You are here
والجنة مثوانا في .. بهجة العمي

والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
شوقي عبد الحميد يحيى
والجنة مثوانا في .. بهجة العمي[1] 
لاشك أن الأحداث الكبري تولد أدبا مغايرا . فإذا كا نت الحياة في أريعينيات القرن العشرين شبه مستقرة – نسبيا – من الناحية الاجتماعية علي الأقل ، فكانت هناك قيم معينة تسود المجتمع المصري ، وكان الخروج عليها يعتبر خروجا علي المجتمع ، ويقابل بالرفض والامتعاض ، فسادت الروايات التي تتحدث عن الريف وما يسوده من الهدوء والاطمئنان ، فكانت الحكاية هي أساس الأعمال الروائية ، حيث كانت هي المتنفس والاملاذ قبل ظهور التليفزيون ، وسيادة الرواديو الذي لم يكن يملكه إلا الخاصة من الناس ، فظهرت روايات طه حسين ( البؤساء 1944 ) والتي عُنيت بتناول التغيرات المجتمعية في الصعيد ، ويحيي حقي ( قنديل أم هاشم 1944 ) والتي عُنيت بانتقاد العادات السيائدة والتغير الذي بدأت بوادره بعد بداية الاحتكاك بالغرب ، و عبد الحميد جودة السحاروغيرهم .
وبعد العام الثاني والخمسين منه ، تغيرت أشياء كثيرة ، سلبت حقوق ومكتسبات ، واستجدت حقوق ومكتسبات ، وبالطبع من سلبت منه حقوق أو مكتسبات كان غاضبا وساخطا ورؤيته بالضرورة تختلف عن ذلك الذي استجدت له حقوق ومكتسبات ، ولا يهم بعد ذلك إن كانت هذه المكتسبات مستحقة أم غير ذلك . المهم أنها أحدثت موجات من المتغيرات الاجتماعية والفورات التي غيرت من الخريطة الاجتماعية . فظهرت الروايات المعبرة عما كان يعانيه أبناء الطبقة الفقيرة من المصري قبل 52 والذي صور رجال تلك الفترة أنهم إنما جاءوا من أجلها ، فبرزت روايات عبد الرحمن الشرقاوي ( الأرض ، والفلاح وغيرها ) ، ويوسف إدريس ( الحرام 1959 ومشكل عمال التراحيل ، فضلا عن روايات يوسف السباعي والتي حاولت تشويه ما قبل 1952 ( رد قلبي ، في بيتنا رجل ) لتبرز أن ما حدث في 1952 إنما كان للخلاص من هذه السوءات علي المستوي التحتي – إن جاز التعبير – بينما كانت روايات إحسان عبد القدوس تعري ما كان يحدث في المستوي الفوقي ، وإن لم تخلو من مغازلة طبقة العمال ، أو التأكيد علي قيمة العمل . ثم جاء فتحي غانم – وقبله ومعه وبعده يأتي نجيب محفوظ الذي أعتبره المؤرخ الاجتماعي الأول في القرن العشرين بما قدمه في العديد من رواياته والتي تحتاج لدراسة خاصة – أقول أن فتحي غانم كتب في تلك الفترة ( الرجل الذي فقد ظله 1962 ) وبها بدأ الحديث في التغير ، حيث بدأت في التنويه لما يحدث تحت السطح من فساد وكأنه النار تحت الرماد ، وهو ما تولدت عنه الأحداث في 1967 ، وما أحدثه من بركان أخرج كتل العفن والإفساد الذي دمر وهز كل المخبوء وأثمر تيارا جديدا من الكتابة الروائية تميزت بشكل عام ببداية تفتت الجملة وتشتت الموضوعات وتشظي الفكرة ، وما أصبح علامة لما سُمي بكتابة الستينيات وكان أبرز أبطالها بهاء طاهر وجمال الغيطاني وإبراهيم أصلان وصبري موسي وغيرهم وغيرهم .
وبعد العام الثالث والسبعين منه أيضا ( القرن العشرين ) ، والذي رغم أنه يبدأ بنصر أكتوبر، إلا أن ما تلاه من عمليات السلام ثم الانفتاح الاقتصادي ، والذي أساء المجتمع فهمه لتعارضه مع كثير من مصالح الطبقتين المتوسطة والفقيرة - ظاهريا - ، إلي جانب إساءة الكثيرين من المنتفعين به ، الأمر الذي ساهم في عملية الرفض من جانب الطبقتين السابق ذكرهما ، فحدث زلزال جديد في الخريطة الاجتماعية ، وتحطمت بعض الثوابت وبدأت شرائح جديدة في الظهور وشرائح تتخلي عن مواقعها . فبدأت الكتابة الروائية تأخذ جانب الرفض والتعبير عن الشعور بالضياع والتوهان ، وكأن الإنسان المصري فقد الأرض التي يقف عليها وأنه مقبل علي مجهول يثير لديه الشعور بالخوف وعدم الاطمئنان . فبدأت الحكاية تغيب عن الرواية ، وبدأ البطل الفرد في الاختفاء ليحل محله أبطال من نوعيات جديدة . وهو ما يتضح بصورة جلية في الرواية الأولي للكاتب ياسر إبراهيم وعنونها ب " بهجة العمي " ، والتي لا تخلو من المفارقة الداعية للتأمل ، إذ جعل البهجة مرافقة للعمي!!! فهل أصبح العمي في زماننا شيئا مبهجا ؟! وهل عاد لزماننا ما يمكن أن يكون مبهجا ؟! ثم من هو الأعمي وما هو العماء الذي يعنيه ؟
يعفينا الكاتب من مشقة البحث عن الإجابة ويقدم هو – في سياق عمله – بحثا عن معني العمي ، الأمر الذي يثير أولي إشكاليات هذا العمل ، وهو تضمين العمل الروائي بحثا معجميا من خلال العمل ذاته – فضلا عن التماس الواضح مع أبرز من اتصفوا بهذه الصفة من الكتاب والأدباء والشعراء من أمثال طه حسين وأبي العلاء المعري ومحمود صبح وغيرهم ، وذلك في الصفحات من 94 وحتي نهاية 96 والتي أنهاها بقوله :
{ قاموس العمي لم يحسم المعني وإلي أي معني تنتمي الكلمة ... } في محاولة لإدخالنا في متاهة عدم اليقين والتي تتفق – شكلا ومضمونا مع ما قدمه في عمله - . ولم يكن هذا فقط ، وإنما قدم لنا بحثا آخر عن العمي في الأمثال الشعبية – حيث تعتبرالأمثال هي المعبر الأول عن الضمير والمعني المخبوء في حس ووجدان المجتمع ، وذلك خلال الصفحات من 94 حتي 97 .
والإشكالية هنا هي تقديم هذه الصفحات البحثية في سياق العمل . في تصوري أن هذا ليس بالشئ المعيب ، حيث ابتعدت الرواية – الآن – عن عملية الاستنامة التي كانت سمة من سمات الرواية ، فلم تعد تعتمد ( الحدوتة أو الحكاية ) ، وإنما أصبحت الرواية شيئا معرفيا ، إلا أن الأمور لابد أن تؤخذ بحذر ، وتقدم بقدر ، فإن زادت الأمور عن الحد المعقول تتحول الرواية إلي عمل بحثي بعيد عن العمل الإبداعي المتخيل ، ولكن تقديم ( كبسولة ) معرفة وسط صيدلية تخيل لهو شئ لا بأس به ، وأعتقد أن الصفحات التي قدمها ياسر إبراهيم ضمن عمله البالغ مائة وخمسين صفحة ، ليست بالشئ الزائد ، بل إنها ساهمت في إيقاظ المتلقي للمعني الضمني الذي أراده للقارئ من ضرورة التنبه إلي أنه لا يقدم له ( حدوتة قبل النوم ) وإنما هو يوقظه من النوم وينبهه لضرورة الانتباه لما يحدث ويدور . فما هو هذا الذي يدور ؟
تتناول الرواية الفترة الزمنية الممتدة من 1973 وحتي 1985 متضحا ذلك من الحديث عن أبرز مكفوفي البصر مستنيري البصيرة كعلامة تاريخية ومعنوية دالة :
{ .. وقبل أن يتبخر طيفه كسحابة دخان في 1973 كختام تراجيدي لمسار العمي الفردي ، تزامن معه تجلي العمي في صورته الجديدة ، عندما اكتشف الأعمي سر الخاتم وتواطأ مع صمت النساء الثلاث ، مع المجتمع ، ليكون بمثابة الإعلان السري عن تحول العمي ، الذي ظهر بعد ذلك ب 12 عاما في صورته الفنية الحديثة .. } [2] .
فإذا كان العام 1973 هو تاريخ رحيل العميد ( وهو ما يشير به الكاتب لطه حسين ) فإن برحيله وهو الكفيف البصر ، بدأ العمي الفعلي ، وغابت البصيرة التي حولت الكفيف من مجرد قارئ للقرآن علي المقابر إلي أستاذ بالجامعة وصاحب رسالة تنويرية أضاءت للمبصرين طريقهم رغم أنه لا يراهم :
{ .. كان وحيدا ، ويريد أن يري الأصوات التي سمعها ، كان ثمة فقدان للنور الذي لمس به خضرة البرسيم ونوار القطن وزهر التيل وهو يسير علي حافة الترع والمصارف بينما كان ( كانت ) قدماه في حجم حافر عنزة صغيرة ، عندما لم يستطع أن يري ، خلق تلك الصيغة لفرانكفونية ، لإناس مجهولين يصاحبونه ، يراهم ويكتب لهم وربما عنهم ، أو ربما كان يقصد أن يكون ( الصوت المتوحد للروح ) كما يقول هوسرل ، ربما كان يريد أن يجعلنا جميعا صوت الروح ، لقد مضي كثير من أفكاره ، إنها تغيب برغم حضورها – أقصد استدعاءها – ثم راح يقيم بناءً خلف الآخر ليترك لنا ميراثا من سلطة مطلقة ساهم في بنائها بكل ما أنجزه من أفكاره الحاضرة في أذهاننا مثل حلم قابل للتحقيق ، في هذه الفكرة عاشت الخديعة ، استطاع أن يجعلنا نصدقها ، حيث أفكاره مستحيلة التحقيق ، لأنها قريبة من ( الجمهورية ) ولأنه قد كتبها لـ(نا) نون الجماعة ، جماعته المتخيلة الغامضة ، التي كان يكتب لها ويحلم لها ويري لها ولم يكن له علاقة بنا ولا بعالمنا ... } [3] .
إذن فقد غاب العميد ، غاب الأعمي الفردي ، ليبدأ العمي الجماعي ، غاب الحلم بالجمهورية الفاضلة ، ليبدأ ظهور الجمهورية الفوضوية ، غاب الإحساس ب ال(أنا ) الفردية الشاعرة بذاتها والمعتزة بها ، ليظهر المحو وتغيب كل ( أنا ) ولتبقي أنا واحدة فقط ، هي أنا الريئس ، أي ريئس ، بينما تنسحق كل أنا اخري { .. كذلك فإن حجم أي رئيس دولة في حجم ناطحة سحاب ، لذلك لا يري الناس رؤوسهم ، ينظرون دائما إلي أقدام الرؤوساء .. } [4] .
وإذا كان عام 1973 هو عام رحيل العميد البصير ، فإنه أيضا عام أول نصر يتحقق للعرب ، ولا ينكر ياسر إبراهيم ذلك ورغم ما بان علي السادات بعدها من خطيأته التي شوهت ما أتي به من عبقرية فيما عمله في 73 وما بعدها ، لذا يسارع بالإيضاح بأن هذا التضخم لأنا الرئيس لم تبدأ من هنا – فقط – وإنما بدأت من قبل ، عندما استسلمنا للخديعة التي أوقعنا فيها الزعيم الأسبق عندما عرض علينا تمثيلية التنحي بعد أكبر ( وكسة ) تعرض لها عالمنا العربي ، ورغمها يقف - الزعيم الأوحد – علي تل الخرائب المتعالي حتي يراه الجميع – بل لم يرو غير قدميه كما ذكر العمل سابقا - و ليعلن الانفراد والبقاء :
{ .. أثناء هذا كانت [ ذات ] تعيش ذلك التحول ، وجاءت لتفضح ذلك النصر المتوازي مع التغيرات التي حدثت للساحر السياسي . ربما باستلهام من " ناصر " نفسه ، أكثر الديكتاتوريين استخداما لتلك الإيحائية السحرية التي قامت بأكبر عملية إخصاء ، ببداية مسيرة الإخصاء كعمل دائم ، كشعار سياسي ، سري ، حين وقف بحس درامي متقن ، يعلن عن تنحيه وهو يضع يده بجيب بنطلونه ربما ممسك بموسي أو مطوي ويزر عينيه خوفا من فشله في استخدام لعبة البرءة – ماذا لو لم ينخدع الجمهور بتلك اللعبة وقبل الجميع تنحيه ؟ هل كان سيترك الحكم ؟ هل كان سيترك الموسي أو المطوي في جيبه دون استخدام ؟ لقد كان مرعوبا من ذلك ، حيث كانت صورة محمد نجيب لا تزال تلعب دور صبي الساحر في مخيلة الجميع ، وحاضرة في الذهن ، وربما تهدد خططه ، لذا كان عليه أن يضع محمد نجيب في منزله حتي الموت . أولا لكي تختفي البراءة المتمثلة في الديمقراطية من مخيلة الجمهور الذي تجمع أمام القصر في ذلك اليوم ، وثانيا : لكي يثبت للأبد ، الجمهور الذي وقف أمام شرفة القصر التي يخطب منها ، ويظل الجمهور يهتف دون توقف حتي لو استبدل به أي شخص آخر .. }[5]
ففضلا عن تناول المقتطف السابق لإستعداد الجماهيرللإنقياد وراء أي ممن يقف في الشرفة خاطبا ، فإنه يوضح كيف يستغل – هذا الواقف في الشرفة – لسهولة القياد وسهولة الخديعة – السحرية – والإنفراد بالسلطة ، ومن هنا تغيب الديمقراطية ويغيب محمد نجيب في بيته محددا إقامته ، وتتولد الديكتاتورية التي تسحق الفرد وتغيب ( الأنا ) الذاتية .
ولم يتوقف دور ياسر إبراهيم علي ذكر ذلك صراحة ، ولكنه يقدم ذلك بشكل فني ، حيث جاء الرواي هنا غير واضح المعالم ، وإن كنا نستطيع التعرف علي كونه استاذا بالجامعة – مثل العميد - مثقفا ، من خلال حديثه الذي يتناول العديد من الشخصيات الثقافية والأعمال الأدبية والأفلام السينمائية ، التي تأتي في السياق دون تزيد أوافتعال أو تصريح ، وإنما جاءت كجزء من تركيبة الراوي / الرمز ، ومن تركيبة الفعل الضمني . وكذلك لم يكن الراوي وحده هو الذي جاء علي هذه الشاكلة الرمزية ، وإنما جاء رفيقه ( رمزي ) الذي يحمل مع اسمه مضمونه ، والذي في النهاية يتماهي في شخص الراوي ذاته ليتوحدا ويصبحان رمزا واحدا ، وكأن الراوي في عملية خداعنا يتحدث طوال الصفحات لنفسه ، وهو ما يساعد في إبراز صورة الانسحاق الفردي وتماهيه في وحدته وفي عزلته ، فضلا عن بعض الأسماء التي تظهر فجأة وتختفي فجأة لتؤدي دورا وجانبا من صورة الراوي ، دون أن نعلم لها ملامح مثل هشام وهاني . وبذلك يقدم لنا الكاتب تعبيرا عن اختفاء البطل في حياتنا ، ذلك الذي كان يمثل النموذج والمثل في روايات فترة سابقة .
وأيضا لم يكن اختفاء البطل هو ما قدمه ياسر ، كتطور في الرؤية الروائية ، وإنما اختفاء ( الحكاية ) أو الحبكة ، التي كانت تمثل الرواية السابقة – أيضا – كمعادل للحياة المستقرة القابلة للحكي والإنصات والصبر علي تتبع وقائعها ، إذ أنه لا يوجد ما نستطيع القول عليه ( حكاية الرواية ) ، وإنما هي بعض من مغامرات الراوي التي تعرض لها بحكم كونه ( أعمي ) البصر ، متناصا فيها مع بعض الأعمال التي تناولت شخصيات مكفوفي البصر وعلي رأسها بالطبع " بيت من لحم " للقدير يوسف إدريس ، بل إنه استعمل هذه القصة في نسيج عمله عندما تحدث عن النساء الثلاث والخاتم الذي كن يستخدمنه لخداع الكفيف . ومتكئا علي تيمة العمي التي تتيح لصاحبها كثيرا مما لايتاح لغيره من حرية ومن مواقف موحية ، ومضحكة مبكية في ذات الآن ، مستعيضا بها عما كان يستخدم من فقد القدرة علي ( الكلام ) للنعبير عن كتم الحريات وتكميم الأفواه ، فضلا عن استخدام صفة الإخصاء التي تناولها في المقتطف السابق . فحين أراد التعبير عن قدرة (الأعمي ) علي القول ، وكيف أوقعه ذلك في الخديعة التي إن عبرت ، فإنها تزيد تكثيف الإحساس بوطأة القهر وسيادة القوة المخابراتية التي هي رمز الديكتاتورية وغياب الحرية :
{ .. أخذت أفكر طوال الليل في أن أرد علي ما حدث للعميد ، أن أكون منورا ، وفي محاضرة اليوم التالي تحدثت عن قانون الاشتباه والطوارئ بوصفهما قوانين مقيدة للحريات . لقد تكلمت عن هذه القوانين كأنها عُصابة علي عينيّ الشعب . وتركت نفسي أتحدث بحرية ، ولأول مرة أعبر عن تلك الفكرة من خلال تجربة العمي ، وفي النهاية ودون أن أدري سمعت نفسي أقول : إن العمي مثل الحرية . العمي حرية مجانية . كنت مخرفا كبيرا وسعيدا بهذا الهذيان ، لكني توقفت فجأة ودون أن أفكر في تكرارها بعد أن اقترب مني صوت وقال لي عند خروجي من المدرج ، بعد نهاية المحاضرة ، انسي الكلام الفاضي اللي قلته وحياة أمك .. وإياك تكرر الكلام الزبالة ده تاني .. أنت فاهم أنا مين طبعا .. } [6] .
وهنا تبدو المفارقة علي المستويين ، الشخصي والجمعي . فعلي المستوي الجمعي ، يتضح ما هو سائد من سطوة يد الحكم ( المخابرات ) ، وعلي المستوي الفردي ، يبدو ما يقع فيه مكفوف البصر من خدع ، حيث يتبين له فيما بعد أن ما فعل هذا إنما هو أحد الطلبة ، استغل ما يدور ليوقع بأستاذه في مزحة مضحكة مبكية ، إلي جانب إبراز صورة العلاقة بين الطالب والأستاذ التي آلت إليها في هذا الزمن الردئ . مؤكدا ذلك في عقد المواجهة بين ما كان وما هو كائن بين الماضي والحاضر لتكثيف الشعور ، وإحداث الأثر :
{ .. وكلما أتذكر اليوم " اللي " حاولت أعمل فيه ثورجي .. أضحك .. لقد كان العالم قبل ذلك يساعد علي خلق هؤلاء الثورجية .....................
لقد كنت مبصرا علي نحو ما ، إنهم في الحقيقة عاشوا حياتهم كلها في لحظة نشوة واحدة ، هي التي عشتها في الليلة التي أخذت أفكر فيها كيف أكون زعيما وتخيلت نفسي نابليون وهتلر ومصطفي كامل وأحمد عرابي والبقري والخميسي وجيفارا ... } [7]. وإذا كان كل هؤلاء قد ثاروا علي الاحتلال الأجنبى ، فإن الثورة علي الاحتلال المصري لا تقل عنهم شأناً ، إذا ما عرفنا أن البقري والخميسي الذي ساقهما الكاتب ضمن الثوار ، هم من تم إعدامهم من أؤلئك العمال الذين ثاروا علي النظام في ثورة العمال في عام 1954 ، وربما كانت تلك الثورة هي التي أخضعت النظام – في ذلك الوقت – لمحاولة كسبهم ، فصدرت القوانين التي لم تزل سارية حتي الآن ، دامغة متسائلة – 50% عمال وفلاحين - !!!!!! .
ولم تكن تلك هي المقابلة الوحيدة التي أراد بها الكاتب أن يضع بين أيدينا ما كان وما صار إليه حالنا ، وإنما إختفاء الحب العذري الذي يعتبر أحد سمات الطهر والنقاء ، ذلك الذي كان بينما العلاقة أصبحت هي العواطف الحسية التي غرق فيها الراوي ، مصورا ذلك المستنقع الذي آلي إليه حالنا ، ليس هو الذي فعل ، وإنما هو المفعول به . استغلت النساء ، الشابات منهن والعجوزات ، من الطبقات المختلفة ، لا فرق بين مستوي وآخر ، كلهن يردنه ، لقضاء المتعة الحسية ، لا يذكرن أسماؤهن ، ولا يري هو أين يأخذنه ، ربما في المراحيض ، ربما تحت بير السلم ، ربما علي سرير الزوجية ، فهو لا يدري ، إنما المجتمع يسعي للمتعة الحسية ، ويتخفي ، ليظهر غير ما يبطن ، فهن في العلن سيدات – وربما آنسات – ( محترمات ) ، وأمام هذا ( الأعمي ) ربما ( غير ذلك ) :
{ .. بعد أن بكت وقبلت يدي ، أثناء ما كنت – علي ما يبدو راكعة عند قدمي – تريد بطريقة مؤثرة ، كلمة الحب الباهتة التي لم أستطع في يوم لمسها أو مضغها ، لكنني قد سمعت بأن ذلك مشهد سينمائي مألوف } [8].
وقد كان تناول ياسر إبراهيم لهذا ، يتميز بالجرأة التي ربما تكون قد خانته في العديد من المواقف التي انزلق فيها لحضيض التجربة الحسية مستخدما في ذلك إسلوب ألف ليلة وليلة ، وربما أراد أن يزيد إحساسنا بحضيض ما وصلت إليه الأمور ، وتدنيها ، لتفوح منها رائحة المراحيض ، ونسع فيها أصوات ( المو....) ، إلا أن الأمر يصل في بعض المواقف لما كان يمكن الاستغناء عنه واستبداله بما لا يجرح الشعور والذائقة العامة .
غير أنه – الكاتب – لا يخذلنا في ذلك . إذ بعد أن يغوص بنا في هذه البيئات التي تفوح منها تلك الروائح غير المستحبة ، والتي أراد لنا بها أن نعيش ونتأثر بها وكأنه يغمسنا فيها ونشعر أكثر مما نقرأ ، مستغلا في ذلك الحواس التي إعتمد عليها وعاشها في ظلامه راويه ( الأعمي ) ، والذي أراد أن يبصرنا بمصباحه الكاشف . أراد أن يخرج بنا من ذلك المستنقع ليقف معنا وقفة تأمل جاد ، وكأننا كنا نشاهد فيلما وانتهي الفيلم وأضيأت الأنوار ، فبعد الحديث عن كل الأعمال التي تناولت العمي ، وإيضاح أنها كانت عمي البصر فقط يصل للقول :
{ .. حتي هذا النص يتستر خلف العمي ، فلم أكن أريد أن أكتب عن هؤلاء أو عن هذا التاريخ ، كنت أتمني أن أكتب فقط عن ذلك اليوم بالليلة ، تلك الساعات القليلة التي قضيتها مع هشام الذي ربما وضمن أشياء كثيرة مفتقدة ، لا يري ، ولأنه في تلك المسيرة من العماء لن يستطيع ذلك النص أن يقول شيئا علي الإطلاق ، إنه تصفيقة من الجوقة المكفوفية التي لن تتوقف عن عملها لحظة واحدة ، سوف أحبس تلك التفة التي في فمي لأنها لن تحرق تلك الأوراق كما لن يمس رذاذها أي وجه .... } [9] .
بل وإمعنا في إرضائنا ومكافأتنا علي تحمل الأذي ، يذهب بنا في النهاية إلي الجنة ، وكأنه ثواب الصابرين ، لا علي تحمل عمله البديع ، وإنما علي تحمل الديكتاتورية وما نعيشه من كبت وحرمان ، ولنستمتع فيها رجالا ونساء ببعضنا بعضا – في الحلال وفي النور نأكل الثمار الناضجة ونسكر ونضحك ونتدحرج علي الروابي المفروشة بالخصرة علي مدي البصر . ثم يقول : { ربما تكون هذه النهاية المثالية ملائمة إلي حد ما } .
شوقي عبد الحميد يحيي
EM : shawkyshawky2004@yahoo.com

لاشك أن الأحداث الكبري تولد أدبا مغايرا . فإذا كا نت الحياة في أريعينيات القرن العشرين شبه مستقرة – نسبيا – من الناحية الاجتماعية علي الأقل ، فكانت هناك قيم معينة تسود المجتمع المصري ، وكان الخروج عليها يعتبر خروجا علي المجتمع ، ويقابل بالرفض والامتعاض ، فسادت الروايات التي تتحدث عن الريف وما يسوده من الهدوء والاطمئنان ، فكانت الحكاية هي أساس الأعمال الروائية ، حيث كانت هي المتنفس والاملاذ قبل ظهور التليفزيون ، وسيادة الرواديو الذي لم يكن يملكه إلا الخاصة من الناس ، فظهرت روايات طه حسين ( البؤساء 1944 ) والتي عُنيت بتناول التغيرات المجتمعية في الصعيد ، ويحيي حقي ( قنديل أم هاشم 1944 ) والتي عُنيت بانتقاد العادات السيائدة والتغير الذي بدأت بوادره بعد بداية الاحتكاك بالغرب ، و عبد الحميد جودة السحاروغيرهم .
وبعد العام الثاني والخمسين منه ، تغيرت أشياء كثيرة ، سلبت حقوق ومكتسبات ، واستجدت حقوق ومكتسبات ، وبالطبع من سلبت منه حقوق أو مكتسبات كان غاضبا وساخطا ورؤيته بالضرورة تختلف عن ذلك الذي استجدت له حقوق ومكتسبات ، ولا يهم بعد ذلك إن كانت هذه المكتسبات مستحقة أم غير ذلك . المهم أنها أحدثت موجات من المتغيرات الاجتماعية والفورات التي غيرت من الخريطة الاجتماعية . فظهرت الروايات المعبرة عما كان يعانيه أبناء الطبقة الفقيرة من المصري قبل 52 والذي صور رجال تلك الفترة أنهم إنما جاءوا من أجلها ، فبرزت روايات عبد الرحمن الشرقاوي ( الأرض ، والفلاح وغيرها ) ، ويوسف إدريس ( الحرام 1959 ومشكل عمال التراحيل ، فضلا عن روايات يوسف السباعي والتي حاولت تشويه ما قبل 1952 ( رد قلبي ، في بيتنا رجل ) لتبرز أن ما حدث في 1952 إنما كان للخلاص من هذه السوءات علي المستوي التحتي – إن جاز التعبير – بينما كانت روايات إحسان عبد القدوس تعري ما كان يحدث في المستوي الفوقي ، وإن لم تخلو من مغازلة طبقة العمال ، أو التأكيد علي قيمة العمل . ثم جاء فتحي غانم – وقبله ومعه وبعده يأتي نجيب محفوظ الذي أعتبره المؤرخ الاجتماعي الأول في القرن العشرين بما قدمه في العديد من رواياته والتي تحتاج لدراسة خاصة – أقول أن فتحي غانم كتب في تلك الفترة ( الرجل الذي فقد ظله 1962 ) وبها بدأ الحديث في التغير ، حيث بدأت في التنويه لما يحدث تحت السطح من فساد وكأنه النار تحت الرماد ، وهو ما تولدت عنه الأحداث في 1967 ، وما أحدثه من بركان أخرج كتل العفن والإفساد الذي دمر وهز كل المخبوء وأثمر تيارا جديدا من الكتابة الروائية تميزت بشكل عام ببداية تفتت الجملة وتشتت الموضوعات وتشظي الفكرة ، وما أصبح علامة لما سُمي بكتابة الستينيات وكان أبرز أبطالها بهاء طاهر وجمال الغيطاني وإبراهيم أصلان وصبري موسي وغيرهم وغيرهم .
وبعد العام الثالث والسبعين منه أيضا ( القرن العشرين ) ، والذي رغم أنه يبدأ بنصر أكتوبر، إلا أن ما تلاه من عمليات السلام ثم الانفتاح الاقتصادي ، والذي أساء المجتمع فهمه لتعارضه مع كثير من مصالح الطبقتين المتوسطة والفقيرة - ظاهريا - ، إلي جانب إساءة الكثيرين من المنتفعين به ، الأمر الذي ساهم في عملية الرفض من جانب الطبقتين السابق ذكرهما ، فحدث زلزال جديد في الخريطة الاجتماعية ، وتحطمت بعض الثوابت وبدأت شرائح جديدة في الظهور وشرائح تتخلي عن مواقعها . فبدأت الكتابة الروائية تأخذ جانب الرفض والتعبير عن الشعور بالضياع والتوهان ، وكأن الإنسان المصري فقد الأرض التي يقف عليها وأنه مقبل علي مجهول يثير لديه الشعور بالخوف وعدم الاطمئنان . فبدأت الحكاية تغيب عن الرواية ، وبدأ البطل الفرد في الاختفاء ليحل محله أبطال من نوعيات جديدة . وهو ما يتضح بصورة جلية في الرواية الأولي للكاتب ياسر إبراهيم وعنونها ب " بهجة العمي " ، والتي لا تخلو من المفارقة الداعية للتأمل ، إذ جعل البهجة مرافقة للعمي!!! فهل أصبح العمي في زماننا شيئا مبهجا ؟! وهل عاد لزماننا ما يمكن أن يكون مبهجا ؟! ثم من هو الأعمي وما هو العماء الذي يعنيه ؟
يعفينا الكاتب من مشقة البحث عن الإجابة ويقدم هو – في سياق عمله – بحثا عن معني العمي ، الأمر الذي يثير أولي إشكاليات هذا العمل ، وهو تضمين العمل الروائي بحثا معجميا من خلال العمل ذاته – فضلا عن التماس الواضح مع أبرز من اتصفوا بهذه الصفة من الكتاب والأدباء والشعراء من أمثال طه حسين وأبي العلاء المعري ومحمود صبح وغيرهم ، وذلك في الصفحات من 94 وحتي نهاية 96 والتي أنهاها بقوله :
{ قاموس العمي لم يحسم المعني وإلي أي معني تنتمي الكلمة ... } في محاولة لإدخالنا في متاهة عدم اليقين والتي تتفق – شكلا ومضمونا مع ما قدمه في عمله - . ولم يكن هذا فقط ، وإنما قدم لنا بحثا آخر عن العمي في الأمثال الشعبية – حيث تعتبرالأمثال هي المعبر الأول عن الضمير والمعني المخبوء في حس ووجدان المجتمع ، وذلك خلال الصفحات من 94 حتي 97 .
والإشكالية هنا هي تقديم هذه الصفحات البحثية في سياق العمل . في تصوري أن هذا ليس بالشئ المعيب ، حيث ابتعدت الرواية – الآن – عن عملية الاستنامة التي كانت سمة من سمات الرواية ، فلم تعد تعتمد ( الحدوتة أو الحكاية ) ، وإنما أصبحت الرواية شيئا معرفيا ، إلا أن الأمور لابد أن تؤخذ بحذر ، وتقدم بقدر ، فإن زادت الأمور عن الحد المعقول تتحول الرواية إلي عمل بحثي بعيد عن العمل الإبداعي المتخيل ، ولكن تقديم ( كبسولة ) معرفة وسط صيدلية تخيل لهو شئ لا بأس به ، وأعتقد أن الصفحات التي قدمها ياسر إبراهيم ضمن عمله البالغ مائة وخمسين صفحة ، ليست بالشئ الزائد ، بل إنها ساهمت في إيقاظ المتلقي للمعني الضمني الذي أراده للقارئ من ضرورة التنبه إلي أنه لا يقدم له ( حدوتة قبل النوم ) وإنما هو يوقظه من النوم وينبهه لضرورة الانتباه لما يحدث ويدور . فما هو هذا الذي يدور ؟
تتناول الرواية الفترة الزمنية الممتدة من 1973 وحتي 1985 متضحا ذلك من الحديث عن أبرز مكفوفي البصر مستنيري البصيرة كعلامة تاريخية ومعنوية دالة :
{ .. وقبل أن يتبخر طيفه كسحابة دخان في 1973 كختام تراجيدي لمسار العمي الفردي ، تزامن معه تجلي العمي في صورته الجديدة ، عندما اكتشف الأعمي سر الخاتم وتواطأ مع صمت النساء الثلاث ، مع المجتمع ، ليكون بمثابة الإعلان السري عن تحول العمي ، الذي ظهر بعد ذلك ب 12 عاما في صورته الفنية الحديثة .. } [2] .
فإذا كان العام 1973 هو تاريخ رحيل العميد ( وهو ما يشير به الكاتب لطه حسين ) فإن برحيله وهو الكفيف البصر ، بدأ العمي الفعلي ، وغابت البصيرة التي حولت الكفيف من مجرد قارئ للقرآن علي المقابر إلي أستاذ بالجامعة وصاحب رسالة تنويرية أضاءت للمبصرين طريقهم رغم أنه لا يراهم :
{ .. كان وحيدا ، ويريد أن يري الأصوات التي سمعها ، كان ثمة فقدان للنور الذي لمس به خضرة البرسيم ونوار القطن وزهر التيل وهو يسير علي حافة الترع والمصارف بينما كان ( كانت ) قدماه في حجم حافر عنزة صغيرة ، عندما لم يستطع أن يري ، خلق تلك الصيغة لفرانكفونية ، لإناس مجهولين يصاحبونه ، يراهم ويكتب لهم وربما عنهم ، أو ربما كان يقصد أن يكون ( الصوت المتوحد للروح ) كما يقول هوسرل ، ربما كان يريد أن يجعلنا جميعا صوت الروح ، لقد مضي كثير من أفكاره ، إنها تغيب برغم حضورها – أقصد استدعاءها – ثم راح يقيم بناءً خلف الآخر ليترك لنا ميراثا من سلطة مطلقة ساهم في بنائها بكل ما أنجزه من أفكاره الحاضرة في أذهاننا مثل حلم قابل للتحقيق ، في هذه الفكرة عاشت الخديعة ، استطاع أن يجعلنا نصدقها ، حيث أفكاره مستحيلة التحقيق ، لأنها قريبة من ( الجمهورية ) ولأنه قد كتبها لـ(نا) نون الجماعة ، جماعته المتخيلة الغامضة ، التي كان يكتب لها ويحلم لها ويري لها ولم يكن له علاقة بنا ولا بعالمنا ... } [3] .
إذن فقد غاب العميد ، غاب الأعمي الفردي ، ليبدأ العمي الجماعي ، غاب الحلم بالجمهورية الفاضلة ، ليبدأ ظهور الجمهورية الفوضوية ، غاب الإحساس ب ال(أنا ) الفردية الشاعرة بذاتها والمعتزة بها ، ليظهر المحو وتغيب كل ( أنا ) ولتبقي أنا واحدة فقط ، هي أنا الريئس ، أي ريئس ، بينما تنسحق كل أنا اخري { .. كذلك فإن حجم أي رئيس دولة في حجم ناطحة سحاب ، لذلك لا يري الناس رؤوسهم ، ينظرون دائما إلي أقدام الرؤوساء .. } [4] .
وإذا كان عام 1973 هو عام رحيل العميد البصير ، فإنه أيضا عام أول نصر يتحقق للعرب ، ولا ينكر ياسر إبراهيم ذلك ورغم ما بان علي السادات بعدها من خطيأته التي شوهت ما أتي به من عبقرية فيما عمله في 73 وما بعدها ، لذا يسارع بالإيضاح بأن هذا التضخم لأنا الرئيس لم تبدأ من هنا – فقط – وإنما بدأت من قبل ، عندما استسلمنا للخديعة التي أوقعنا فيها الزعيم الأسبق عندما عرض علينا تمثيلية التنحي بعد أكبر ( وكسة ) تعرض لها عالمنا العربي ، ورغمها يقف - الزعيم الأوحد – علي تل الخرائب المتعالي حتي يراه الجميع – بل لم يرو غير قدميه كما ذكر العمل سابقا - و ليعلن الانفراد والبقاء :
{ .. أثناء هذا كانت [ ذات ] تعيش ذلك التحول ، وجاءت لتفضح ذلك النصر المتوازي مع التغيرات التي حدثت للساحر السياسي . ربما باستلهام من " ناصر " نفسه ، أكثر الديكتاتوريين استخداما لتلك الإيحائية السحرية التي قامت بأكبر عملية إخصاء ، ببداية مسيرة الإخصاء كعمل دائم ، كشعار سياسي ، سري ، حين وقف بحس درامي متقن ، يعلن عن تنحيه وهو يضع يده بجيب بنطلونه ربما ممسك بموسي أو مطوي ويزر عينيه خوفا من فشله في استخدام لعبة البرءة – ماذا لو لم ينخدع الجمهور بتلك اللعبة وقبل الجميع تنحيه ؟ هل كان سيترك الحكم ؟ هل كان سيترك الموسي أو المطوي في جيبه دون استخدام ؟ لقد كان مرعوبا من ذلك ، حيث كانت صورة محمد نجيب لا تزال تلعب دور صبي الساحر في مخيلة الجميع ، وحاضرة في الذهن ، وربما تهدد خططه ، لذا كان عليه أن يضع محمد نجيب في منزله حتي الموت . أولا لكي تختفي البراءة المتمثلة في الديمقراطية من مخيلة الجمهور الذي تجمع أمام القصر في ذلك اليوم ، وثانيا : لكي يثبت للأبد ، الجمهور الذي وقف أمام شرفة القصر التي يخطب منها ، ويظل الجمهور يهتف دون توقف حتي لو استبدل به أي شخص آخر .. }[5]
ففضلا عن تناول المقتطف السابق لإستعداد الجماهيرللإنقياد وراء أي ممن يقف في الشرفة خاطبا ، فإنه يوضح كيف يستغل – هذا الواقف في الشرفة – لسهولة القياد وسهولة الخديعة – السحرية – والإنفراد بالسلطة ، ومن هنا تغيب الديمقراطية ويغيب محمد نجيب في بيته محددا إقامته ، وتتولد الديكتاتورية التي تسحق الفرد وتغيب ( الأنا ) الذاتية .
ولم يتوقف دور ياسر إبراهيم علي ذكر ذلك صراحة ، ولكنه يقدم ذلك بشكل فني ، حيث جاء الرواي هنا غير واضح المعالم ، وإن كنا نستطيع التعرف علي كونه استاذا بالجامعة – مثل العميد - مثقفا ، من خلال حديثه الذي يتناول العديد من الشخصيات الثقافية والأعمال الأدبية والأفلام السينمائية ، التي تأتي في السياق دون تزيد أوافتعال أو تصريح ، وإنما جاءت كجزء من تركيبة الراوي / الرمز ، ومن تركيبة الفعل الضمني . وكذلك لم يكن الراوي وحده هو الذي جاء علي هذه الشاكلة الرمزية ، وإنما جاء رفيقه ( رمزي ) الذي يحمل مع اسمه مضمونه ، والذي في النهاية يتماهي في شخص الراوي ذاته ليتوحدا ويصبحان رمزا واحدا ، وكأن الراوي في عملية خداعنا يتحدث طوال الصفحات لنفسه ، وهو ما يساعد في إبراز صورة الانسحاق الفردي وتماهيه في وحدته وفي عزلته ، فضلا عن بعض الأسماء التي تظهر فجأة وتختفي فجأة لتؤدي دورا وجانبا من صورة الراوي ، دون أن نعلم لها ملامح مثل هشام وهاني . وبذلك يقدم لنا الكاتب تعبيرا عن اختفاء البطل في حياتنا ، ذلك الذي كان يمثل النموذج والمثل في روايات فترة سابقة .
وأيضا لم يكن اختفاء البطل هو ما قدمه ياسر ، كتطور في الرؤية الروائية ، وإنما اختفاء ( الحكاية ) أو الحبكة ، التي كانت تمثل الرواية السابقة – أيضا – كمعادل للحياة المستقرة القابلة للحكي والإنصات والصبر علي تتبع وقائعها ، إذ أنه لا يوجد ما نستطيع القول عليه ( حكاية الرواية ) ، وإنما هي بعض من مغامرات الراوي التي تعرض لها بحكم كونه ( أعمي ) البصر ، متناصا فيها مع بعض الأعمال التي تناولت شخصيات مكفوفي البصر وعلي رأسها بالطبع " بيت من لحم " للقدير يوسف إدريس ، بل إنه استعمل هذه القصة في نسيج عمله عندما تحدث عن النساء الثلاث والخاتم الذي كن يستخدمنه لخداع الكفيف . ومتكئا علي تيمة العمي التي تتيح لصاحبها كثيرا مما لايتاح لغيره من حرية ومن مواقف موحية ، ومضحكة مبكية في ذات الآن ، مستعيضا بها عما كان يستخدم من فقد القدرة علي ( الكلام ) للنعبير عن كتم الحريات وتكميم الأفواه ، فضلا عن استخدام صفة الإخصاء التي تناولها في المقتطف السابق . فحين أراد التعبير عن قدرة (الأعمي ) علي القول ، وكيف أوقعه ذلك في الخديعة التي إن عبرت ، فإنها تزيد تكثيف الإحساس بوطأة القهر وسيادة القوة المخابراتية التي هي رمز الديكتاتورية وغياب الحرية :
{ .. أخذت أفكر طوال الليل في أن أرد علي ما حدث للعميد ، أن أكون منورا ، وفي محاضرة اليوم التالي تحدثت عن قانون الاشتباه والطوارئ بوصفهما قوانين مقيدة للحريات . لقد تكلمت عن هذه القوانين كأنها عُصابة علي عينيّ الشعب . وتركت نفسي أتحدث بحرية ، ولأول مرة أعبر عن تلك الفكرة من خلال تجربة العمي ، وفي النهاية ودون أن أدري سمعت نفسي أقول : إن العمي مثل الحرية . العمي حرية مجانية . كنت مخرفا كبيرا وسعيدا بهذا الهذيان ، لكني توقفت فجأة ودون أن أفكر في تكرارها بعد أن اقترب مني صوت وقال لي عند خروجي من المدرج ، بعد نهاية المحاضرة ، انسي الكلام الفاضي اللي قلته وحياة أمك .. وإياك تكرر الكلام الزبالة ده تاني .. أنت فاهم أنا مين طبعا .. } [6] .
وهنا تبدو المفارقة علي المستويين ، الشخصي والجمعي . فعلي المستوي الجمعي ، يتضح ما هو سائد من سطوة يد الحكم ( المخابرات ) ، وعلي المستوي الفردي ، يبدو ما يقع فيه مكفوف البصر من خدع ، حيث يتبين له فيما بعد أن ما فعل هذا إنما هو أحد الطلبة ، استغل ما يدور ليوقع بأستاذه في مزحة مضحكة مبكية ، إلي جانب إبراز صورة العلاقة بين الطالب والأستاذ التي آلت إليها في هذا الزمن الردئ . مؤكدا ذلك في عقد المواجهة بين ما كان وما هو كائن بين الماضي والحاضر لتكثيف الشعور ، وإحداث الأثر :
{ .. وكلما أتذكر اليوم " اللي " حاولت أعمل فيه ثورجي .. أضحك .. لقد كان العالم قبل ذلك يساعد علي خلق هؤلاء الثورجية .....................
لقد كنت مبصرا علي نحو ما ، إنهم في الحقيقة عاشوا حياتهم كلها في لحظة نشوة واحدة ، هي التي عشتها في الليلة التي أخذت أفكر فيها كيف أكون زعيما وتخيلت نفسي نابليون وهتلر ومصطفي كامل وأحمد عرابي والبقري والخميسي وجيفارا ... } [7]. وإذا كان كل هؤلاء قد ثاروا علي الاحتلال الأجنبى ، فإن الثورة علي الاحتلال المصري لا تقل عنهم شأناً ، إذا ما عرفنا أن البقري والخميسي الذي ساقهما الكاتب ضمن الثوار ، هم من تم إعدامهم من أؤلئك العمال الذين ثاروا علي النظام في ثورة العمال في عام 1954 ، وربما كانت تلك الثورة هي التي أخضعت النظام – في ذلك الوقت – لمحاولة كسبهم ، فصدرت القوانين التي لم تزل سارية حتي الآن ، دامغة متسائلة – 50% عمال وفلاحين - !!!!!! .
ولم تكن تلك هي المقابلة الوحيدة التي أراد بها الكاتب أن يضع بين أيدينا ما كان وما صار إليه حالنا ، وإنما إختفاء الحب العذري الذي يعتبر أحد سمات الطهر والنقاء ، ذلك الذي كان بينما العلاقة أصبحت هي العواطف الحسية التي غرق فيها الراوي ، مصورا ذلك المستنقع الذي آلي إليه حالنا ، ليس هو الذي فعل ، وإنما هو المفعول به . استغلت النساء ، الشابات منهن والعجوزات ، من الطبقات المختلفة ، لا فرق بين مستوي وآخر ، كلهن يردنه ، لقضاء المتعة الحسية ، لا يذكرن أسماؤهن ، ولا يري هو أين يأخذنه ، ربما في المراحيض ، ربما تحت بير السلم ، ربما علي سرير الزوجية ، فهو لا يدري ، إنما المجتمع يسعي للمتعة الحسية ، ويتخفي ، ليظهر غير ما يبطن ، فهن في العلن سيدات – وربما آنسات – ( محترمات ) ، وأمام هذا ( الأعمي ) ربما ( غير ذلك ) :
{ .. بعد أن بكت وقبلت يدي ، أثناء ما كنت – علي ما يبدو راكعة عند قدمي – تريد بطريقة مؤثرة ، كلمة الحب الباهتة التي لم أستطع في يوم لمسها أو مضغها ، لكنني قد سمعت بأن ذلك مشهد سينمائي مألوف } [8].
وقد كان تناول ياسر إبراهيم لهذا ، يتميز بالجرأة التي ربما تكون قد خانته في العديد من المواقف التي انزلق فيها لحضيض التجربة الحسية مستخدما في ذلك إسلوب ألف ليلة وليلة ، وربما أراد أن يزيد إحساسنا بحضيض ما وصلت إليه الأمور ، وتدنيها ، لتفوح منها رائحة المراحيض ، ونسع فيها أصوات ( المو....) ، إلا أن الأمر يصل في بعض المواقف لما كان يمكن الاستغناء عنه واستبداله بما لا يجرح الشعور والذائقة العامة .
غير أنه – الكاتب – لا يخذلنا في ذلك . إذ بعد أن يغوص بنا في هذه البيئات التي تفوح منها تلك الروائح غير المستحبة ، والتي أراد لنا بها أن نعيش ونتأثر بها وكأنه يغمسنا فيها ونشعر أكثر مما نقرأ ، مستغلا في ذلك الحواس التي إعتمد عليها وعاشها في ظلامه راويه ( الأعمي ) ، والذي أراد أن يبصرنا بمصباحه الكاشف . أراد أن يخرج بنا من ذلك المستنقع ليقف معنا وقفة تأمل جاد ، وكأننا كنا نشاهد فيلما وانتهي الفيلم وأضيأت الأنوار ، فبعد الحديث عن كل الأعمال التي تناولت العمي ، وإيضاح أنها كانت عمي البصر فقط يصل للقول :
{ .. حتي هذا النص يتستر خلف العمي ، فلم أكن أريد أن أكتب عن هؤلاء أو عن هذا التاريخ ، كنت أتمني أن أكتب فقط عن ذلك اليوم بالليلة ، تلك الساعات القليلة التي قضيتها مع هشام الذي ربما وضمن أشياء كثيرة مفتقدة ، لا يري ، ولأنه في تلك المسيرة من العماء لن يستطيع ذلك النص أن يقول شيئا علي الإطلاق ، إنه تصفيقة من الجوقة المكفوفية التي لن تتوقف عن عملها لحظة واحدة ، سوف أحبس تلك التفة التي في فمي لأنها لن تحرق تلك الأوراق كما لن يمس رذاذها أي وجه .... } [9] .
بل وإمعنا في إرضائنا ومكافأتنا علي تحمل الأذي ، يذهب بنا في النهاية إلي الجنة ، وكأنه ثواب الصابرين ، لا علي تحمل عمله البديع ، وإنما علي تحمل الديكتاتورية وما نعيشه من كبت وحرمان ، ولنستمتع فيها رجالا ونساء ببعضنا بعضا – في الحلال وفي النور نأكل الثمار الناضجة ونسكر ونضحك ونتدحرج علي الروابي المفروشة بالخصرة علي مدي البصر . ثم يقول : { ربما تكون هذه النهاية المثالية ملائمة إلي حد ما } .
شوقي عبد الحميد يحيي
EM : shawkyshawky2004@yahoo.com
02/07/2007 - 01:50
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
لكن لم أجد سوى
شكرا لعرضك و غوصك الرائع الواعى فى تلافيف الرواية
وأنا لا أجد إلا أن أنحني احتراما لخلقك الكريم وكلماتك المملوءة بالحب والصدق
تحياتي واحترامي لشخصكم ولموقعكم
شوقي
تحية لك ايها الكبير .. فمعك بالتأكيد تزداد ثقافتى
دعاء
بتعليقك الذي أصبحت أنتظره يتم ما كتبت
دمت متألقة وزادك الله حيوية ونشاطا
ولك الحب والتحية
شوقي