You are here
وداعاً علي ياسين الروبي

وداعاً علي ياسين الروبي
عبد الجواد خفاجي
اعتلى صهوة المغيب
راحلا عن دنيانا الشاعر الجميل ابن البلد الأصيل على ياسين الروبي الشهير
"على المنجد " أشهر منجد بمدينة نجع حمادي بعد معاناة مع المرض انتهت
بوفاته يوم 31 أغسطس الماضي عن عمر يناهز الثامنة والخمسين، مترجلاً عن
صهوة الإبداع الشعري الذي كثيراً ما عشقه الروبي وأخلص له مفسحاً له من
بين مشاغله الكثيرة وقتاً كان ثميناً بالنسبة لرجل كادح، عاش عمره كله
يعمل بمهنة منجد .. لم يلتفت إلى ضرورة تكريمه أحد وهو حي باستثناء جامعة
جنوب الوادي في بادرة طيبة منحته شهادة تقدير في إحدى مؤتمراتها الأدبية.
يقينا ستظل طويلاً تذكر الأوساط الأدبية ـ في محافظة قنا إن لم يكن في الصعيد كله ـ على ياسين الروبي المنجد الشاعر الأمي ذو الجلباب ، ابن عروس الجديد الذي تميز بحضور تجربته الشعرية العفوية التي تقترب كثيرًا من الشعر الشعبي.
على الروبي كان اكتشافاً يعود الفضل فيه إلي جماعة آمون الأدبية بنجع حمادي، وهي جماعة أدبية مستقلة ظهرت بنجع حمادي أواسط التسعينيات .. كان على الروبي واحداً من أبرز أعضائها ، يمارس نشاطه من خلال حضور الجلسات الأدبية الأسبوعية والمهرجانات السنوية التي كانت تقيمها الجماعة، ومارس النشر في دوريات الجماعة التي كانت تصدرها في وقت كان النشر عزيزاُ على الأدباء في صعيد مصر.
بَيْد أن علي الروبي سرعان ما تميز وعلا نجمه بعلو نجم الجماعة الأدبية التي فرضت حضورها على الساحة الأدبية وذاع صيتها في كل الأوساط الأدبية، فكان على الروبي يصر على اصطحاب أعضاء جماعة آمون الأدبية أينما اتجهوا وأينما وجهت لهم الدعوات في الجامعات أو المؤتمرات أو الأمسيات الشعرية في القرى والنجوع بمراكز قنا وفرشوط ونجع حمادى وأبوتشت ودشنا وغيرهم .. غير أن على الروبي مارس حضوره بفاعلية بعدما عرف طريق النشر بالجرائد ، وبعدما عرفه الأدباء والمهتمين بالأدب كواحد من أندر شعراء الصعيد الذين يمارسون كتابة الشعر العامي بعفوية وتلقائية نادرة ، وموهبة حقيقية تختزن موروثها الشعبي وتعبر عن طموحات الإنسان البسيط وتجسد نظرته ورؤيته للحياة .. رغم أن علي ياسين الروبي كما كان يُقدِّم نفسه للناس ـ رجل أمي ، لم يتلقَ تعليما يؤهله للقراءة والكتابة، إلا أن من يعاشره عن قرب للمرة الأولي لا يمكنه اكتشاف أميته إلا إذا أخبره بذلك على ياسين الروبي شخصياً.
فقد كان رحمه الله مثقفاً يجمع بين الثقافة الشعبية التي يرتبط بها مهنياً وحياتياً وبين ثقافة الفئة المتعلمة المبدعة التي يرتبط بها وجدانيا لكونه مبدعاً عاشقا للشعر ، غير أنه كان راقي الخطاب، يحسن الاستماع ، لديه قدرة فطرية على الفهم والتحليل والاستنتاج، ، و اختزان المعلومة، ويجيد الحوار والحديث اللبق، لديه دراية واسعة بالحياة ، غير أنه كان حلو المنطق، سريع البديهة، مليح النكتة، بشوشاً، له حضوره المميز، غير أنه صاحب كاريزما خاصة تؤهله للبقاء في أذهان من يراه أو يسمعه لأول مرة.
غير أن فضل علي ياسين الروبي على محيطه الأسري كان واضحا ، يقول ابنه الأكبر "محمد " : كان لوالدي فضل حبي للشعر وللكلمة الجميلة ولجلسات المثقفين والأدباء ومن ثم عشقي للثقافة والأدب ، أما ابن عمه الأديب " محمد عباس الروبي" يؤكد أنه لم يكن ينتج أدبا حتى مرحلة متأخرة من حياته رغم أنه عاشق للأدب والقراءة والثقافة واقتناء الكتب، إلا أنه في الأوقات التي كان يعود فيها من غربته إلى بلده نجع حمادي كان يذهب للقاء ابن عمه على الروبي وأخيه ، فلا يجد غير الأخ الأكبر فيسأله عن على الروبي ليقول له الأخير: " ابن عمك مهتم بالشعر وبيجرى ورا الشعرا والكلام الفاضي وسايب الشغل .. تلاقيه في الشبان المسلمين مع جماعة آمون " يؤكد محمد الروبي أنه عند ذهابه للمرة الأولى إلى جماعة آمون بنادي الشبان المسلمين، فوجئ بأن ابن عمه على ياسين الروبي شاعر ، ليس هذا فحسب ، بل لديه القدرة على ممارسة النقد التأثري على كل ما يسمعه من إبداعات أعضاء جماعته، كما فوجئ بوجود جماعة تسمى آمون الأدبية وبمستواها الراقي وباحتوائها لنخبة مثقفة مبدعة على درجة من التميز، فاستمر في حضور جلساتها الأسبوعية إلى أن وجد في نفسه ميلا لإبداء الرأي فيما يسمع من إبداعات، ثم ليكتشف فيما بعد أن لديه موهبة وقدرة على كتابة القصة القصيرة ، يؤكد محمد عباس الروبي أن الفضل في اتجاهه نحو الكتابة الأدبية يعود بشكل غير مباشر إلى ابن عمه الشاعر الأمي الجميل علي ياسين الروبي.
عن نشأت على الروبي يحدثنا ابن عمه القاص " محمد الروبي" يقول: تركه والده صغيراً لم يتجاوز الرابعة كأخ ثانٍ لأخٍ يكبره بعامين، تولت تربيته جدته لأبيه بعد أن تزوجت والدته بعد رحيل والده بأربعة أعوام تقريباً، ومن حسن حظ على الروبي وأخيه الأكبر أن جدته عمَّرت طويلا وعاشت ترعاهما حتى رأت على ياسين الروبي وأخاه وقد تزوجا وأنجبا أحفاداً كثر لها ، غير أن جده ـ ورغم أنه كان شيخ بلد متوسط الثراءـ آثر أن يكتفي الصبيين من التعليم بالسنوات الأولى من المرحلة الابتدائية، ومن ثم عهد بهما إلى واحد من أبناء العائلة كان يعمل بمهنة التنجيد .. استطاع هذا الرجل أن يعلمهما المهنة، وفن التعامل مع السوق وكيفية المحافظة على علاقتهما بالزبائن، لذلك حقق على ياسين الروبي وأخوه نجاحاً وشهرة في مهنتهما أهلتهما لبناء عمارة شاهقة وتعليم أبنائهما ومواصلة الحياة الكريمة بعفة وطهارة يد ونزاهة خلق .
ليس غريبا إذن أن تتجه موهبة الروبي نحو الشعر العامي وتقترب جدا من الشعر الشعبي، وليس غريباً ، وليس غريباً أن يكون الحزن سياج تجربته الشعرية، وليس غريباً أن يهدي ديوانه إلى روح جدته .. يقول في هذا الإهداء:
" إلى جدتي
وشمس طفولتي
للى حنَّت
وليَا حنَّت
غنوة في قلبي اتلحنت
يا حتة فيَّا ما بتدوبي
يا أم لياسين الروبي
ودا إهدائي على مكتوبي
أهديه لكل إنسان أمي
وأنزف له حروف أهي من دمي
كلام بسيط حلو وعامي
أهديه لأهل الكون كله
إن كان فصيح أو كان عامي"
نشر علي الروبي أعماله أول ما نشر في جريدة " أخبار الأدب" التي قدمته للقراء "بالشاعر ذو الجلباب " فلم يكن على ياسين الروبي يرتدى غير جلبابه البلدي الفضفاض، ثم تابع النشر في جريدة الجمهورية، ثم كافة الجرائد المصرية, إلا أنه استطاع بآخرةٍ من عمره إصدار ديوانه الأول على نفقته الخاصة ضمن إصدارات جماعة آمون الأدبية؛ ليحوى بين دفتيه جزءاً يسيراً من أشعار على الروبي ، الديون يحمل العنوان "آخر كلام في الحزن " أصدره عام 2002م ، قدم للديوان الروائي الشاعر " مصطفي مروان " رئيس الجماعة، ثم في نهاية الديوان مختتم نقدي بقلم الدكتور يسري العزب، وقد أجمع كلا الرجلين على تميُّز تجربة على الروبي وعفويتها واقترابها من الموروث الشعري الشعبي خاصة الموال، وقد صنفه الدكتور يسري العزب كشاعر شعبي في دراسته المصاحبة ، إذ يقول : نحن مع شاعر شعبي يكتب ما يحسَّه تلقائياً في الشكل الذي يدرك بفطرته أنه شعر، فنجد ميلاً إلى المقطوعات القصيرة التي تشبه ـ إلى حد ما ـ مربعات " الواو " المنسوبة إلى أول شاعر شعبي صعيدي هو " ابن عروس " ونجد مقطوعات تشبه إلى حد ما ـ رباعيات " صلاح جاهين " كما نجد وامضة تشع ولا تلبث أن تنطفئ، في قصائد أخرى تشبه ـ إلى حد ما ـ الومضة في شعرنا الحديث" .
الحاج مصطفي مروان رئيس جماعة لآمون ـ في مقدمته للديوان ـ ذهب إلى ما ذهب إليه الدكتور العزب في تأكيده على الفطرية والعفوية قائلاً : " فطريا يتناغم مع الكون .. تلقائياً يغني حروفاً جاش بها صدره .. قواعده في الغناء هي الجمال بألوانه وأحاسيسه" ثم يتابع الحاج مصطفي: " حاولنا مع الشاعر علي ياسين الروبي في جماعة آمون الأدبية أن نجعله تلميذاً، فكان يتواضع لنرجسيتنا ثم يفاجئنا بأستاذيته .. يبهرنا ويسعدنا فننحني له إعجاباً وطرباً .. علي الروبي ذو الجلباب كما يحب أن يسمي نفسه، يعتز بعرق جبينه، وتنضحه يداه"
الجدير بالذكر أن علي ياسين الروبي حاول في أخريات حياته الاقتراب من عالم القراءة والكتابة مسترجعاً ما تلقاه في الصفين الأول والثاني الابتدائي قبل أن ينقطع عن التعليم بعد وفاة والده، وقد ساعده بعض المقربين على" فك الخط" كما كان يقول على ياسين نفسه، واستطاع أخيراً أن يمسك بين يديه الجرنال ويفسر بعض الكلمات.
يقول القاص" محمد ياسين الروبي" ابن عم الراحل أنه كثيراً ما ذهب إلى القاهرة والإسكندرية بصحبة على ياسين، وما من مرة إلا وفاجأه الأخير بأنه يعرف مكتبات القاهرة والإسكندرية، ثم يصطحبه إلى تلك المكتبات لاقتناء الكتب خاصة دواوين بيرم وجاهين" .. ويقول ابنه "محمد " إنه عندما كان يذهب إلى القاهرة بصحبة والده، كان يصحبه إلى مكتبة مد بولي، وفيما كان يظن الابن أن والده يبحث عن دواوين الشاعر الصعيدي عبدالرحمن الأبنودي يفاجأ أن والده كان يبحث عن أعمال بيرم وجاهين الشاعرين الذين أغرم بهما على الروبي كثيرًا، وحاول أن يتلمس خطاهما في تجربته. يقول الروبي مخاطباً بيرم التونسي في إجلال :
" سامحني يا بيرم
وسامح كمان أمي
كان نفسي أكتب عنك
لكن للأسف أمي "
في تجربة على الروبي رغم بساطتها عمق ابن البلد، ووعيه الكامن بالحياة ، ومن ثم كان الوطن بمعناه الكبير يشكل جزءاً من اهتمامات الشاعر.. ونلمس في تجربته حساً وطنياً عاليا .. يقول الروبي متغنياً بالوطن :
محظوظ من شاف النيل
وتجري فيه المراكب
ولو شربه واحده م النيل
يرجع له من غير مراكب"
وفي موضع آخر يقول:
" يا مصر يا اللي دموع الفرح
نيلك
باغنيلك
وقمر ينور سما ليلك
والشمس تملا
أرضك ضوء
فيها طهر لينا وفيها وضوء
والصلا ع النبي ماليه باليقين
شعبك
تعيشي مؤمنة يا مصر
وتذللي متاعبك"
بّيْدَ أن الواقع المحبط والأحلام المبددة كانا يشكلان سياج التجربة عند الروبي ، يقول الروبي في مقطوعة بعنوان " أنا والحلم" :
أنا قبل ما أسبل
رموشي وانام
بتأكد إن الحلم مش جوا
وأقوم الصبح متنكد
ويكون السبب هو "
عاش الروبي معايشاً أحلامه وآماله رغم ذلك :
"الحلم شايل مرتبته
ومش راضي ينام
بيقول : العالم جربته
ميت سنة قدام "
غير أن ما تميزت به تجربة الروبي على الصعيد الرؤيوي هو اعتناقها الحزن ، فنبرة الحزن رغم مرحه السلوكي ـ يبدو لبنة أساسية في تجربته .
يقول:
حزينة الساقية مجروحة
تواسيها السنطة والتوتة
بحدوتة
تئن ف عروقي
وتعطي غيطان وترويها
وهي تئن"
وفي مقطوعة أخري معنونة "من جوه هدومك متعلق" يقول:
" وساعة الحيط اللى بترقص فى زمانا دقايق
والعمر يفوت متضايق
شماعة تعلق لهمومك
من جوه هدومك متعلق
ساعة ما تدق ثواني الحيط
ولا ألف محيط يغسلوا همِّي
ولا مين داري وف توب الهمّ أنا متدّاري
والساعة لما تعاندني
تيجي ف ودني
وتدق العمر ولا ف بالي."
غير أن ما ما تميزت به تجربة علي الروبي ـ فنيًّا ـ هو بلاغة الإيجاز ، فمقطوعاته الشعرية رغم قصرها ، ورغم قلة عدد حروفها تظل مشحونة بالمعاني والدلالات والإيحاءات ، هذا بجانب التكثيف الشديد الذي لا نلمس معه أية بادرة للترهل. هذا بجانب الدقة في اختيار اللفظ العامي المتداول بيئياً، أو المرتبط ببيئة إنسان التجربة التي يعبر عنها ياسين الروبي . يلتقط علي الروبي اللفظ البسيط ليوظفه توظيفا يعطيه مدلولا جديداً وبعداً إيحائياً ورمزياً، وكذلك الدقة في التصوير والاهتمام بالنمنمات الصغيرة التي تؤكد جماليات المشهد الشعري، وكذلك النهاية أو الخاتمة الفلاشية الكهربية المدهشة التي كان يختتم بها مقطوعاته، وغير ذلك الاهتمام بالإيقاع الكمي الذي كان يتوالد من التقفية والتسجيع والتفعيله، وإن كنا لمسنا في أعماله كسرات عروضية .
لنا أن نلاحظ دقة على الروبي وبراعته في رسم المشهد الشعري في مقطوعته المعنونة " أدان الأرض" التي يقول فيها:
" يا أرض يا أم الطين
ومقسَّمة فدادين
مين أوفي منك مين ؟
والضل سهراية
ومفصلة م النيل توبين وعباية
يا بنت يا قناية
يا نايمة في الزرعة
والنخل ع الصفين يشرب من الترعة
وماشية المواشي تميل وفي الغيطان ترعى
أطفال صغار حافية
يتحنوا بترابك
يفتحوا بابك "
أو في مقطوعنه المعنونة " هروب الضل" التي يقول فيها:
" لما بتشخط الشمس في الحارة
تخاف البيبان
ويكشِّر جمال البيت
حتى الصغار بيتخبوا
لما بتدخل خروم الباب
يشاوروا عليها ويهربوا
ينهج سطح البيت ويتألم
سلالم بيتنا من حرها في الحيط
تهرب من وسطنا الضلة
لكن بنشوفها بتلزق
جوا حيطان الحارة "
رحم الله شاعرنا الجميل علي ياسين الروبي واسكنه فسيح جناته، وأدع أفراد أسرته وعائلته إلى المحافظة على آثار علي الروبي الشعرية وجمعها والعمل على نشرها، كما أدعو أدباء الصعيد ومثقفيه إلى الاهتمام بتجربة الروبي التي أمست في ذمتهم، بعد أن أمسي علي الروبي في ذمة الله، ونتمنى أن تلتفت إلى تراثه الشعري الجهات المعنية برعاية المواهب وحفظ التراث، لقد أصبح ما تركه الروبي إرثا علينا أن نحافظ عليه وأن نوليه عناية بالنشر والدراسة، خاصة أن تجربة الروبي تتقاطع مع الموروث الشعبي الشعري الذي بدأ يفر من بين أعيننا أمام هجمة العولمة والمثاقفة العمياء المتغربة والخطاب الثقافي الرسمي النخبوي المتعالي.
لا أقل من أن تنشر الجهات الرسمية ممثلة في هيئة قصور الثقافة ، وإقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي والهيئة المصرية العامة للكتاب والمجلس الأعلى للثقافة واتحاد الكتاب المصريين وغيرهم نتاج علي الروبي الشعري وتفرد له الاهتمام البحثي في مؤتمراتها الكثيرة التي تعقدها، ولا أقل من أن تُكرم روح علي ياسين الروبي، الرجل الذي عاش ومات عفيفاً ، هذا المبدع الأصيل الذي لم يلتفت إلي تكريمه أحد وهو حيّ يعيش بيننا في عالم أضحى يحتفي بالموت أكثر من احتفائه بالحياة، وفي وقت تعني فيه هذه الجهات المذكورة بتحويل التكريم إلى هبة تمنحها لمن لا هبة له ، أو منة تمنحها لمن يقف بإلحاح على الأبواب.
عبدالجواد خفاجي
2/10/2008 م
يقينا ستظل طويلاً تذكر الأوساط الأدبية ـ في محافظة قنا إن لم يكن في الصعيد كله ـ على ياسين الروبي المنجد الشاعر الأمي ذو الجلباب ، ابن عروس الجديد الذي تميز بحضور تجربته الشعرية العفوية التي تقترب كثيرًا من الشعر الشعبي.
على الروبي كان اكتشافاً يعود الفضل فيه إلي جماعة آمون الأدبية بنجع حمادي، وهي جماعة أدبية مستقلة ظهرت بنجع حمادي أواسط التسعينيات .. كان على الروبي واحداً من أبرز أعضائها ، يمارس نشاطه من خلال حضور الجلسات الأدبية الأسبوعية والمهرجانات السنوية التي كانت تقيمها الجماعة، ومارس النشر في دوريات الجماعة التي كانت تصدرها في وقت كان النشر عزيزاُ على الأدباء في صعيد مصر.
بَيْد أن علي الروبي سرعان ما تميز وعلا نجمه بعلو نجم الجماعة الأدبية التي فرضت حضورها على الساحة الأدبية وذاع صيتها في كل الأوساط الأدبية، فكان على الروبي يصر على اصطحاب أعضاء جماعة آمون الأدبية أينما اتجهوا وأينما وجهت لهم الدعوات في الجامعات أو المؤتمرات أو الأمسيات الشعرية في القرى والنجوع بمراكز قنا وفرشوط ونجع حمادى وأبوتشت ودشنا وغيرهم .. غير أن على الروبي مارس حضوره بفاعلية بعدما عرف طريق النشر بالجرائد ، وبعدما عرفه الأدباء والمهتمين بالأدب كواحد من أندر شعراء الصعيد الذين يمارسون كتابة الشعر العامي بعفوية وتلقائية نادرة ، وموهبة حقيقية تختزن موروثها الشعبي وتعبر عن طموحات الإنسان البسيط وتجسد نظرته ورؤيته للحياة .. رغم أن علي ياسين الروبي كما كان يُقدِّم نفسه للناس ـ رجل أمي ، لم يتلقَ تعليما يؤهله للقراءة والكتابة، إلا أن من يعاشره عن قرب للمرة الأولي لا يمكنه اكتشاف أميته إلا إذا أخبره بذلك على ياسين الروبي شخصياً.
فقد كان رحمه الله مثقفاً يجمع بين الثقافة الشعبية التي يرتبط بها مهنياً وحياتياً وبين ثقافة الفئة المتعلمة المبدعة التي يرتبط بها وجدانيا لكونه مبدعاً عاشقا للشعر ، غير أنه كان راقي الخطاب، يحسن الاستماع ، لديه قدرة فطرية على الفهم والتحليل والاستنتاج، ، و اختزان المعلومة، ويجيد الحوار والحديث اللبق، لديه دراية واسعة بالحياة ، غير أنه كان حلو المنطق، سريع البديهة، مليح النكتة، بشوشاً، له حضوره المميز، غير أنه صاحب كاريزما خاصة تؤهله للبقاء في أذهان من يراه أو يسمعه لأول مرة.
غير أن فضل علي ياسين الروبي على محيطه الأسري كان واضحا ، يقول ابنه الأكبر "محمد " : كان لوالدي فضل حبي للشعر وللكلمة الجميلة ولجلسات المثقفين والأدباء ومن ثم عشقي للثقافة والأدب ، أما ابن عمه الأديب " محمد عباس الروبي" يؤكد أنه لم يكن ينتج أدبا حتى مرحلة متأخرة من حياته رغم أنه عاشق للأدب والقراءة والثقافة واقتناء الكتب، إلا أنه في الأوقات التي كان يعود فيها من غربته إلى بلده نجع حمادي كان يذهب للقاء ابن عمه على الروبي وأخيه ، فلا يجد غير الأخ الأكبر فيسأله عن على الروبي ليقول له الأخير: " ابن عمك مهتم بالشعر وبيجرى ورا الشعرا والكلام الفاضي وسايب الشغل .. تلاقيه في الشبان المسلمين مع جماعة آمون " يؤكد محمد الروبي أنه عند ذهابه للمرة الأولى إلى جماعة آمون بنادي الشبان المسلمين، فوجئ بأن ابن عمه على ياسين الروبي شاعر ، ليس هذا فحسب ، بل لديه القدرة على ممارسة النقد التأثري على كل ما يسمعه من إبداعات أعضاء جماعته، كما فوجئ بوجود جماعة تسمى آمون الأدبية وبمستواها الراقي وباحتوائها لنخبة مثقفة مبدعة على درجة من التميز، فاستمر في حضور جلساتها الأسبوعية إلى أن وجد في نفسه ميلا لإبداء الرأي فيما يسمع من إبداعات، ثم ليكتشف فيما بعد أن لديه موهبة وقدرة على كتابة القصة القصيرة ، يؤكد محمد عباس الروبي أن الفضل في اتجاهه نحو الكتابة الأدبية يعود بشكل غير مباشر إلى ابن عمه الشاعر الأمي الجميل علي ياسين الروبي.
عن نشأت على الروبي يحدثنا ابن عمه القاص " محمد الروبي" يقول: تركه والده صغيراً لم يتجاوز الرابعة كأخ ثانٍ لأخٍ يكبره بعامين، تولت تربيته جدته لأبيه بعد أن تزوجت والدته بعد رحيل والده بأربعة أعوام تقريباً، ومن حسن حظ على الروبي وأخيه الأكبر أن جدته عمَّرت طويلا وعاشت ترعاهما حتى رأت على ياسين الروبي وأخاه وقد تزوجا وأنجبا أحفاداً كثر لها ، غير أن جده ـ ورغم أنه كان شيخ بلد متوسط الثراءـ آثر أن يكتفي الصبيين من التعليم بالسنوات الأولى من المرحلة الابتدائية، ومن ثم عهد بهما إلى واحد من أبناء العائلة كان يعمل بمهنة التنجيد .. استطاع هذا الرجل أن يعلمهما المهنة، وفن التعامل مع السوق وكيفية المحافظة على علاقتهما بالزبائن، لذلك حقق على ياسين الروبي وأخوه نجاحاً وشهرة في مهنتهما أهلتهما لبناء عمارة شاهقة وتعليم أبنائهما ومواصلة الحياة الكريمة بعفة وطهارة يد ونزاهة خلق .
ليس غريبا إذن أن تتجه موهبة الروبي نحو الشعر العامي وتقترب جدا من الشعر الشعبي، وليس غريباً ، وليس غريباً أن يكون الحزن سياج تجربته الشعرية، وليس غريباً أن يهدي ديوانه إلى روح جدته .. يقول في هذا الإهداء:
" إلى جدتي
وشمس طفولتي
للى حنَّت
وليَا حنَّت
غنوة في قلبي اتلحنت
يا حتة فيَّا ما بتدوبي
يا أم لياسين الروبي
ودا إهدائي على مكتوبي
أهديه لكل إنسان أمي
وأنزف له حروف أهي من دمي
كلام بسيط حلو وعامي
أهديه لأهل الكون كله
إن كان فصيح أو كان عامي"
نشر علي الروبي أعماله أول ما نشر في جريدة " أخبار الأدب" التي قدمته للقراء "بالشاعر ذو الجلباب " فلم يكن على ياسين الروبي يرتدى غير جلبابه البلدي الفضفاض، ثم تابع النشر في جريدة الجمهورية، ثم كافة الجرائد المصرية, إلا أنه استطاع بآخرةٍ من عمره إصدار ديوانه الأول على نفقته الخاصة ضمن إصدارات جماعة آمون الأدبية؛ ليحوى بين دفتيه جزءاً يسيراً من أشعار على الروبي ، الديون يحمل العنوان "آخر كلام في الحزن " أصدره عام 2002م ، قدم للديوان الروائي الشاعر " مصطفي مروان " رئيس الجماعة، ثم في نهاية الديوان مختتم نقدي بقلم الدكتور يسري العزب، وقد أجمع كلا الرجلين على تميُّز تجربة على الروبي وعفويتها واقترابها من الموروث الشعري الشعبي خاصة الموال، وقد صنفه الدكتور يسري العزب كشاعر شعبي في دراسته المصاحبة ، إذ يقول : نحن مع شاعر شعبي يكتب ما يحسَّه تلقائياً في الشكل الذي يدرك بفطرته أنه شعر، فنجد ميلاً إلى المقطوعات القصيرة التي تشبه ـ إلى حد ما ـ مربعات " الواو " المنسوبة إلى أول شاعر شعبي صعيدي هو " ابن عروس " ونجد مقطوعات تشبه إلى حد ما ـ رباعيات " صلاح جاهين " كما نجد وامضة تشع ولا تلبث أن تنطفئ، في قصائد أخرى تشبه ـ إلى حد ما ـ الومضة في شعرنا الحديث" .
الحاج مصطفي مروان رئيس جماعة لآمون ـ في مقدمته للديوان ـ ذهب إلى ما ذهب إليه الدكتور العزب في تأكيده على الفطرية والعفوية قائلاً : " فطريا يتناغم مع الكون .. تلقائياً يغني حروفاً جاش بها صدره .. قواعده في الغناء هي الجمال بألوانه وأحاسيسه" ثم يتابع الحاج مصطفي: " حاولنا مع الشاعر علي ياسين الروبي في جماعة آمون الأدبية أن نجعله تلميذاً، فكان يتواضع لنرجسيتنا ثم يفاجئنا بأستاذيته .. يبهرنا ويسعدنا فننحني له إعجاباً وطرباً .. علي الروبي ذو الجلباب كما يحب أن يسمي نفسه، يعتز بعرق جبينه، وتنضحه يداه"
الجدير بالذكر أن علي ياسين الروبي حاول في أخريات حياته الاقتراب من عالم القراءة والكتابة مسترجعاً ما تلقاه في الصفين الأول والثاني الابتدائي قبل أن ينقطع عن التعليم بعد وفاة والده، وقد ساعده بعض المقربين على" فك الخط" كما كان يقول على ياسين نفسه، واستطاع أخيراً أن يمسك بين يديه الجرنال ويفسر بعض الكلمات.
يقول القاص" محمد ياسين الروبي" ابن عم الراحل أنه كثيراً ما ذهب إلى القاهرة والإسكندرية بصحبة على ياسين، وما من مرة إلا وفاجأه الأخير بأنه يعرف مكتبات القاهرة والإسكندرية، ثم يصطحبه إلى تلك المكتبات لاقتناء الكتب خاصة دواوين بيرم وجاهين" .. ويقول ابنه "محمد " إنه عندما كان يذهب إلى القاهرة بصحبة والده، كان يصحبه إلى مكتبة مد بولي، وفيما كان يظن الابن أن والده يبحث عن دواوين الشاعر الصعيدي عبدالرحمن الأبنودي يفاجأ أن والده كان يبحث عن أعمال بيرم وجاهين الشاعرين الذين أغرم بهما على الروبي كثيرًا، وحاول أن يتلمس خطاهما في تجربته. يقول الروبي مخاطباً بيرم التونسي في إجلال :
" سامحني يا بيرم
وسامح كمان أمي
كان نفسي أكتب عنك
لكن للأسف أمي "
في تجربة على الروبي رغم بساطتها عمق ابن البلد، ووعيه الكامن بالحياة ، ومن ثم كان الوطن بمعناه الكبير يشكل جزءاً من اهتمامات الشاعر.. ونلمس في تجربته حساً وطنياً عاليا .. يقول الروبي متغنياً بالوطن :
محظوظ من شاف النيل
وتجري فيه المراكب
ولو شربه واحده م النيل
يرجع له من غير مراكب"
وفي موضع آخر يقول:
" يا مصر يا اللي دموع الفرح
نيلك
باغنيلك
وقمر ينور سما ليلك
والشمس تملا
أرضك ضوء
فيها طهر لينا وفيها وضوء
والصلا ع النبي ماليه باليقين
شعبك
تعيشي مؤمنة يا مصر
وتذللي متاعبك"
بّيْدَ أن الواقع المحبط والأحلام المبددة كانا يشكلان سياج التجربة عند الروبي ، يقول الروبي في مقطوعة بعنوان " أنا والحلم" :
أنا قبل ما أسبل
رموشي وانام
بتأكد إن الحلم مش جوا
وأقوم الصبح متنكد
ويكون السبب هو "
عاش الروبي معايشاً أحلامه وآماله رغم ذلك :
"الحلم شايل مرتبته
ومش راضي ينام
بيقول : العالم جربته
ميت سنة قدام "
غير أن ما تميزت به تجربة الروبي على الصعيد الرؤيوي هو اعتناقها الحزن ، فنبرة الحزن رغم مرحه السلوكي ـ يبدو لبنة أساسية في تجربته .
يقول:
حزينة الساقية مجروحة
تواسيها السنطة والتوتة
بحدوتة
تئن ف عروقي
وتعطي غيطان وترويها
وهي تئن"
وفي مقطوعة أخري معنونة "من جوه هدومك متعلق" يقول:
" وساعة الحيط اللى بترقص فى زمانا دقايق
والعمر يفوت متضايق
شماعة تعلق لهمومك
من جوه هدومك متعلق
ساعة ما تدق ثواني الحيط
ولا ألف محيط يغسلوا همِّي
ولا مين داري وف توب الهمّ أنا متدّاري
والساعة لما تعاندني
تيجي ف ودني
وتدق العمر ولا ف بالي."
غير أن ما ما تميزت به تجربة علي الروبي ـ فنيًّا ـ هو بلاغة الإيجاز ، فمقطوعاته الشعرية رغم قصرها ، ورغم قلة عدد حروفها تظل مشحونة بالمعاني والدلالات والإيحاءات ، هذا بجانب التكثيف الشديد الذي لا نلمس معه أية بادرة للترهل. هذا بجانب الدقة في اختيار اللفظ العامي المتداول بيئياً، أو المرتبط ببيئة إنسان التجربة التي يعبر عنها ياسين الروبي . يلتقط علي الروبي اللفظ البسيط ليوظفه توظيفا يعطيه مدلولا جديداً وبعداً إيحائياً ورمزياً، وكذلك الدقة في التصوير والاهتمام بالنمنمات الصغيرة التي تؤكد جماليات المشهد الشعري، وكذلك النهاية أو الخاتمة الفلاشية الكهربية المدهشة التي كان يختتم بها مقطوعاته، وغير ذلك الاهتمام بالإيقاع الكمي الذي كان يتوالد من التقفية والتسجيع والتفعيله، وإن كنا لمسنا في أعماله كسرات عروضية .
لنا أن نلاحظ دقة على الروبي وبراعته في رسم المشهد الشعري في مقطوعته المعنونة " أدان الأرض" التي يقول فيها:
" يا أرض يا أم الطين
ومقسَّمة فدادين
مين أوفي منك مين ؟
والضل سهراية
ومفصلة م النيل توبين وعباية
يا بنت يا قناية
يا نايمة في الزرعة
والنخل ع الصفين يشرب من الترعة
وماشية المواشي تميل وفي الغيطان ترعى
أطفال صغار حافية
يتحنوا بترابك
يفتحوا بابك "
أو في مقطوعنه المعنونة " هروب الضل" التي يقول فيها:
" لما بتشخط الشمس في الحارة
تخاف البيبان
ويكشِّر جمال البيت
حتى الصغار بيتخبوا
لما بتدخل خروم الباب
يشاوروا عليها ويهربوا
ينهج سطح البيت ويتألم
سلالم بيتنا من حرها في الحيط
تهرب من وسطنا الضلة
لكن بنشوفها بتلزق
جوا حيطان الحارة "
رحم الله شاعرنا الجميل علي ياسين الروبي واسكنه فسيح جناته، وأدع أفراد أسرته وعائلته إلى المحافظة على آثار علي الروبي الشعرية وجمعها والعمل على نشرها، كما أدعو أدباء الصعيد ومثقفيه إلى الاهتمام بتجربة الروبي التي أمست في ذمتهم، بعد أن أمسي علي الروبي في ذمة الله، ونتمنى أن تلتفت إلى تراثه الشعري الجهات المعنية برعاية المواهب وحفظ التراث، لقد أصبح ما تركه الروبي إرثا علينا أن نحافظ عليه وأن نوليه عناية بالنشر والدراسة، خاصة أن تجربة الروبي تتقاطع مع الموروث الشعبي الشعري الذي بدأ يفر من بين أعيننا أمام هجمة العولمة والمثاقفة العمياء المتغربة والخطاب الثقافي الرسمي النخبوي المتعالي.
لا أقل من أن تنشر الجهات الرسمية ممثلة في هيئة قصور الثقافة ، وإقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي والهيئة المصرية العامة للكتاب والمجلس الأعلى للثقافة واتحاد الكتاب المصريين وغيرهم نتاج علي الروبي الشعري وتفرد له الاهتمام البحثي في مؤتمراتها الكثيرة التي تعقدها، ولا أقل من أن تُكرم روح علي ياسين الروبي، الرجل الذي عاش ومات عفيفاً ، هذا المبدع الأصيل الذي لم يلتفت إلي تكريمه أحد وهو حيّ يعيش بيننا في عالم أضحى يحتفي بالموت أكثر من احتفائه بالحياة، وفي وقت تعني فيه هذه الجهات المذكورة بتحويل التكريم إلى هبة تمنحها لمن لا هبة له ، أو منة تمنحها لمن يقف بإلحاح على الأبواب.
عبدالجواد خفاجي
2/10/2008 م
10/16/2008 - 14:37
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
أعترف00أنك بالنسبة لى فنار يضيىء عتمة جهلى
اذن لك كل الشكر000ودمت مبدعا مختلفا
امال
تحية لك علي جهدك العظيم وأصالتك العريقة
كان لفراق والدي علي ياسين الروبي أثره العميق في نفسي خاصة لاني كنت اقضي معه اوقات كثيرة وكنت قريب جدا منه كان لعلي ياسين قلب حنين يضمني ولازلت للان أبكيه
واذكر له موقف يدل علي أصالته ورقة قلبه كنت نجلس سويا بنادي المعلمين بنجع حمادي تحت شجرةمعينة لانغير مكاننا يوميا نجلس بنفس المكان
ويوم من الايام واثناء قيام ادارة النادي بعمل الاصلاحات اللزمة للتجميل أقتلع الشجرة وجئنا لقضاء وقتنا وفوجئ الروبي باقتلاع الشجرة يمها بكي كطفل صغير موقف لن انساه يبكي لاقتلاع شجرة كانت تربطة بها علاقة ودا فكيف لانبكيه نحن
المتالق عبد الجواد خفاجي دمت لنا جميلا ورائعا
تقديرى لجهدك المتميز
ورحم الله العم على الروبى
واسكنه فسيح جناته
لك التحية
لعني محظوظ بمثل اهتمامك وتفضلك بالقراءة والتعليق
دام تفضلك