You are here

الصفحة الرئيسية

يوزيف بويز .. فنان من طراز مختلف




يوزيف بويز ..
فنان من طراز مختلف
يوسف ليمود


(كل انسان فنان)
كانت هذه الجملة للنحات الالماني الراحل Joseph Beuys مثل حجر الاساس الذى بنيت عليه فلسفة فن ورؤية حياة حاولت تغيير المجتمع بل تغيير العالم بواسطة فن تتلاشى فيه الحدود التى تفصله عن الحياة لكى يصبح الفن حياة والحياة فنا .

::. يوزيف بويز
مع نهاية الحرب العالمية الثانية سقطت طائرة جندي المانى شاب فى احدى مناطق القوقاز وسارع سكان القرية لانقاذ الشاب فقاموا بتغطية جسمه بالشحم والبطاطين (ستكون هذه من الخامات الأساسية فى عمله اللاحق كفنان) وهو فى غيبوبة بين الحياة والموت احد عشر يوما..
كان بويز يدرس حتى ذلك الوقت البيولوجيا ولكنه بعد الحرب اتجه الى دراسة النحت فى اكاديمية الفن بدوسلدورف التى اصبح بروفيسورا فيها فيما بعد ومشاغبا كبيرا.. (جورو) بالمعنى الكامل للكلمة.
بعد ازمة نفسية عاصفة خرج بويزمنها بالارادة مولودا جديدا متخطيا حطامه وحروقه المنتشرة فى مساحات من جسده مغنيا للارادة - كما غنى لها نيتشة قبله - في اعمال وافعال واقوال تتفجر منها الطاقة والدفئ والرقة المتناهية.
فكان عرض عمله (كرسى الشحم) الذى اثار جدلا كثيرا ووضع صاحبة فى بؤرة الشهرة عبارة عن كرسى ملئت زاوية الجلوس فيه بكتلة مثلثة الشكل من الشحم , والمقصود هنا هو تناول مسألة الطاقة الكامنة فى المنطقة الجنسية (مكان الجلوس على الكرسى) وامكانية تحويلها الى طاقة روحية خلاقة ويشير الى هذا استخدامه الشاعري للشحم كمادة مطواعة لو نفخت فيها نفسا ساخنا سرعان ما تتحول الى سائل .
ذهب بويز ابعد من حدود انتاج اعمال فنية - مهما كانت درجة ثوريتها بالنسبة لذلك الوقت ..المانيا مابعد الحرب- كان هو اول من يعلم استخدام البورجوازية لها بعد ذلك كبضاعة فى سوق الفن ومخازن المتاحف وكديكورات فنية توحى بعمق الافق الروحى لمن يمتلكها ..ذهب ابعد من كل هذا ليكون بحق صاحب الدعوة او على الاقل مجسد الدعوة التى نادت بمحو الفواصل والحدود بين الفن والحياة فتقشير حبة بطاطس يكون عملا فنيا لو تم بحضور الوعى والكلام يمكن ان يكون نحتا والفنان يجب ان يكون هو نفسه عملا فنيا وكل انسان فنان
وكأستاذ فى اكاديمية الفن فتح باب فصله لكل من اراد وبغير حدود ومن غير رسميات حتى طردته الادارة واضطرت لاعادته بعد تحت ضغط شعبيته وكاريزميته فكان يجلس بين مئات الطلبة كواحد منهم يتعلم منهم كما يتعلمون منه مفسحا المجال لكل واحد كى يهتدى الى طريقه هو وبنفسه بأى شكل وبأية خامة سواء كان رسما ام كتابة ام نحتا ام فعلا فنيا ما (اكشن) ام فيلما لافرق عنده المهم فعل شئ ما..
عندما دعي الى امريكا فى السبعينات ترك نفسه يلف بالبطاطين كمومياء من اول الرحلة من دوسلدورف .. ومن مطار كينيدي كان في انتظاره سيارة اسعاف حملته ملفوفا الى القاعة التى سيقوم فيها بعرضه الفني (الأكشن) وفيها كانوا قد احضروا كلبا امريكيا شبيها بالذئب (كيوت) دخل عليه الفنان وهو مايزال ملفوفا ليقوم بحوار رائع مع الحيوان المتوثب والمذعور في نفس الوقت لينتهي بخضوع الحيوان التام لفناننا والنوم كصديق وسط مزق البطاطين التى كان نهشها عنه .
وفى دوكيومينتا كاسيل 1982 وهو اكبر عرض فني عالمي ينظم كل خمس سنوات بالمانيا كانت مشاركة بويز عبارة عن فكرة غرس سبعة الاف شجرة فى المدينة بجانب كل شجرة حجر ليؤكد على فكرة ان الفن شيئ يجب ان نتنفسه وان العالم يجب ان يصبح عملا فنيا وان الفن بمفهومه التقليدى اصبح عاجزا عن انتاج اى فن وغالبا ما ينتج خطابا يعمل ضد فكرة الفن نفسها .
تنوعت اعمال بويز لدرجة شملت كل ماوقع تحت يده من اشياء ولمسه بيد الساحر او اضافه كأفكار كتابة او قولا او افلام قصيرة او افعال احداث فنية (اكشن) خطط لأدواتها وترك لعفويته الحرية فى تناولها وقت الأداء .. ومع تنوع وكثرة ما عمله فان الكثير من تلك الاعمال كان عرضة للزوال باعتبارها اعمال كانت تخص لحظة ابداعها او مازالت عرضة للزوال بسبب التغيرات الكيماوية للخامات المستخدمة ..وعنصر الزوال هذا كان يشعر فناننا بنوع من الراحة بالنظر اليه كأحد الجوانب الشاعرية في عمله والتى تذهب بالتعبير الى مدي ابعد .
مات بويز بهجمة التهاب رئوي وهو فى مرسمه بمدينة دوسلدورف سنة 1986
................
يوسف ليمود
youssef_limoud@hotmail.com

صورة يوسف ليمود
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات