You are here
يوميات طبيب قروي
يوميات طبيب قروي
ترجمة : توفيق البوركي
كنت منشغلا جدا، علي أن أباشر سفرا مستعجلا إلى إحدى القرى التي تبعد عني عشرات الأميال حيث ينتظرني مريض يعاني داءا خطيرا. العاصفة الهوجاء جمدت الطريق الذي يفصلنا، كانت لي عربة، اقصد عربة صغيرة وخفيفة، ذات عجلات كبيرة، مناسبة تماما لتقطع مثل طرقنا. التحفت معطفي الجلدي، وأخذت حقيبتي وخرجت للفناء انتظر وأنا على أتم الاستعداد للذهاب، لكن ينقصني الحصان، فحصاني مات الليلة الماضية بعد أن أنهكه التعب خلال ذلك الشتاء القارص. في أثناء ذلك، ذهبت الخادمة لتبحث عن حصان عند أهالي القرية، لكن مهمتها باءت بالفشل، كنت اعرف النتيجة، لكن رغم ذلك فقد تابعت المهمة دون طائل ، وأنا مخدر تحت الثلج الذي يغطيني بدثاره الثقيل. على الباب ظهرت الفتاة وحيدة تحمل القنديل، طبيعي جدا فمن سيقدم على إعارة حصانه للقيام بسفر كهذا؟ عبرت الفناء شارد الفكر ويائسا، ليس هناك حل لما أنا فيه، ضربت بقدمي باب الزريبة الخالية منذ سنوات، فتح الباب الخرب حيث خرج بخار كثيف كما يحدث في الإسطبل إنها رائحة الأحصنة. كما أن هناك فانوس عليه غبار وقد علق بحبل، و على الحاجز السفلي هناك شخص قابع يظهر لي وجهه ذو العينان الزرقاوان.
- هل أثبتهما إلى العربة؟ سألني وهو يقترب على قوائمه الأربع.
لم اعرف ما أقوله له، وانحنيت لأنظر ما بداخل الزريبة والخادمة إلى جانبي.
- لا احد يعلم ما يمكن أن يجد في منزله. قالت الخادمة، وضحكنا معا.
- مرحبا أيها الأخ، مرحبا أيتها الأخت. صاح السائس.
الحصانين، إنهما رائعين وقويين جدا، قوائمهما منثنية ومشدودة ناحية الجسم، ورأسيهما المنحنيين يشبهان رأسي جملين، يملأن كليا الفراغ الموجود في الباب. لكن عندما انتصابا على قوائمهما الطويلة أطلقا بخارا كثيفا.
- ساعديه- قلت للخادمة فهبت طائعة ومدت طقم الدابة للسائس. لكن ما إن اقتربت منه حتى عانقها وقرب وجهه من وجهها، فهربت ناحيتي وهي تصيح وعلى خذيها تظهر آثار أسنانه.
- متوحش. قلت للسائس، هل تريدني أن أجلدك؟
فيما بعد فكرت أن الأمر يتعلق بإنسان غريب، اجهل أصله وقد قدم لي يد المساعدة عندما تخلى عني الكل. كما لو انه حدس أفكاري، لم يبد عليه انه تضايق من تهديدي له وظل منشغلا بالحصانين مرة واحدة فقط نظر إلي فيها.
- اصعد. قال لي، وبالتأكيد فكل شيء كان معدا.
آنذاك انتبهت أنني لم أسافر قط بمثل هذين الحصانين وصعدت وأنا مسرور.
- أنا من سيقود لأنك تجهل الطريق.
- شيء عادي – أجاب- أنا لن أسافر معك يا سيدي سأبقى مع روزا.
- لا. صاحت روزا فارة باتجاه المنزل، وقد حدثها قلبها بمصيرها المحتوم، سمعت أيضا الجلبة التي أحدثتها سلسلة الباب، و دوران المفتاح في القفل، كما أنني رأيت روزا وقد أطفئت الأنوار في الصالة وفي كل البيوت حتى لا يستطيعون إيجادها.
- أنت ستذهب معي – قلت للشاب وان لم يكن كذلك فسأتنازل عن السفر على الرغم من أهميته، ليس في نيتي أن أتركك مع الصبية كجزاء على مساعدتك لي .
- سي... صاح الفتى وصفق بيديه، تحركت العربة مجرورة كقطعة خشب جرفها التيار، سمعت حينها قرقرة باب المنزل وهو يسقط أجزاءا تحت ضربات الفتى، ثم غرقت عيناي وأذناي في دوامة العاصفة التي خلطت جميع حواسي؛ لكن كل هذا دام فقط للحظة ، كما لو أن باب منزلي يوجد مباشرة أمام باب منزل المريض، أنا هناك الآن ، توقف الحصانان وكفت الثلوج عن التهاطل ، وضوء القمر يعم المكان، فخرج والدي المريض من المنزل قلقين تتبعهم الأخت، وقد انتزعوني من العربة ،حيث لم افهم شيئا من ثرثرتهم. في غرفة المريض الهواء غير صالح للتنفس لان الموقد بعد أن أهملوه لم يعد يثير إلا الدخان. أردت أن افتح النافذة، لكن علي قبل ذلك أن أتفحص المريض؛ يبدو نحيفا ليس به حمى، لا ساخن ولا بارد، عيناه لا تحملان أي تعبير، ولا يرتدي أي قميص، ويلتحف بغطاء ريشي. أحاط عنقي بكلتا يديه وهمس لي:
- دكتور، دعني أموت.
نظرت حولي، لا احد سمعه، فالأبوان صامتان ينتظران مني النطق بالحكم، أما الأخت فقد قربت مني كرسيا لأضع عليه حقيبتي؛ فتحتها وبحثت بين أدواتي، بينما الشاب ما يزال مادا يديه لي ليذكرني بالتماسه، أخذت ملقاطين فحصتهما على ضوء الشمعة ووضعتهما مجددا.
- نعم، فكرت وأنا مغتاظ، في مثل هذه الحالات يساعدني الله، فبعث لي الحصان الذي احتاجه، ولأني كنت مستعجلا فقد أضاف لي حصانا آخر، وبالإضافة إلى كل هذا أرسل لي سائسا...
في تلك اللحظة بالذات تذكرت روزا، ماذا افعل؟ كيف أنقذها؟ كيف اخلص جسدها من ذلك الرجل، و أنا على بعد عشرة أميال ومع حصانين يستحيل ترويضهما؟ هذين الحصانين اللذين لست ادري كيف تخلصا من لجاميهما، ولا كيف تمكنا من مد رأسيهما عبر النافذة وتأمل المريض دون أن يتأثرا بأصوات العائلة.
- سأعود بسرعة، قلت كما لو أن الحصانين يستدعياني للسفر.
سمحت للأخت، التي اعتقدت أنني فقدت وعي بسبب الحر، بأن تنزع عني معطفي الجلدي، قدموا لي قدحا من الرون، في حين كان الشيخ يطبطب على كتفي لان ما أهداه لي هو ما يفسر تعامله الودي معي .
حركت رأسي رافضا الشرب لأنني أعاني بعض الألم في الدماغ، بقيت الأم جوار السرير ودعتني للاقتراب، فلبيت طائعا، في ذلك الحين، كان احد الأحصنة يصدر صهيلا غريبا وينظر إلى السقف، وضعت رأسي على صدر الشاب، الذي اهتز تحت لحيتي المبللة، لقد تأكد لي ما عرفت: الشاب سليم، ربما هو هزيل شيئا ما، أو انه مشبع بالقهوة التي تقدمها له الأم، لكنه سليم، من الأفضل أن أخرجه بجرة واحدة من الفراش.
لا، فانا لست مصلحا للعالم، تركته حيث هو.لست سوى طبيب عادي في المقاطعة يقوم بواجبه إلى أقصى ما يمكن، إلى نقطة يكون فيها ذلك نوعا من المبالغة ، ما أتقاضاه لا يفي بالغرض، لكن مع ذلك فانا سخي مع الفقراء.
من الضروري أن انشغل بروزا، فمن المحتمل أن يكون هذا الشاب على حق، وانه على أنا كذلك أن اطلب منهم أن يدعوني أموت. ماذا افعل هنا، في هذا الشتاء الذي لا ينتهي؟ مات حصاني ولا احد في القرية أعارني حصانه، كنت مجبرا أن اجر العربة من الزريبة لولا أن صادفت هذين الحصانين، أما لوحدث العكس، فكانت فكرتي أن استعين بالخنازير للقيام بهذا السفر. هذه هي وضعيتي الآن. حيّيت العائلة بحركة رأسية؛ إنهم لا يعرفون شيئا عن كل هذا، ولو قدر لهم أن يعرفوه فلن يصدقوه. من السهل أن تكتب الوصفات لكن في المقابل، فالصعوبة والتعقيد يكمنان في كيفية التفاهم مع الناس.
حسن الآن، حضرت لزيارة المريض بعد أن أزعجوني بلا طائل، فلقد تعودت على ذلك. فكل المقاطعة تفعل ذلك معي، لكن علاوة على كل هذا، علي أن أضحي بروزا الصبية الحسناء التي عاشت معي لسنوات دون أن أعير لوجودها الاهتمام الذي يستحقه... هذه التضحية تبدو زائدة عن حدها، وعلي أن أجد لها حلا ما ، أي شيء كيفما كان، حتى لا ادع نفسي تنجر مع هذه العائلة، التي وعلى الرغم من إرادتها الجيدة، فهم لا يستطيعون أن يعيدوني لروزا.لكن عندما بدأت بإغلاق الحقيبة وأشرت لهم بان يحضروا معطفي الجلدي، تجمعت العائلة: الأب يشم قدح الرون الذي بيده، والأم تبكي عاضة على شفتيها من الحسرة وخيبة الأمل، أما الأخت فتحرك منديلا ملطخا بالدم، ماذا ينتظر هؤلاء الناس إذن؟ تحت هذه الظروف أصبحت مستعدا لاعتقد بان الشاب ربما يكون مريضا، ابتسم لي كما لو أني احمل له وداّ...
آه. الآن فالحصانان يصهلان معا، هذه الجلبة كانت كفيلة لتجعل عملية الفحص سهلة، وهذه المرة اكتشفت بان الشاب مريض بحق: جرح كبير بحجم كفة الميزان في الجنب الأيمن قريبا من الردف، وردي، ذو عمق غامق، لكنه عند الحواشي يظهر واضحا، ناعم الملمس مع وجود كتل دم متخثرة غير عادية، تبدو من تلك المسافة كفوهة منجم مفتوحة للهواء الطلق، وكلما زاد القرب منه يبدو أسوأ من ذلك.من يستطيع أن ينظر لشيء كهذا دون أن يفلت منه صفير؟ الديدان، طويلة وغليظة في حجم خنصري،وردية ومنغمسة في الدم تتحرك في قاع الجرح، كما لو أنها تخيطه برؤوسها البيضاء وأرجلها العديدة.
مسكين أيها الفتى لا شيء استطيع القيام به لأجلك، لقد اكتشفت جرحك الكبير، قتلتك هذه الوردة المتفتحة في جنبك . أفراد الأسرة يبدون سعداء، رأوني اعمل؛ فالأخت أخبرت الأم التي بدورها أنبأت الأب الذي دخل على أطراف أصابعه ليعاين ما يجري.
- هل ستنقدني؟ غمغم الشاب مغالبا نشيجه وقد هاله منظر جرحه.
هكذا هم أناس منطقتي، ينتظرون دائما من الطبيب أن يقوم بالمستحيل، لقد فقدوا إيمانهم القديم، فيلزم القس منزله ويمزق ثيابه الكهنوتية، بالمقابل، على الطبيب أن يقوم بكل شيء، كما يشاءون؟؟؟...
أنا لم اطلب منهم أن يستدعوني إذا أرادوني أن اصنع لهم معجزة، ولن ارفض ذلك.ما هو أفضل شيء اطلبه، أنا الطّبيب القروي، المجرد من خادمته؟
كنت هناك عندما بدا أقرباء المريض، وكل شيوخ القرية يصلون، وقد جردوني من ملابسي، وحلقة من التلاميذ وعلى رأسهم المعلم وهو يغني نشدا طفوليا:
جرّدوه من ملابسه، حتى يشفيه..
وان لم يفعل فاقتلوه..
انه فقط طبيب.. انه فقط طبيب..
انظروا إلي، ها قد جرّدوني من ملابسي، و نتفوا لحيتي و أنا مطأطأ الرأس، أنظر إليهم بهدوء.أتحكم بشكل كبير في نفسي، فينتابني إحساس بأنني أسمى و ارفع منهم جميعا، و أحتمل، رغم أنه لا ينفعني في شيء،لأنهم في هذه اللحظة أخذوني من رأسي و قدميّ إلى فراش المريض، و وضعوني جانب الجدار، في جهة الجرح ثم خرجوا جميعا من الغرفة و أغلقوا الباب. توقف الغناء و حجبت السحب ضوء القمر،الأغطية تدفئني، و ظلاّ الحصانين يتراوحان عبر فراغ النافذة.
- هل تعلم بأنني لا أثق بك كثيرا، لا يهم كيف جئت إلى هنا، لأنك حتما لم تأت مشيا على الأقدام. فبدل أن تساعدني، جئت لتقاسمني سريري.ألا تعرف أنه ليسرني أن أقتلع عينيك.
- في الحقيقة، هذا مخجل، لكن أنا طبيب، ماذا تريدني أن أفعل؟أؤكد لك بأن مهمتي ليست بالهينة.
-هل تريد أن تريحني بهذا الاعتذار؟ نعم على ما أعتقد.علي دائما أن اقتنع، جئت إلى العالم بهذا الجرح الجميل، انه كل ما أملك.
- غلطتك يا صديقي تكمن في قلة نشاطك و اندفاعك، فأنا أعرف بيوت كل المرضى في المقاطعة، و أؤكد لك فجرحك ليس فظيعا،سببه ضربتا فأس في زاوية حادة. كثيرون هم من يهبون جوانبهم دون أن يعيروا اهتماما لدويّ الفأس في الغابة لكن على الأقل فهم يحسون به عندما يقترب منهم.
- أصحيح ما تقول أم أنك تستغل ما بيّ من حمى لتخدعني؟
- ما قلته صحيح، إنها كلمة شرف من طبيب محلف، يمكن أن تأخذ جرحك معك إلى العالم الآخر.
قبل كلمتي و لزم الصمت، فكانت اللحظة المناسبة لأفكر في الخلاص مما أنا فيه. الحصانان لا يزالان في مكانهما، بسرعة جمعت ملابسي، فليس لدي الوقت الكافي لارتدائها.افترضت لو أن الحصانين ركضا بنفس السرعة التي ركضا بها أثناء مجيئي، فسأكون في سريري خلال زمن يسير. احد الأحصنة ابتعد عن النافذة بانقياد تام، رميت الحزمة داخل العربة، وحده المعطف سقط خارجا وبقي متمسكا بأحد الخطاطيف. كان هذا كافيا، صعدت ظهر الحصان بقفزة واحدة، مطلقا له العنان، وانطلقت العربة لا تلوي على شيء ومعطفي الجلدي مجرور في الثلج.
- بسرعة- صحت. لكننا نمشي ببطء، كمسافرين في تلك الصحراء الثلجية. بينما غناء التلاميذ و الصبيان الذين يسخرون مني، بقي يسمع لبرهة من الزمن:
اسعدوا أيها المرضى..
فالطبيب هنا في فراشكم..
لم استطع أبدا أن أصل إلى منزلي، فقدت زبنائي، وقد شغل مكاني طبيب آخر، لكن دون فائدة تذكر لأنه لم يستطع أن يعوضني، أما منزلي، فقد عات السائس فيه فسادا،و راحت روزا ضحيته، لا أريد أن انشغل بذلك.
أموت من البرد وأنا شبه عريان داخل عربة عادية وحصانين خارقين للعادة. أدور في الطرقات ومعطفي معلق خلف العربة، لكنني لا استطيع الوصول إليه؛ ولا احد من أولئك المرضى الأوغاد هب لمساعدتي، يسخرون مني: توقف عن تلبية نداء الجرس الليلي حتى لا يحدث لك ما لا يحمد عقباه.
النص للكاتب التشيكوسلوفاكي فرانز كافكا 1883-1924و قد تمت ترجمته عن الإسبانية.للإطلاع على النص يرجى زيارة الرابط التالي:
http://www.ciudadseva.com/textos/cuentos/euro/kafka/medicoru.htm
ترجمه توفيق البوركي/المغرب



التعليقات
رغم تحفظى على كتابات كافكا الكابوسية
وفى انتظار المزيد من ابداعك
تقبل تحياتى ... دعاء
مع تحياتي
الطويل والجميل
نص يحيلنا على عالم
الذكريات
الانسانية
دم متميزا
لكن الواقع حوّله إلى شقاء مُترف بالوجع
نظرته المليئة بالرعب والخوف والضجر وربكة الشوارع المُعتمة
تجعلني أحاول أن أراه بطريقة مختلفة عن العالم أجمع
ربما لذلك أحب القراءة لك
ربما لذلك ابضاً سأقول لك ياتوفيق شكراً