع ومطمع الجميع ،وقتلها عمها لسوء السلوك . بينما تحرق أم عزيزة ملابس زوجها شعبان بعد أن تعرف أنه يعاشر أختها أم غريب ، لتزيد الصورة تلويثا وقتامة .
ويصل العفن وتتصاعد روائحه الكريهة عندما تسلم صفية نفسها لحميد وتسلم زوجها لأم حميد . و حميد هذا الذي [ .. كان ينقل طوالى السمك ويأخذ عرقه شوية سمك يبيعهم في قفة علي أول حلقة الغريب ..] ص109 ، ثم أصبح عضوا بمجلس الشعب .. يركب المرسيدس . يطلب حميد من صفية أن تلد له ولداً فلا تملك الممانعة وبعدها بشهر تطلب من زوجها ( مخاواة ) ابنهما إسماعيل ، فيأتي أدهم – ابن غير شرعي – بعد ثمانية أشهر من حساب زوجها الشرعي المعلن ، وأصبح علي الجميع أن يصدقوا لأن أدهم ابن شرعي – رغم الحسابات – الجميع يصدقون لكن حميد هو الذي يعرف ، لكن إسماعيل الصغير – وكأنه يرمز للثورية من صغره – يكتم علي أنفاس أخيه غير الشرعي أدهم فيقضي عليه ، لكن صفية لا تجرؤ علي الاعتراف لحميد بأن ابنها إسماعيل هو الذي فعلها ، إذ أنه – حميد – قد انهال عليها شتما وتوبيخا بأقذع الشتائم لمجرد أن ابنه قد مات موتا طبيعيا ، فما بالك لو علم أن ابنها هو الفاعل ؟ .
وإذا كان حميد هو الرمز الصارخ لما حدث بالمجتمع من تغير وانقلاب ، إلا أنه لم يكن الوحيد ، فها هو أيضا عبيد ، ذلك الذي كان يوزع الكتب الدينية علي الشباب ، ترغيبا وترهيبا ، ويدفع الناس للمساجد ، قد فارقت المسبحة يده وعُلقت علي باب الكشك تهزها الرياح ، حتى الكشك نفسه أصبحت تتصدره طاولة المحار المشوي [.. وجبة الشباب والأزواج الرئيسة لليالي الخميس الصاخبة ، بالإضافة إلي البانجو الملفوف كأصابع العجائز وزجاجات البيرة الخضراء ..] ص34 .
وإسماعيل المحارب الأبدي – بالشعارات – الممتنع عن استهلاك كل ما هو إسرائيلي قد فقد هو أيضا عذريته الثورية ، فقد البراءة والدهشة ، استغني عن أحلام الثورة لأنه اكتشف ثورته الخاصة ، فأصبح يعيش بروح التاجر ، أصبح عبدا لمصالحه الخاصة ، حتى لو كانت مع الصهاينة ، تكشف وجهه عن مدعٍ ليس عنده مانع من التجارة في كل شيء .. حتى الأفكار [.. كم أنت مدع يا إسماعيل ، أزمتك أنك لا تصدق ادعاءات ، ليس لك هدف ولا قيمة ، تجلس علي المقاهي .. ريش والبستان والأتيليه ، تسمع كلمة من هنا وتعليق من هناك ، رأي لهذا وتحليل لذاك ، تتناقلها وتنسبها لذاتك الفقيرة ، توزع علي المثقفين وغيرهم نسخا سرية من مجلات الشرارة والاشتراكية الثورية ، الانتصار والوعي . متناسيا صفقاتك وحسين علي بضائع الكساء الشعبي التي كنتم تشترونها من موظفي المتاجر الحكومية وتبيعونها بعشرة أضعاف في القنطرة ..] ص98 .
وتكشف أمينة زيدان عن السر وراء التحول المجتمعي ، عن التحول من الحلم إلي الواقع المرير ، عن الرومانسية إلي الواقعية الأليمة عندما يفاجأ سلمان بعد عذرية صفية بعد أن ( افتضها ) شعبان لتوضح تبدل الحال من أحلام الستينيات إلي واقعية ما بعدها – وإن كانت لا تراها واقعية ، حيث تركز علي العفن والفساد فيها – مؤكدة أن النظرة إلي تلك الفترة أصبح مثار السخرية ، فتسخر صفية من سلمان ، ذلك الباحث عن تلك السذاجة التفاهة المسماة بالعذرية : -
[.. سلمان صاحب الوجه الستيني الرومانسي ، الآن يتهيأ لعينيك متسائلا في دهشة عن عذريتك ، أية عذرية كان يبتغيها حينئذ ، وفيم إنهمامه بها ، ولما أرادها ، أي شيء كانت ستضيفه تلك العذرية الغبية ..] ص 124 .
إذن فقد حددت – أمينة زيدان – فترة الستينيات كفترة رومانسية ، فترة للحلم والفروسية ، غير أنها أصبحت الآن مثار التهكم والسخرية بعد أن فقدت البراءة والعذرية .
وعبد الناصر عندما كان زمن اللعب مع كريمة ، يتطلع إلي شيء بعيد المنال – في تصوره – وهو أن ينام في حضن كريمة .. فإذا ما وقع الشايب لديها سوف لا يحكم عليها بالخروج إلي الظلام أو مواجهة الأطياف أو أي شيء يرعب الأطفال في براءتهم ، إنما سيحكم عليها أن ترقد إلي جانبه علي الكنبة الصغيرة ، فتجيبه كريمة علي الفور في تعبير ينم عن المعايشة والصدق : -
[.. إنتي فاكرني هاتكسف ؟ د أنت عيل يله ..] فيكون ذلك هتك لعذرية الطفل وفقد لبراءته و : [ .. من ليلتها لم يُصّل عبد الناصر الفتي الورع أي فجر في الزاوية أو في البيت ، ولم ير عم عبيد ولم يقرأ سطراً من كتبه التي أعطاه ، فقط حكاية القرصان والأميرة ..] ص26 حيث [ .. أنت يا كريمة أميرة القراصنة ، يفوز بضمك من كان شجاعاً طيباً لا يتردد .. ] ص23 . إذن فعبد الناصر هو أيضاً أحد رموز الستينيات الرومانسية البريئة ، منضما إلي سلمان وإسماعيل وعبيد ، ولتبدأ خيوط أمينة زيدان في التكشف ، ولنبدأ في لملمة أطرافها ، خاصة عندما يردد عبيد ذلك النشيد العتيق الذي كان يردده مع صفية والذي يبدأ ب :
برز الثعلب يوما في ثياب الواعظين
ومشي في الأرض يهدي ويسب الماكرين
إلي :
فأجاب الديك عذراً .. يا أضل المهتدينا
بلغ الثعلب عني .. عن جدودي السابقينا
عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا
إنهم قالوا وخير القول .. قول العارفينا
مخطئ من ظن يوما .. أن للثعلب دينا
ثم يقول عبيد : [ .. أتذكرين من كان الديك ومن كان الثعلب ، وكيف التهمنا في 67 وف 73 ، فاكرة مين كان ثعلب ومين كان ديك ، كنا إحنا ديوك عارفين أن رقابنا مطاطية تحت سكينة يلمة ، وعارفة كمان ذوي التيجان ، إنت اللي قلت .. بتوع ثورة الحرامية .......] ص 154 . فهي إذن تجعل من رجال السبعينيات هم الثعالب ، هم الذين لوثوا البراءة وهم الذين فضوا العذرية الثورية . ويتأكد ذلك بصورة مباشرة عندما تؤكد أن ما حدث في 73 كان خيانة !!!!!! .
[ .. تنتهي الحرب نهاية مفاجئة ، أكثر إيلاما من الهزيمة ، لأن الهزيمة .. أي هزيمة ، هي باب للثأر تفتحه حروب حقيقية ، عوضا عن بحر دماء شقته وملأته نوافير عروق مصرية علي طبق العروبة من 48 مرورا ب56 إلي 67 .. حتى خيانة 73 ..] ص132 ، أي أن أمينة زيدان تري أن الهزيمة أي هزيمة ، ما كان منها في 48 أو في 56 أو حتى في 67 هو أفضل من الخيانة التي حدثت من وقف الحرب في 73 ، فالدماء والخراب والدمار ، القتل والعار والانتحار ، المرارة والانكسار ، أفضل – لديها - من توقع المعارك ، ويا لها من رؤية يعجز القلم عن وصف ما فيها من تجن وظلم . ولست أدري كيف يستقيم ذلك مع ما قدمته من وصف للغارات والدمار والتهجير بعد 67 ، بل وعلي ذات الصفحة نفسها ص132 ، حيث تصف صفية حالها بعد احدي الغارات في صورة من أجمل ما قدمته – أمينة زيدان – من صور : -
[ .. حين تنتهي الغارة وتخرجين في زحام الناس من الخندق ، تتأملون المعالم الجديدة المضافة إلي الطرقات .. خرابات جديدة ترسم خريطة مغايرة للطرقات والحارات ، تجرجرين قدميك اللتين أثقلهما الخوف ، علي كتفيك ينام ولدك بعد بكائه العنيد الطويل ، تسوحين في الظلمة بين البشر السائرين نصف نيام ، يبحثون عن بيوتهم أو ما تبقي منها ، يتأملون أجسادهم وأطرافهم متشككين في بقائهم أحياء ، أقراص الضوء تثقب العتمة رويدا ، تفتحين عينيك علي الضوء الذائب في الطريق والوجوه المتشابهة ، يحدد الضوء شعورك بالوحشة بينها ، تتمنين لو أن بينهم شخص واحد يربطك بصلة الدم ، تضمينه إلي صدرك دون أن توخزكما مآسي الفقد والترمل واليتم ، لكن بلادة عيونهم تقتلك .. قتلاً أسرع من قتل الرصاصات وأعنف . ] وعلي الرغم من تلك الصورة الناطقة بالبؤس والضياع والتشتت ، صورة القهر والانسحاق ، إلا أنها تستمر في استعراض لصورة للضغط علي مشاعرنا وتزيدنا إحساسا بالتشتت والضياع :
[ تتوجهين منفصلة عنهم إلي بيتك .. فلا تجدين موضعه غير ركام عال ، يدور حوله زوجك باحثا عنك وعن ولده تحت الكتل الحجرية الكبيرة والخرق المتطايرة ، وحين يراك ..
- يا بنت الكلب كنت .. طيرت الخمرة من دماغي ، كنت فين ؟
- كنت فداهية تاخدك ، شوف بقي حنتاوي فين في ليتلك المهببة دي ؟ .. ]
فكم هي معبرة تلك الصورة للمشهدين الخارجي في الحطام والخراب ويقايا البيوت والخرق ، والداخلي في ضياع المأوي والسكن والسكينة ، بقايا نفس وضوء يجاهد ليخلق بعضا من بصيص ، ووسط هذا التيار المنساب من المشاعر والأحاسيس ، ينكسر الإحساس بالصخرة التي تواجه صفية الباحثة عن أي من الباقين يمت لها بصلة الدم ، إذا بزوجها – والمفروض أنه السكن لها – بدلا من أن يحتضنها وابنها ويضموهما إلي صدره ، يلطمها لطمة – رغم ما فيها مم يضحك – إلا أنه ضحك كالبكاء فإنها لم تفيقه من غيبوبته هو فقط ، وإنما تفيقنا نحن أيضاً – فيزيد من مرارتنا ، وليبرز التساؤل عنيفا مزلزلا : كيف بعد هذا الوصف وهذه الأحاسيس والمرارات تقول الكاتبة أ، نهاية الحرب .. أي حرب .. وعلي أي صورة ، أنها خيانة ؟!!!! ، حتى وإن كانت قد حاولت تبرير ما تصورته خيانة بوضع الأمور في يد الغير ليتولى حلها :
[ .. أنت الآن خارج اللعبة تماما .. مثل الجميع ، لأن أوراق اللعبة الحقيقية استقرت في جوف قبعة صاحب الملهي .. الكاوبوي .. ] ص149 في إشارة إلي قول السادات – صاحب القرارات – بأن أوراق اللعبة بالكامل في يد الأمريكان . ولو أن أمينة زيدان كتبت هذه الرواية عقب كامب ديفيد لتصورنا أن الرؤية لم تكن واضحة في تلك الفترة ، غير أن بالرواية ما يشير إلي حرب العراق والمطالبة بعدم ضرب العراق ، أي بعد كامب ديفيد بما يقرب من ربع القرن ، وبعد أن تكشف لكل ذي نظر مدي ما كان عليه من بعد نظر ، ويكفي النظر إلي حال العرب اليوم بعد هذه السنين الطويلة .
ويمضي اليأس والقنوط إلي نهايته فلا تكتفي الكاتبة بالموت المعنوي لرموز الستينيات من شخوصها ، فتميتهم موتاً جسديا كذلك ، فكريمة التي كانت ثواب الصابرين ومآب الطيبين ، تموت محترقة حين تضاجع أمريكيا من قوات حفظ سلام إسرائيل ، وإسماعيل الذي حاول أن يقرأ الحقائق " من خلف أكاذيب التاريخ والبيانات والقرارات الدولية " وبعد أن يخنق أخاه غير الشرعي " أدهم " يموت غريقا في مشهد تتحجر فيه الدموع خلف الأحداق المتجمدة لوجوه متعبة بالانتظار . ومن لم يمت بالجسد مات بغيره ، فعبد الناصر الطفلى المشاعر ، الحالم مع غيره بكريمة ، ينتهي به الأمر الخلود داخل احدي غرف مستشفي للصحة النفسية ، وعبيد الداعي إلي الفضيلة يتحول كشكه إلي ركن منزو في ربع خال من الصحراء ، وأصبح يتعاطى الحشيش والبانجو . حتى القارب القديم المعطوب في المياه والذي كان ملتقي العاشقين .. تأكله النار [ .. ويتصاعد دخانه مصبوغا بتأوهات ملتذة وتنهدات معذبة ] وهكذا [ .. يحترق القارب كما تحترق الذاكرة ، ودون أن يودعه أحد ، فيفتقد القارب كل الوجوه التي ائتنس بها .. ] ويصبح المشهد شديد السواد لتنتهي الرواية ب [ طائر أسود يقف غير بعيد .. وفأر يركض إلي غبة البوص والأعشاب الشائكة .. وشرطي يغلب النعاس علي طرف سلاحه الخاوي من الرصاصات ..] لتؤكد الكاتبة نعيها علي السلاح الذي خاويا من الرصاصات ، غير أن الصورة القاتمة والكافرة بكل شيء ( إلي الدرجة التي تعرض الكاتبة ذاتها لما لا تحمد عقباه مع بعض من مستهم أو تلامست مع أوتارهم ) .
غير أنه علي الرغم مما قد يبدو من العرض علي هذا النسف من أن الكاتبة قد قدمت رموزا لرسالة تود سياقها ، علي مستوي الخطاب الروائي ، إلا أن الحقيقة تبدو غير ذلك علي مستوي النص الحكائي ، حيث نجحت الكاتبة في رسم تلك الرموز في صور شخصيات حية تنبض بالحياة وتموج بالمشاعر والأحاسيس من خلال السرد المركز الموحي والمقترب من الشاعرية في كثير من الحالات ، فتلك هي سيدة ، تحمل من المشاعر الفوارة المحتدمة بداخلها .. تقع فريسة المعرفة والصمت ، معرفة حقيقة قتل أمها لأبيها ، فلا تقدر علي البوح ، لتتمزق بين الصمت والكلام ، بين الغضب علي الأم والرثاء علي الأب ، وتق فريسة لحب محرم لفريد الذي كان لها النسمة السارية في بدنها ووجودها ، بينما تعاني برودة الحياة وتبلد المشاعر تجاه زوجها إسماعيل الذي تشعر معه بالغربة ، فريسة الإيمان بأن أخاها عبد الناصر ليس مجنونا ، بينما لا تستطيع إثبات ذلك حتى لأبيها وأبوه ، فتصبح هي الوحيدة التي تداوم علي زيارته ، وبعد أن يغرق زوجها إسماعيل ، يكون قد وضع فيها بذرة الجنين ، تظنه عوضا وامتدادا ، غير أن الدانة القديمة القابعة في بيت أم غريب ، والمخبأ تحتها البانجو المجلوب بمعرفة حميد ، تنفجر الدانة فتدمر البيت وتجهض الجنين ، لتعاني الفقد وتصبح مثل " الصرمباء المملحة " ، كالقوقعة سميكة الجدار علي لحم شهي في انتظار الآكلين .
ويبقي القول بأن متعة القراءة التي تقدمها هذه الرواية البديعة يشوبها العديد من الأخطاء المطبعية ( طبعة مكتبة الأسرة 2003 ) ، مما قد يُعيق السياحة والسباحة في تيار الأسلوب المتدفق المراوغ فتزيد حجم التساؤلات ، فضلا عن كتابة الكلمات العامية بنطقها في الوقت الذي يكون فيه الأصح هو الكتابة المعربة – إن صح التعبير – بينما تنطق عامية في ذات الآن مثل : ( فداهية ) فالأصح أن تكتب ( في داهية ) ، و ( ف 67 وف 73 ) حيث الأصح أن تكتب ( في 67 وفي 73 ) وغيرها كثير .
وهكذا كان العبث في نظر أمينة زيدان هو التحول من رومانسية وثورية الستينيات إلي مادية ومنفعية السبعينيات . غير أننا لا نملك إلا القول بأن هذا هو العبث بالحقائق والتاريخ وهكذا – بعد ثلاثين عاما – يكون هو العبث بما حدث في 73 .
* الاقتباسات كما كتبتها الكاتبة بنصها دون تدخل منا

تعليق: هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
عميق أنت كما عهدتك
أشكر لك تعريفنا بهذه الكاتبة
تمنيت لو قرأت الرواية كي استمتع أكثربتحليلك الرائع
كل التقدير
تعليق: هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
عندما أريد الاستمتاع بعمل راقي وممتع
أسعى باحثة عن مقال لك في صفحات الورشة
ودائما اعود بسيل كبير من المعلومات
دمت متميزا وفريدا فيما تكتب
لك كل الود
تحياتي ،،،
دعــــــاء
تعليق: تعليق: هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
فراشة الموقع التي تعطي الرحيق للزهور لا تأخذ منها
كلماتك عطاء وتحفيز
دمت متألقة ومعطاءة لكل من هو في حاجة إليك
شوقي
تعليق: تعليق: هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
أصبح تعليقك ما أنتظره
وتشجيعك وتحفيزك ما أترقبه
لك كل التحية والتقدير
دمت شاعرة ناشرة للعطر والحب والمودة
شوقي