You are here

الصفحة الرئيسية

ورأيته يمشي علي الماء




ورأيته يمشي علي الماء
محمد عبده عباسي




كانت الشمس قد فرغت لتوها من سكب شواظ لهيبها علي رؤوس العباد متسللة من بين فروع الأشجار ، ثمة رجل هرم يحمل علي كتفيه عبء سنين خلت استظل بظل شجرة قرب البحر، والبحر ساجٍ في غيه ممتداً بزرقته حتي آخر المدي ..
بدا الرجل منهكاً يرتاح ، مد رجليه وفرد ذراعيه من خلفه يستند عليهما ، سارحاً بخياله في فضاء سخي ..
وجهه المشوب بحمرة الظهيرة يتوزع في صوفية رائقة وهو يتأمل طيوراً بحرية تروح وتجئ وبين البحر كأنما يعد أمواجه ..
الأشجار مثل مردة عماليق تقف بالمرصاد لهجوم البحر المعتاد في مثل هذه الأونة ..

حييته ، فرد التحية بالقيام من جلسته فأعدته كما كان وأنا أربت علي كتفه ، صّعد نظرته إلي وجهي كأنما يتملي منه وقال :
ـ عرفتك ..
انتبهت قليلاً ، فوجئت به يذكر أعمامي وأخوالي وأنا مرهف السمع تماماً حتي جاء علي ذكر اسم أبي :
ـ كان صديقي ..
فرت من عيني دمعة سحقتها بظاهر كفي قبل أن يلحظها ، وراح يذكرني بذكريات معه :
ـ كنا لا نفترق ..
وأشار بسبابتيه يلصقهما ببعضما البعض :
ـ كان ذلك منذ قرابة ربع قرن ، كنت تنعم بطفولتك وهو يعد شباك الصيد ويستعد للإبحار..
أومأت برأسي سعيداً ، قال :
ـ إذن أنا مثل أبيك ، هل أوصيك بوصية ؟
وافقته دون أدني شعور وحار أمري ، فعاجلني مباغتاً :
ـ إذا مت ، ادفنني بجوار البحر ..
وأشار إلي كثبان رملية صنعتها رياح الشتاء الماضي ، ثم سعل بشدة فارتابت نفسي :
ـ الآن امض إلي حال سبيلك ، تصحبك السلامة ..

ومضيت لا ألوي علي شئ سوي الوعد بلقاء جديد ، عند منحني الطريق رفع ذراعيه لأعلي مودعاً :
ـ أراك قريباً ..

التهم العمل كثيراً من الأيام المتواصلة حتي بلغت عاماً كاملاً أو يزيد :
ـ تعال ..
وجدته أمامي ينادي :
ـ هل نسيتني ؟
لم أرد وانحنيت علي وردة ملقاة علي الأرض قبل أن تدهسها الأقدام ، نظر إليها :
ـ يبدو أنها كانت لعاشقين مرا من هنا ليلة أمس ، هلم نبلغ مكاننا ..

اصطبغ سقف المكان بزرقة لا متناهية ،سماء خالية من الغيوم ، لكن البرد القارس مازال يحوم من حول المكان :
ـ هل تصدق ؟ بلغني موت ولدي في عرض البحر ..
وأشار إلي جهة الشمال ، ودموعه تنهمرمثل شلال ولم ينبس بحرف ، نطق بعد قليل :
ـ كان في رحلة العودة إلي الوطن ، عروسه كانت تنتظر يوم الزفاف ..
واستند بذراع نحيلة بانت عروقها من عند طرف قميصه الداكن اللون علي شجرة زنزلخت عتيقة :
ـ ساذهب للبحث عنه ..
ـ أين ؟

مضي وقد تركني أرقبه ، وراح يغذ الخطي متمهلاً فوق الرمال الناعمة ، حاولت اللحاق به ، أمسكت بذراعه ، نزعها من يدي في قوة شاب في العشرين :
ـ دعني لحالي ..

رحت أناديه ، لايردد الصدي سوي الفضاء الفسيح ،فلا هو رد علّي ولا التفت نحوي فظننته سيعود ، والفضاء الرحيب ظل يردد الصدي ..

ولج بقدميه في ماء البحر ، وبين المويجات الأولي راح يلوح بذراعه :
ـ وداعاً يابني ..
قالها وهو يمضي بخطو واثق ، ورأيته يمشى فوق الماء دون أن تبتل ملابسه أو يغرق ...

محمد عبده العباسي
بورسعيد / مصر

صورة محمد عبده العباسي
القسم: 

التعليقات

 
محمد العباسى
لديك لغه رائعه لسرد القصه
كما انك تمتلك الحس الدرامى بشكل جيد
لكنى ارى فى جملة النص الرائع انك تحتاج قليل من التكثيف المشبع لبعض الجمل
بعدها سنحصل على قاص محترف يجيد التعامل مع الحروف والكلمات وبناء النص
لكننى لا انكر ان جمالا رائعا يسكن كلمات قصتك
دمت مبدعا
____________________________________-
محمد ابراهيم
محمد ابراهيم
صورة محمد ابراهيم
 
الأخ محمد ابراهيم
سلاماً وتحية
شكراً علي تلك القراءة
وسوف نلتقي ثانية في عمل جديد
وإلي مزيد من التواصل .

محمد عبده العباسي
صورة محمد عبده العباسي
 
حبكتها حتى ما عرفنا من تداخلها وجودة سردها إلى ما تنتهي، ولست أدري إن كان باستطاعتي أن أنهل من رائع صبغك يوما أم لا
الطاهر مرابعي
صورة الطاهر مرابعي
 
العزيز محمد
كاد النص أن يكون جميلاً باللغة المتمكنة والتصوير الجميل لولا أنك تصل بالقارئ في النهاية إلى ما أومأت إليه في عنوان النص وجعلت بطلك يمشي على الماء بالفعل وبذلك كسوت النص بالتقليدية وأفلت من يدك عنصر المفارقة الضرورى لتلك النصوص القصيرة (وزعلتني أنا شخصياً) يا عزيزي محمد
أحييك وأشد على يديك
أسامة فرحات
أسامة فرحات
صورة أسامة فرحات
 
عزيزي الطاهر
شكراً لك
وسوف تجد بإذن الله المزيد من الكتابة القصصية وغيرها في موقع الورشة

محمد عبده العباسي
صورة محمد عبده العباسي
 
عزيزي أسامة
لك التحية
وشكراً علي ملاحظتك
محمد عبده العباسي
صورة محمد عبده العباسي
 
تحياتي لك يا صديقي
اشتقت الى ابداعاتك
دمت مبدعا وصديقا
بسام الطعان
صورة بسام الطعان
 
الأخ بسام
مرحباً بك
وشكري الجزيل علي تفضلك بالقراءة
وإلي مزيد من التواصل
ولك التحية

محمد عبده العباسي
صورة محمد عبده العباسي
 

شكرا لكم ذلك القص السلس العذب عن هذا الشيخ الطيب الذي قابله البطل في البداية شيخا عارفا بوالده وودعه رجلا مثقلا بهم فقد ولده
هذا أقرب بروح القص الشعبي المصري الذي يذكر بعض الصالحين أصحاب الكرامات ويقول الريفيون البسطاء نعم كان يمشي علي الماء
دمت مبدعا
نهى رجب محمد
ريشة المطر

نهى رجب
صورة نهى رجب

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 1 عضو يتصفح الموقع

أحدث التعليقات