ابحث
أميمة عزالدين
كاتبة مصرية
صدر مؤخرا ( طرقات المحبة ) عن نهضة مصر يناير 2011
مجرد حلمحاولت التغلب على تلك الرغبة فى التدخين سرا والتلذذ بنفث الدخان فى الهواء ، فى الركن المظلم بسطح البيت العالى ، بعيدا عن اعين الاب والاخ الكبير والاخ الصغير ، كانت تراها متعة مجانية مختلسة من الزمن ، ترى وتتابع دوائر الدخان وهى تحتسى القهوة المسائية وكأنها رجل على وشك اتمام الاعباء الثقيلة الملقاة على كاهله ، ولا يجد غير السيجارة ودخانها للترويح عن نفسه والتفكر فى الاحمال الثقيلة التى ينوء بها ظهره ، لكنه فخور بذلك الاحساس .اما هى فتسرق السيجارة ، تختلسها ليلا من علبة الاب المسجاة فى طمأنينة على الكوميدينو وبجوارها الولاعة , تنظر لوجه الاب الذى ارخى سدوله تماما واضحى طيبا عطوفا وهو فى هيئة النائم ، ورغم هذا لم يكتمل انعقاد حاجبيه ، اصبحت لازمة لوجهه الذى لم يستطع التخلص منها حتى اثناء النوم ، شخيره يعلو وينذر بتقلب احد جنبيه ، تختبىء وراء الستارة فى عجل وتجد الام تناوله وهو نصف نائم كوب ماء بارد يروى ظمأه ، يتجرعها على عجل ويتجشأ ويعاود النوم على جنبه الايمن ، ترى وجهه جيدا خلف الستارة الشيفون ، لو فتح عيناه وفركهما بقوة لرآها او حسبها لص فيرديها قتيلة بمسدسه الميرى الذى يعتز به من ايام الخدمة ، عندما كان امين شرطة بالقسم المجاور للبيت .فى هدوء وخفة تسحبت ومشت على اطرافها واخذت سيجارة واحدة وطارت بها لاعلى ، حيث السطح ، اشعلت السيجارة فى نهم وفى ثوان معدودة انفقت السيجارة وصارت مجرد عقب صغير وضيع ، نظرت له باحتقار بعد ان افرغت متعتها والقت به فى اهمال وتمددت فى دلال تنظر وتبحلق فى السماء ولم يؤثر فيها لسعة البرد التى جعلتها ترتعش وتحوط نفسها بكلتا يديها .تراقب النجوم المتناثرة فى السماء وتحدث نفسها فى حكمة :- كتل نارية معلقة بالسماء ، نحبها لانها بعيدة عنا لكن لو هبطت علينا لاحرقتنا بهيدروجينها وهليومها .تغمض عيناها لبرهة وتحلم وتحدث نفسها مرة اخرى :- مجرد حلم ، فليكن مجرد حلم .هيأت نفسها للحلم وابتسمت لنفسها لانها تركت البيت وتحررت من قبضة يد الاب الذى يصر ان يقبض عليها وهما يسيران فى الشارع كما لو كانت طفلة فى الخامسة ويتناسى انهاتقترب من الثلاثين .فى الحلم رأت نفسها / لم يكن حلما : وهى تسير عكس اتجاه الاب وتذهب الى ابعد متجر وتشترى علبة سجائر كاملة تدخنها دفعة واحدة وعلى مرأى من الناس الذيت ينظرون لها شذرا ويتهمونها بالانحلال والفساد وهى سعيدة بذلك وتخرج لسانها لهم فيظنونها مجنونة ويقذفونها بما تطوله ايديهم من عصى وحجارة وحصى صغير . والاب يرى كل هذا يمط شفتيه ولا ينهرهم بل كأن حاجزا من زجاج قد بينهما هى تراه ولا يراها ، هى تسمعهولا يسمعها .وفى نشوة اشترت علبة اخرى واتت عليها حتى شعرت بالصداع يتسلل الى رأسها لكن ما تزال السيجارة الاخيرة بين اصبعيها الوسطى والسبابة ،تنظر اليها فى تردد حتى حسمت امرها وطوحتها على الناس التى ينظرون لها فى احتقار ولم تحسب ان النيران ستشب فيمابينهم ، وتطول ملابسهم ، رائحة الحريق فى انفها وسخونة بالجو تحيط بها ، تحاول ان تتخلص من حلمها/ هكذا كانت تظن وتخرج منه ، لا تستطيع ، تشعر بوهج النيران على جلدها ، يلفح وجهها ، شيات زاعق يخترق انفها.انه مجرد حلم/ عقلها يحدثها بذلك ، فلتأتى يد قويه تهزها او تزغدها حتى تستيقظتريد ان تستيقظ من هذا الحلم .تتساءل اين ارادتها فى توقيف الاشياء عند مرماها وافتعال الفرح لما تشعر بموجات من مد الاحباط وجزر الدهشة وفرحة اكتشاف روحها من جديد .، لكنها لم تكف عن الهذيان وتخبرهم ان هذا مجرد حلموانها الى الان لا تستطيع الخروج من شرنقة الحلم .