You are here

الصفحة الرئيسية

واحد سويس!




واحد سويس
د . رضا صالح



عندما اقتربت ابنتى من شباك التذاكر ؛ تهلل قلبى وفرح ..سوف تقطع التذكرتين ؛ ونعود إلى مدينتنا بالسلامة ؛ لن أتأخر بالتالى عن ميعاد عملى ...
رأيت الطابور لا يتحرك ، لعب الفأر فى عبى..
طويت الصحيفة فى يدى ، واتجهت ناحية الشباك :
- لماذا توقف الحجز ؟
رد أحدهم من طابور الرجال المجاور لطابور الحريم :
- التذاكر خلصت !
- يا سلام !!
رد الواقف أمامى:
- لا يا أخى ؛ الكمسارى يتناول كوب شاى فى الكافتريا
اقتربت من الشباك؛ سألت بعلو صوتى أحد الجلوس بالداخل :
- لو سمحت ؛ لم توقف الحجز؟
رفع الرجل عينيه والقلم بيده ، مبحلقا من تحت نظارته :
- منتظرين أتوبيس يا سيد
احترت ولم أتكلم ،آثرت الصمت، انتظرت ربع ساعة أخرى ، قلت فى سرى : مثلنا مثل الناس ، ربنا كبير ..
بعد قليل بدأت الحركة تدب فى الطابور ، داعبنى الأمل مرة أخرى، لولا أن طابور الحريم أقصر من طابور الرجال لوقفت بدلا منك يا بنتى ، ولكن ما كل هذه الجموع ؟ وما سر تحركاتهم الكثيرة هذه وسفرهم المتكرر؟ ، أم أن الإدارة هى التى تحتاج إلى إعادة نظر؟ حتى الآن لم أستطع - وربما لم يستطع غيرى - أن يجيب على هذا التساؤل !!
توقفت الحركة للمرة الثانية بالطابور ، سمعت صوت ميكروفون المحطة يقول :
- السويس ميعاد 7 أتوبيس رقم43
صعد الفائزون بتذكرة فى ميعاد 7؛ بدت علامات القلق على ابنتى, خرجت من الطابور ؛ قالت لى :
- التذكر خلصت ، من الأحسن أن نأخذ الميكروباس ..
- أعتقد أنه أحسن الحلول أمامنا
---***---
تحركنا من مكاننا ؛ بعد السؤال وصلنا إلى طريق خلفى ملىء بالميكروباسات ؛ تفوح منه رائحة بنزين مختلط برائحة غبار وكاوتش محروق ،الجو مغبر بالأتربة ؛ عند وصولنا شهدنا المنادى ...
- واحد سويس .. واحد سويس...
بعد أن صعد أحد الركاب ،استأنف الرجل النداء مرة أخرى :
- واحد سويس ..واحد سويس..
---***---
بصعودنا إلى السيارة ؛ اكتمل عدد الركاب ، بعد أن ساقنا الحظ لنكون آخرهم .. فى الحال صعد السائق الذى ألقى نظرة سريعة اطمأن من خلالها على امتلاء الميكروباس المتهالك ...
أدار الموتور ؛ وأخذ طريقه من هذا المكان الخبىء الكائن بالشارع الجانبى الضيق ، بالقرب من محطة القللى ، وعرج على شارع أحمد حلمى، سار واخترق طرقا لم أرها من قبل ، وفوجئت به يسير عكس الاتجاه ، لم يرفع يده تقريبا من على الكلاكس , فجأة ؛ توقف سيل المركبات ، حاولت أن أعرف السبب وحدى ، لم أتمكن .
انبعثت رائحة الكاوتش المحروق، ظننت أن الإطار قد احترق ، ربما يكون تيل الفرامل قد قفش على الكاوتش مع الحرارة المرتفعة , لم يعلق أحد؛ الحمد لله كانت الرائحة آتية من خارج عربتنا الجهنمية .
الكل صامت ،لا يريد أحد أن يبدأ بالكلام ؛ كأنما على رؤسهم الطير ، رأيت الموقف الجديد، موقف أحمد حلمى بأسواره الحديدية ؛ شاهدت وراءه مبنى لم أكن قد رأيته من قبل ، لم أقترب من هذه المعالم من سنوات عديدة .
كان سائقنا يسير مسرعا ؛ مخترقا سيل السيارات المحيطة بنا، تمالكت أعصابى ، ومسكت لسانى ولم أشأ أن أزج بنفسى فى حوار خاسر . قلت ربما كان ذلك السلوك قد تعود عليه الركاب ، لا أريد أن أكون أول المعترضين ؛ ربما أكون آخرهم؛ بل ربما ينضم الركاب إلى السائق , وأصبح أنا كالغريب المشاكس ، آثرت السكوت ؛ وخصوصا أننى لست من محترفى ركوب الميكروباسات ، ليس ترفعا ؛ ولكن الظروف لم توقعنى فى هذا البحر الخضم والحمد لله.
فى الطريق؛ كان الزحام هو الطابع الذى ميز كل الطرق وكل الأحياء تقريبا ، صعد الميكروباس مطلع كوبرى أكتوبر وقد أخذتنى الشفقة والرعب علينا جميعا؛ عندما أعدت النظر حولى وجدت الميكروباس يحتاج إلى كل أعمال الصيانة والترميم ؛ لا .. بل يحتاج إلى الفصل من الخدمة ، و الراحة من عناء السفر ،لا يوجد كرسى سليما ، تساءلت ..ترى كيف سيصل هذا الميكروباس إلى المدينة الباسلة ؟
---***---
اقتربت السيارة من منحنى شديد الوعورة ، عنده يتفرع الكوبرى إلى ثلاثة أفرع، مالت السيارة بشدة أثناء الدوران ، لكى يدخل إلى طريق النصر ، ستر الله أنقذنا من الانقلاب ، سار بعيدا إلى اليسار واتجه إلى طريق صلاح سالم ، تعجبت من هذه الانحناءة التى لم يحاوره فيها احد من الركاب , تكهنت أن السائق يريد الابتعاد عن أعين رجال المرور..
نحن فى رمضان والناس صائمون ؛ يبدوا أنهم صائمون أيضا عن الكلام المباح .
---***---
عند وصوله إلى صحراء الماظة , هبط فجأة ناحية الرصيف الأيمن ,عندها شاهدنا سيارة ميكروباس أخرى بيضاء ، نظر لنا السائق الشاب قائلا :
تفضلوا يا بهوات ،الميكروباس التانى...
نزلنا من العربة الطائشة ؛ حامدين مهللين واتخذ كل راكب مكانه فى السيارة البيضاء كما كنا فى المتهالكة ، فقط أحد الركاب - وكان شابا يرتدى ملابس الجنود - هو الذى اتخذ مكانا آخر، وقال انه ليس هناك ما يجبره على أن يجلس فى نفس المكان السابق .ثارت بوادر مشكلة بينه وبين سيدة مسنة ممتلئة , أقنعه بعض الركاب بأن يعود إلى مكانه الأصلى حتى يسير الميكروباس ولا يتعطل الركاب ، رضى فقط بعد أن أثاروا فيه نخوة الرجولة , وقالوا له إن هذه مجرد "واحدة ست , لا يجب أن تعمل عقلك بعقلها " .
شاهدت السائق الجديد وهو ينقد القديم مبلغا فى يده وتضاحكا , صعد إلى الميكروباس ونظر إلى الركاب قائلا : - - الكل جاهز ؟
غمغم الركاب :
- نعم ..نعم..
---***---
رأيت السيارة بحالة جيدة ؛ بأعلى الجدار بالناحية اليسرى نقشت المعوذتين : سورة الفلق وسورة الناس مكتوبتان بخط النسخ الرفيع ، ووسطهما كتبت آية كريمة : والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين " صدق الله العظيم
الطريق عريض؛ وكلما توغلنا قل عد المركبات , وظهر الطريق متسعا , مما دفع السائق إلى أن زيادة السرعة ، شاهدت مدن الشروق و القاهرة الجديدة وثكنات عسكرية بعدها ظهرت لافتة مكتوب عليها " مدينة بدر والعاشر من رمضان "، بعدها ظهر على الطريق الاستراحة الجديدة ؛ بعدها بكيلومترات تعد على أصابع اليد الواحدة ظهرت مئذنة مسجد ومقام سيدى الدكرونى والى جواره توجد تلك الاستراحة القديمة .
خزان المياه العتيق أعلى مبنى دورة المياه ومجموعة من الأزيار الفخارية لا أحد تقريبا يقف بسيارته سوى المصلين أو بعض الزائرين وسائقى الشاحنات الضخمة؛ قال السائق بصوت خفيض :
الحرارة عالية !!
لم يرد احد ؛ هدأ من سرعته واتجه بالسيارة ناحية الاستراحة ، بداخل المسجد صليت ركعتين وقرأت الفاتحة أمام مقام سيدى الدكرونى ، ترحمت على هؤلاء الأبطال الذين كانوا يقطعون مسافات طويلة فى شهور طويلة حبا فى الله ومن أجل زيارة بيته لأداء الفريضة وزيارة الرسول عليه الصلاة والسلام .
ذلك الرجل الصالح المغربى الجنسية توفى ودفن فى هذا المكان أثناء عودته من رحلة الحج ، وبنى عليه المسجد الذى صار مزارا. ويقع فى منتصف المسافة تقريبا بين السويس والقاهرة .
---***---
اتخذنا أماكننا بعد أن ملأ السائق الرادياتير بالماء ، فقد كاد يجف ، بين الحين والآخر ..فى الطريق ؛ كان السائق يلقى بنظرة جانبية على الجالسين جواره ؛أحدهما - الملاصق له – أخذته سنة من النوم بعدها بقليل دخل فى شخير عميق وقد ارتمى برأسه ناحية السائق الذى بدا متوترا منه ، كان شريط الكاسيت يذيع القرآن المرتل بأصوات مقرئى الحرمين السديس ومشارى راشد والغامدى - وهى أصوات شجية- قد أحسن الاختيار، أسفت لندرة تداول أشرطة مقرئينا الكبار .
طاف بذهنى أن علاقة السائق بالراكب تتراوح بين الخدمة , وبين إمكانية قتله إن تطلب الأمر ، مثل العلاقة بين الربان ومن معه فى عرض البحر , وسط الأمواج العاتية والظروف القاسية ؛ هكذا الدنيا ، لابد فيها من حسن الخلق ؛ لتسير سفينة الحياة بأقل الخسائر الممكنة , بل بالعكس بالثمار العالية .
تذكرت تلك اللحظة مثلا يقول" لا تلم العازف على البيانو؛ فإنه يبذل أقصى وأقسى ما يستطيع "،
هكذا سائقنا الهمام كان مدفوعا بمواعيد لابد له من الوفاء بها؛ فصاحب السيارة يعطيه راتبا أفضل كلما كان الدخل أعلى . ----
غمز السائق جاره النائم بيده اليمنى برفق ، حتى يوقظه؛ نظرت خارج السيارة , وجدت أننا اقتربنا من نقطة تفتيش نفق الشهيد أحمد حمدى ,أمسك السائق بحزام سائب وألقى به على كتفه وقد تدلى على بطنه ؛ وطلب من جاره أن يربط الحزام تحسبا لمشاكل الغرامات المرورية التى أصبحت تثقل الكاهل ..
رن صوت المحمول فجأة تحمس صاحبه الجالس ورائى ، كاد صوته يخرق أذنى :
لم نصل الكمين، عند اقترابنا منه سأبلغك يا أخى ..
بعد قليل رن التليفون مرة أخرى ، رد عليه بصوت مرتفع :
ألم أقل لك عند الكمين سأرن عليك يا أخى !! اصبر شوية !!
صوت القارىء كان ينبعث جميلا وشجيا ، يقرأ من" جزأ عم " ؛ حملنا معه إلى أجواء روحانية رائعة ، بعدها قرأ دعاء ختم القرآن" اللهم اجعل خير عمرى آخره وخير عملى خواتمه ، وخير أيامى يوم ألقاك فيه ،اللهم إنى أسألك عيشة هنية وميتة سوية ومردا غير مخز .اللهم إنى أسألك خير المسألة ؛ وخير الدعاء وخير العلم وخير الثواب وخير الحياة وخير الممات .."
اللهم إنى أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر, والفوز بالجنة والنجاة من النار . اللهم أحسن عاقبتنا فى الأمور كلها وأجرنا من خزى الدنيا وعذاب الآخرة . اللهم أقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك , ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك , ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا , ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا ؛ وانصرنا على من عادانا ؛ ولا تجعل مصيبتنا فى ديننا ؛ ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا .
اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا دينا إلا قضيته ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها يا أرحم الراحمين . ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ؛ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الأخيار وسلم تسليما كثيرا "


د.رضا صالح-السويس- أكتوبر 2005

صورة د.رضا صالح
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات